جريمة مرفأ بيروت تعرّي “مرآب” قصر العدل: السجناء يتعرّضون للعنف


2020-08-08    |   

جريمة مرفأ بيروت تعرّي “مرآب” قصر العدل: السجناء يتعرّضون للعنف
أهالي السجناء أمام النظارة (تصوير ماهر الخشن)

مساء الثلاثاء، في 4 آب 2020، وعند وقوع الانفجار في مرفأ بيروت، تضرّرت نظارة قصر العدل تحت جسر العدلية، وفيها 230 سجيناً، وعمّ الغبار باحة السجن، فكسر السجناء أقفال 11 زنزانة وحاولوا خلع الباب الرئيسيّ للسجن، بحسب رواية قوى الأمن الداخلي. وهنا استقدمت أفواج من قوى مكافحة الشغب إلى النظارة حيث استخدمت العصي والرصاص المطاطيّ لإعادة المساجين إلى زنازينهم، ممّا أدّى إلى وقوع إصابات. وهذا الأمر حمل اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب التابعة للهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان لإجراء زيارة مفاجئة إلى نظارة قصر العدل في 7 آب 2020، بعد طلب من أهالي المساجين فيها، وقد أكدّت وجود آثار عنف على عدد من السجناء.

السجناء معاقبون: محاولة فرار أو حماية من الاختناق؟

يوم الخميس في 7 آب، تجمّع بعض أهالي السجناء أمام النظارة تحت الجسر وهم يطلبون معرفة معلومات عن صحّة أبنائهم ويطلبون إدخال الطعام والثياب إليهم، في حين قوبلت طلباتهم بالرفض من قبل عناصر الدرك في النظارة، بحجّة أنّ السجناء معاقبون بسبب أعمال الشغب التي قاموا بها محاولين الهروب من السجن. تقول داليا، زوجة أحد الموقوفين، لـ”المفكّرة القانونيّة” إنّها منعت من إدخال الطعام إلى زوجها بعد انتظار دام أكثر من ساعة أمام النظارة، وعلمت أنّ قوى الأمن الداخلي قد استقدمت مكافحة الشغب لضرب السجناء. زوجة سجين آخر تحدّثت عن منع الأهالي من استلام الثياب التي تحتاج إلى تنظيف بالإضافة إلى منعهم من زيارتهم بحجّة مشاغبة السجناء. في حين أكّدت أنّ زوجها كان من الذين حاولوا الخروج من السجن بسبب الغبار الكثيف في الداخل، إلّا أنّها تستنكر منع الزيارة وإدخال الطعام من قبل جميع الأهالي.

تبكي رابحة والدة حسن النمر وهي تسأل عن ابنها المسجون منذ سنة ونصف تحت جسر الياس الهراوي وتتوقّع أن يكون مصاباً إثر استقدام قوى مكافحة الشغب. وتؤكّد رابحة أنّ ابنها والسجناء الآخرين لم يحاولوا الهرب بل كانوا خائفين على أهلهم وعائلاتهم في الخارج: “معقول الدرك ما قدروا يتحملّوا صرخة شباب جوّا خايفين على أهلن”. وسألت إن كان يستدعي الأمر هذا منعهم عن الطعام والشرب ووقف الزيارات. وكان أحد عناصر الدرم هدّدها بسجنها بقرب ابنها في حال استمرّت بطلب رؤيته أو معرفة معلومات عنه.

وفي الوقت الذي تجمّع فيه الأهالي، كان بعض عناصر الدرك يؤكّدون أنّ أحداً من السجناء لم يتعرّض للأذى، على أن تسمح الزيارات نهار الاثنين، ما اعتبره الأهالي وقتاً كافياً لإخفاء علامات الضرب. وأكّد أعضاء من اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب للأهالي المنتظرين خارج النظارة أنّ الوضع ليس خطيراً في الداخل، على أن ترفع الهيئة طلبات السجناء إلى النيابة العامّة التمييزيّة.

وأشارت اللجنة في بيان إلى أنّه إضافة إلى استخدام القوى الأمنية الهراوات والرصاص المطّاطي ضد السجناء، “نفذّت إدارة السجن إجراءات عقابية من ضمنها حلق الرؤوس، ومصادرة العديد من المقتنيات الشخصية، وفتح محضر تحقيق بموجب إشارة من القضاء العسكري حيث استمع لإفادات عشرات الموقوفين، وجرى التحقيق مع قرابة 40 موقوفاً ممن تتهمهم إدارة السجن بأنّهم من تسبّبوا بأعمال الشغب ومحاولة الهروب”.

وقالت اللجنة إنّها تمكّنت من معاينة ثلاثة جرحى من الموقوفين جرّاء عملية قمع الاحتجاج، واحد عبر ضربه بهراوة على رأسه واثنان بالرصاص المطّاطي في المعدة والرجل اليمنى. وطلبت اللّجنة من إدارة السجن عرضهم على طبيب مختص والتأكد من سلامة وضعهم الطبّي. كما طلبت معاينة  الطبيب لأحد السجناء المرضى الذي أفاد بأنّه يعاني من آلام حادّة في الصدر وضيق في التنفس.

مرآب العدلية: “جريمة متمادية” بحق السجناء

جاءت زيارة لجنة الوقