جلسات الاستماع العلنية في تونس: منصة الحقيقة غير المكتملة


2020-01-12    |   

جلسات الاستماع العلنية في تونس: منصة الحقيقة غير المكتملة

تظهر العدالة الانتقالية كملف نخبوي لا يهمّ إلا النخبة السياسية والأكاديمية والحقوقية أو تُرى، لدى المواطن العادي، كملف شخصي يهم فقط أساسًا الضحية المباشرة لانتهاكات حقوق الإنسان. ومرد ذلك هو أن مختلف مراحل وآليات هذا المسار تقتصر، أساسًا، على تدخل أجهزة الدولة، هيئات أو هياكل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، من جهة أو الضحايا ومنظمات المجتمع المدني من جهة أخرى. في هذا السياق، تأتي جلسات الاستماع العلنية، واقعًا، بمثابة نافذة أو فرصة ليس فقط لانفتاح العدالة الانتقالية نحو الجمهور العريض، أي المواطنين العاديين، بل كذلك لضمان تحقيق أهداف هذه العدالة الخصوصية. فجلسات الاستماع العلنية تمثل، إجمالًا، الوسيلة الأنجع لاطلاع الرأي العام على الحقيقة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد وضمان حفظ الذاكرة الوطنية واستخلاص العبر وضمان عدم تكرار الانتهاكات تباعًا، بما ينتهي نحو ضمان معالجتها لتحقيق المصالحة الوطنية سواء بين الضحايا وجلّاديهم، وإجمالًا بين المواطن والدولة.

وقد نظمت هيئة الحقيقة والكرامة 14 جلسة استماع علنية بين نوفمبر 2016 إلى نهاية عهدتها في ديسمبر 2018، شملت تقديم 108 شهادة. وحملت الجلسات الأربع الأولى شهادات من عائلات سياسية مختلفة ومن فترات زمنية متعددة وشملت انتهاكات متنوّعة. بالمقابل، كانت بقية الجلسات العشر موضوعاتية أي حسب موضوع الانتهاك (الخميس الأسود /أحداث الثورة/ الانتهاكات ضد المرأة/ الانتهاكات ضد حرية الأنترنت/ الانتهاكات زمن الاستقلال/ الفساد المالي/ تزوير الانتخابات/ أحداث الرش/ أحداث الخبز/ منظومة الدعاية).

 

جلسات الاستماع العلنية وسؤال الحقيقة

لا غرو في القول، بداية، إن سلسلة جلسات الاستماع العلنية مثلت منصة لكشف حقيقة الانتهاكات لعموم التونسيين وأمنت بذلك، وبصفة مبدئية، إطلاع الرأي العام عليها. وفي هذا الإطار، يبيّن استبيان التونسيين حول العدالة الانتقالية المنجز في عام 2017 أن 25% من التونسيين لم يكن لديهم علم بالانتهاكات الحاصلة زمن النظام السابق، فيما أكد 37% أن هذه الجلسات أثرت بشكل "كبير" في الموقف من النظام السابق، فيما قال 52.9% أن التأثير كان "متوسطًا". وفي ذات السياق، ارتفع الموقف "السيء" من نظام الاستبداد من نسبة 20.4% قبل مشاهدة الجلسات العلنية إلى 59.3% من بعدها، أي بنحو 3 أضعاف.

وقد سمحت الجلسات، التي نقلتها عديد وسائل الإعلام وغطت تقريبًا أهم أحداث انتهاكات حقوق الإنسان خلال العهدة الزمنية للعدالة الانتقالية، من عرض مشاهد لجزء كبير من التونسيين كانوا يعرفون بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان ولكن لا يعرفون أشكالها، وكيفية ممارستها وبالخصوص آثارها على الضحية وعائلتها. وقد مكن استعراض الضحايا لقصصهم ومعاناتهم من بناء حالة من التعاطف والتصديق لرواياتهم أمام الجمهور العريض الذي كان جزء منه في حالة استغراب من بشاعة قصص المعاناة. وبذلك، ساهمت هذه الجلسات في كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات بما يمكن من ترسيخ الذاكرة الوطنية.

لكن في المقابل، مثلت جلسات الاستماع العلنية دليلًا على غياب الرافعة السياسية الرسمية، على مستوى السلطة التنفيذية تحديدًا للعدالة الانتقالية، وذلك بغياب الرؤساء الثلاث، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إضافة لرئيس البرلمان، عن أولى الجلسات التي عدّت حدثًا وطنيًا تاريخيًا واكبته شخصيات حقوقية أجنبية ووطنية وشاهده أكثر من 1.4 مليون مواطنًا[1]. ودفع غياب الشخصيات الرسمية عن جلسات الاستماع العلنية[2] نحو إظهار الدولة في حالة نكران لحقيقة انتهاكاتها ضد الضحايا، وكذلك في تثبيت حالة القطيعة معهم، ما يعني رفض الاعتراف بالانتهاكات المسجلة والاعتذار عنها.

وفي ذات الإطار، في الوقت الذي كان يعتبر الإعلام الأجنبي أن جلسات الاستماع هي مؤشر على قطع خطوة إلى الأمام في اتجاه معالجة انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، كان جزء من الإعلام المحلي يقود حملة وصفتها هيئة الحقيقة والكرامة، في تقريرها الختامي، بأنها "تشويهية"، وأشارت بالخصوص إلى تسجيل 95 مقالًا تشويهيًا في ديسمبر 2016 إثر تنظيم أول جلسة استماع علنية[3]. وكان يعبر جزء من هذا الإعلام عن مجموعات نافذة ليس من مصلحتها كشف الحقيقة في عديد الملفات وبالخصوص المضي في المحاسبة. ومن هذا الجانب، أكدت جلسات الاستماع العلنية مدى عسر سؤال الحقيقة[4]، بغض النظر عن كل التحفظات الموضوعية على مسار تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة لعناصر هذه الحقيقة.

وفي هذا الجانب، أكدت هيئة الحقيقة والكرامة أن "ختم البحث في ملف الضحية المعنية" من شروط ومعايير اختيار حالات جلسات الاستماع حسب دليل إجراءاتها، ولكن لم تشترط ختم البحث والتقصي في الأحداث التي شهدت انتهاكات في الجلسات الموضوعاتية. وقد عملت الهيئة، في هذا الجانب، على تقديم وثائقيات لهذه الأحداث لم تكتفِ بعضها بعرض السياقات التاريخية للانتهاكات بل حملت نتائج وخلاصات لم تكن وليدة أبحاث وتحقيقات مستكملة ولم تكن وليدة تقارير صادرة عن لجنة البحث والتقصي.

 

أين الجلادون؟ الحقيقة المبتورة

في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، اكتفت هيئة الحقيقة والكرامة بتقديم شهادات إما لضحايا بدرجة أولى أو شهود بدرجة ثانية دون عرض أي شهادة لأصحاب الانتهاكات، رغم أن دليل إجراءات جلسات الاستماع العلنية يتضمن سيناريو "الاستماع لقائم بالانتهاك فقط أو لمجموعة من القائمين بالانتهاك". وسبق وأعلنت الهيئة في ندوة صحفية بعد أول جلسة استماع علنية بتاريخ 22 نوفمبر 2016 أن "جلسات الاستماع العلنية القادمة سيحضر فيها الجلادون والضحايا[5]"، ولكنها امتنعت عن تقديم شهادة للجلادين فرادى بعد إعلان رفضها الجمع بين الجلاد والضحية في شهادة مشتركة على غرار التجربة في جنوب إفريقيا.

ويمثل غياب المنتهكين أو الجلادين نقيصة في جلسات الاستماع العلنية ببقاء أسئلة طرحها الضحايا، وكذا الجمهور العام، معلقة. ولا يتعلق الأمر بالزاوية المغايرة للرواية، إذ لا يُنتظر أن يقدم الجلاد عرضًا وقائعيًا مكذبًا لما رواه الضحايا أو ما أثبتته التحقيقات، ولكن لكشف الجانب الآخر من الحقيقة بهدف فك منظومة الاستبداد حول ملابسات ممارسة الانتهاكات، ودوافعها، وظروفها، وكيفية تلقّي الأوامر مثلًا، وغيرها من نقاط ما زالت غامضة ولا يمكن إلا لصاحب الانتهاك عرضها للجمهور العامّ. وبذلك، ظل جانب من الحقيقة مبتورًا أمام "عدم اكتمال عناصر القصة"[6].

ومن جانب آخر، كان من المفترض أن تتضمن شهادة ضحية المنتهك وعدا عن كشف للحقيقة اعتذارًا يُوجه إلى مجموعة الضحايا الذين مارس عليهم الانتهاك، أو لعموم الضحايا، وهو اعتذار كان سيمثّل حافزًا لنزع الاحتقان في نفوس الضحايا تمهيدًا للمصالحة المأمولة[7]. وهذا الاعتذار، أيضًا، يحمل بذاته جبرًا معنويًا للضحايا، وسيمثل عنصر ضغط تجاه المؤسسات الرسمية للاعتراف بمسؤولية الدولة عن الانتهاكات وثم الاعتذار عنها وذلك على اعتبار قيام أحد أعوانها بالاعتراف والاعتذار أمام العموم. وألم ينص دليل إجراءات الجلسات العلنية الذي أعدته الهيئة بنفسها أن من أهداف هذه الجلسات "تمكين مرتكبي الانتهاكات من الاعتراف وطلب الاعتذار من الضحايا لتعزيز المصالحة الوطنية"؟، وهو تمكين تبيّن بالنهاية أن هيئة الحقيقة والكرامة عطلته بنفسها من دون أي تفسير جدّي.

 

جلسات الاستماع "العمومية" وسؤال الشفافية

نصّ الفصل 47 من قانون العدالة الانتقالية وفي الباب المتعلق بالتحكيم والمصالحة أنه "لا يجوز لأطراف النزاع التحكيمي الامتناع عن المشاركة في جلسات الاستماع العمومية إذا طلبت الهيئة ذلك وتعلق إجراءات المصالحة في صورة عدم الالتزام بأحكام هذا الفصل". وتُعدّ هذه الجلسات "العمومية" (الفصل 47) صنفًا خاصًا من جلسات الاستماع العلنية (الفصل 39 "تتولى الهيئة..عقد جلسات استماع سرية أو علنية لضحايا الانتهاكات ولأي غرض متعلق بأنشطتها") مخصّصة للمنتهك طالب التحكيم والمصالحة. وقد ورد الفصل 47 سابق الذكر ضمن الأساس القانوني لدليل إجراءات جلسات الاستماع العلنية. ويظلّ السؤال إن كان المشرع استقصد استعمال تسمية "جلسات الاستماع العمومية" في الفصل 47 بدل "جلسات الاستماع العلنية" من منطلق تمييزي على أساس عنصر النزاع التحكيمي، أو كانت نتيجة إغفال باستعمال أكثر من مصطلح، وإن كان من الأفضل توحيد المصطلحات واعتماد تسمية "جلسات الاستماع العلنية" سواء كانت الشهادة في إطار نزاع تحكيمي أو خارجه.

وعمومًا النزاع التحكيمي، كما قد يتعلق بانتهاك لحقوق الإنسان يتعلق كذلك بالفساد المالي، وربّما الصنف الثاني من الانتهاك هو المعني بدرجة أولى بآلية التحكيم والمصالحة[8]. وقد أعلنت هيئة الحقيقة والكرامة أنها نظمت جلسة استماع "علنية" خاصة بالفساد في ماي 2017[9] تضمنت 3 شهادات أهمها شهادة صهر الرئيس السابق وصاحب الأعمال الموقوف عماد الطرابلسي، التي حازت على اهتمام إعلامي وسياسي واسع[10]، فيما كانت بقية الشهادات باهتتين لعاملين اثنين، أولًا أنها تعلقت بشخصيتين غير معلومتين للرأي العام وليسا من أصحاب الأعمال (الأول وكيل شركة ومصرّح لدى الديوانة/ والثاني ناقل لحساب الغير)، وثانيًا لضعف الشهادة المقدمة وهما قد ظهرا بصفتهما الحلقة الأضعف في مسار الأخطبوط الكبير للفساد الديواني بل قدمتهما الهيئة كـ"ضحايا" أيضًا[11]. واللافت للانتباه، في هذا الجانب، أن الهيئة ركزت في جلستها العلنية الوحيدة حول الفساد على مجال المعاملات الديوانية أساسًا التي استحوذت على شهادة الطرابلسي وتمحورت حولها كليًا الشهادتان الأخريان. والسؤال: لماذا اكتفت الهيئة باستعراض الفساد الديواني أساسًا دون غيره؟ ولماذا استنكفت دون طرق بقية أوجه الفساد المالي بنفس ذات الاهتمام وتحديدًا في مجال الصفقات العمومية، والمجال العقاري، والبنكي، والمالي، واستغلال الثروات الطبيعية، والتصرف في المؤسسات العمومية؟ وألا يعدّ تجاهل أوجه الفساد المذكورة خرقًا لعنصر "التنوّع" في معيار الشهادات، أي تنوّع أشكال الفساد الذي يعرف التونسيون جيدًا أوجهه وآليات اشتغاله؟

ويأتي السؤال، في هذا الباب: "لماذا لم تنظم هيئة الحقيقة والكرامة جلسات لطالبي التحكيم والمصالحة خاصة أصحاب الأعمال الذي يُعتبرون "نماذج" لمنظومة الفساد والأقدر على المساعدة على كشف الحقيقة للجمهور العريض؟ فهل استجابت الهيئة لرغبة بعض هؤلاء (سليم شيبوب مثلًا[12]) الذين عبروا عن رغبتهم في عدم تقديم شهادة أمام العموم حول فسادهم (المصدر: عضو في مجلس هيئة الحقيقة والكرامة)؟ أو هل كانت تقدّر الهيئة أنه لا حاجة لمثل هذه الجلسات ليتعرّف الرأي العام على منظومة الفساد واكتفت عمليًا بشهادة عماد الطرابلسي دون غيره من أصحاب الأعمال؟ وألا يعد ذلك تعزيزًا لانطباع التونسيين بعدم مساواة تعامل أجهزة الدولة مع أصحاب الأعمال المتورطين في الفساد وهو انطباع تكون قد عززته هيئة الحقيقة والكرامة بعدم تقديمها لأي شهادة لصاحب أعمال طالب للتحكيم غير موقوف وتقديمها لشهادة وحيدة لصاحب أعمال هو موقوف على ذمة القضاء منذ الثورة؟

وإن عدم تنظيم جلسات استماع عمومية (خاصة لجميع طالبي التحكيم في ملفات الفساد المالي ممن صدرت في شأنهم نهاية قرارات تحكيمية) يمكن اعتباره خرقًا للفصل 47 من قانون العدالة الانتقالية، فلم يكن المشرع اعتباطيًا حينما نصّ صراحة على هذه الجلسات، خاصة حينما اعتبر الامتناع عن حضورها معلقًا لإجراءات المصالحة، وهو ما يفترض أن تنظيمها يدخل ضمن مراحل معالجة النزاع التحكيمي خاصة بالنسبة للنزاعات ذات القيمة المالية المرتفعة. ثم وأن غياب هذه الجلسات يجعل هذه النزاعات التحكيمية بالذات مشوبة بعدم الشفافية[13]، ويكرّس الاعتقاد أن هيئة الحقيقة والكرامة عملت على معالجة هذه النزاعات في الغرف المغلقة.

إضافة لذلك، إن كان "إقرار طالب المصالحة بما اقترفه كتابياً واعتذاره الصريح شرطًا لقبول مطلب التحكيم والمصالحة"[14]، ألم يكن حريّا على الهيئة أن تحرص كل الحرص على عقد جلسات استماع عمومية تحديدًا لطالبي التحكيم من أصحاب الأعمال الذي يُعتبرون "رموز للفساد" لتقديم اعترافاتهم وثم اعتذاراتهم الصريحة أمام الرأي العام. بل وتتعزّز لزوم هذه الجلسات باعتبار أن التونسيين يحملون صفة "المتضرّر" من فساد طالب المصالحة الذي تسبب في ضرر للدولة وبالنتيجة المجتمع برمته. وبالتالي، فإن اعتذار طالب المصالحة، وتحديدًا في النزاعات ذات القيمة المالية المرتفعة، في جلسة عمومية أمام كل التونسيين كان سيساهم في نزع الاحتقان وتحقيق المصالحة الوطنية، بل ويؤمن قبلها شعور المجموعة الوطنية المتضرّرة بـ "الإنصاف والعدالة" الذي يُبت في النزاع التحكيمي على أساسهما (الفصل 45 من قانون العدالة الانتقالية)، وهو ما يعزز الأسانيد القانونية والواقعية للقرار التحكيمي في نهاية المطاف.

إضافة لذلك، يعدّ إقحام الفساد المالي ضمن دائرة العدالة الانتقالية خصوصية تونسية، تأكيدًا للترابط العضوي بين انتهاكات الفساد المالي وحصول انتهاكات لحقوق الإنسان. وهي خصوصية كانت تستدعي اهتمامًا مضاعفًا من هيئة الحقيقة والكرامة بمجهود كشف الحقيقة حول منظومة الفساد وإطلاع الرأي العام عنها وتفكيكها، وهو ما كان سيجعل التونسيين على معرفة بطرق ممارسة الفساد ومفاصل الإصلاح المطلوب، كما سيضمن اقتناع الرأي العام بوجود إرادة جديّة من بوابة العدالة الانتقالية، على الأقل، لمكافحة الفساد التي أصبحت عنوانًا بدون روح في سجال الصراع السياسي طيلة السنوات الماضية أمام استفحال الفساد السياسي في وسط الطبقة الصاعدة بعد الثورة.

 

المرافقة النفسية والإعداد اللوجيستي: هنات غير هامشية

عملت الهيئة على توفير إعداد نفسي للضحايا أصحاب الشهادات العلنية عبر مرافقة يؤمنها مختصون في علم النفس، تشمل مرحلة ما قبل الشهادة وأثناءها وكذلك بعدها. غير أن هذه المرافقة تحوّلت أحيانًا من عنصر مساعد على تهيئة الضحية للإدلاء بشهادتها أمام العموم وتحت الأضواء المكشوفة إلى عنصر توتير يرتقي إلى الهرسلة. وكمثال على ذلك، شهادة تلقيناها من إيناس الجفناوي[15] وهي ضحية قدمت شهادة في جلسة الاستماع المخصصة للانتهاكات ضد المرأة بتاريخ 10 مارس 2017.

وحدثتنا صاحبة الشهادة، التي تعرضت لهرسلة النظام السابق بسبب ارتدائها الحجاب، أن مختصيْن نفسييْن توجّهت إليهما بطلب من الهيئة قبل عقد جلسة الاستماع حوّلا "جلسة الاستشارة النفسية" إلى "جلسة محاكمة"، وذلك عبر نقد خيارها في ارتداء غطاء الرأس، وهو ما جعلها، في هذه الجلسة، تجد نفسها تكرّر ما كانت تقوله طيلة 14 سنة من زمن الاستبداد، حسب ما قالته، بل واستقصدت خلال شهادتها العلنية لاحقًا على التأكيد أن خيارها لم يكن تحت الإكراه، في ردّ منها على ما تعرّضت إليه من هذين المختصين. وقد أخبرتنا أنها أرسلت تقريرًا حول "الهرسلة النفسية" إلى الهيئة.

وليست إيناس الجنفاوي هي الضحية الوحيدة التي اشتكت من فريق المرافقة النفسية لهيئة الحقيقة والكرامة. فقد أخبرنا عضو في مجلس الهيئة أن ضحايا آخرين ممّن قدموا شهادات علنية أعلموه بصفة مباشرة بعدم رضائهم على تعامل المختصين معهم أو بغياب هذه المرافقة النفسية من أصله تحديدًا في مرحلة ما بعد تقديم الشهادة. وأكد ذات العضو أن الهيئة لم تجرِ في أي مناسبة تقييمات لأدائها في جلسات الاستماع.

من جانب آخر، ما عُيب على هيئة الحقيقة والكرامة في تنظيمها لهذه الجلسات هو ما شملها من سوء تصرف، وذلك على ضوء ما كشفه تقرير رقابي لدائرة المحاسبات من إخلال بمبدأي الشفافية والمنافسة أساسًا[16]، وهو ما أعطى صورة سلبية عن أداء الهيئة.

 

الخلاصة

مثلت جلسات الاستماع العلنية في تونس منصة لكشف جوانب من حقيقة الانتهاكات لعموم التونسيين وردّ الاعتبار للضحايا غير أنها لم تكن منصة نموذجية على ضوء غياب المنتهكين في ملفات حقوق الإنسان، إضافة للاكتفاء بشهادة وحيدة لصاحب أعمال متورط في الفساد المالي. وبذلك فوتت هيئة الحقيقة والكرامة فرصة ثمينة قد لا تتكرّر للجلسات كي تكون منصة لكشف الحقيقة من مختلف أطراف الانتهاك وبالتالي الدفع نحو تفكيك منظومة الاستبداد والفساد، وأيضًا منصة لتمكين مرتكبي الانتهاكات من الاعتراف وطلب الاعتذار لتعزيز المصالحة الوطنية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الحقيقة والكرامة في أفق جديد

  •  لقراءة ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية: حكاية من الماضي برؤية مستقبلية

 

 


[1] التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، الجزء 1، ص. 85.

[2] وهو غياب تعلق حقيقة بمختلف التظاهرات الكبرى لهيئة الحقيقة والكرامة آخرها مؤتمرها الختامي، انظر م.س، 154.

[3] التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، الملخص التنفيذي، ص. 173.

[4]فتحت مثلًاجلسة الاستماع حول الانتهاكات بمناسبة خروج المستعمر الفرنسي وما اُثير بالخصوص حول الصراع البورقيبي اليوسفي بابًا للتجاذبات بين الهيئة ونخبة من مؤرخي الجامعة التونسية الذين استفزتهم دعوة رئيسة الهيئةلـ"إعادة كتابة التاريخ".

[5] ""الحقيقة والكرامة": الجلادون والضحايا سيحضرون جلسات الاستماع العلنية بتونس"، صحيفة العربي الإلكترونية، 22 نوفمبر 2016.

[6] طالب مثلًا الضحية سامي براهم في أولى جلسات الاستماع العلنية الجلادين بالحضور وإكمال عناصر القصة وفق تعبيره.

[7]طالب مثلًا الضحية سالم كردون في شهادته في جلسة استماع علنية الجلادين بالاعتذار إليه مبديًا استعداده لمسامحتهم.

[8]بالنظر إلى العناية التشريعية الخاصة في قانون العدالة الانتقالية والعنصر المالي الضخم في لملفات الفساد واعتبار الهيئة في استراتيجيتها الإعلامية آلية التحكيم فرصة لاسترجاع الأموال المنهوبة

[9] قدمت الهيئة شهادة حول الفساد في جلسة استماع علنية في ديسمبر/كانون الأول 2016 قدمها السفير السابق أحمد بن مصطفى بصفته شاهدًا.

[10]يربط متابعون بين شهادة عماد الطرابلسي وإعلان رئيس الحكومة في ماي/آيار 2017 ما سماها "حربًا ضد الفساد" استهدفت أصحاب أعمال من بينهم شفيق جراية وهو شريك سابق للطرابلسي في مجال التوريد خصوصًا.

[11] في الجذاذة التعريفية بكلّ مقدّم شهادة.

[12] تتعلّق بسليم شيبوب حسب تقرير هيئة الحقيقة والكرامة ملفات تهم الفساد في المجال العقاري (تغيير صبغة أرض في مشروع "مارينا قمرت")، وفي مجال الثروات الطبيعية (ملف شركة "فوياجور)، ومجال النقل (ملف وساطته بين الخطوط التونسية وشركة إيرباص) إضافة لقضية شركة "ألستوم". وهذا التنوّع في أشكال الفساد وبالنظر إلى الآثار المالية الضخمة لخسائر الدولة التونسية، كان من المفترض أن يدفع هيئة الحقيقة والكرامة لدعوة سليم شيبوب لجلسة علنية لكشف الحقيقة أمام الرأي للمساهمة في تفكيك منظومة الفساد.

[13] تكريس شفافية اعمال الهيئة هي من أهداف جلسات الاستماع العلنية وفق دليل إجراءات هذه الجلسات.

[14]الفصل 46 من قانون العدالة الانتقالية.

[15] وافقت الضحية على ذكر اسمها كاملًا.

[16]http://www.courdescomptes.nat.tn/upload/RapportSepec/IVD2019.pdf

بلغت مثلًا قيمة الجلستين الأولى والثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أكثر من 556 ألف دينار، في حين انخفضت التكلفة في الجلستين الثالثة والرابعة في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام إلى 253 ألف دينار، وبلغت بالنهاية كلفة الجلسة الواحدة 100 ألف دينار، ما يبيّن تباينات لافتة في التكلفة. وقد اعتمدت الهيئة بداية على طلب عروض شامل، ولكنها عملت لاحقًا على التجزئة واعتماد آلية التقسيط عند الإعلان عن طلبات العروض.وبرّرت ارتفاع كلفة الجلسة الأولى، وفق التقرير المذكور، بأهمية الحدث والضيوف المشاركين وبكلفة كراء الفضاء والمصاريف الأمنية، بيد أن دائرة المحاسبات أكدت أن هذه التكلفة لا تتجاوز 115 ألف دينار ولا تبرّر الفوارق في الكلفة بين الجلستين الأولى والثانية والجلسات التي تلتها.

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، عدالة انتقالية ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *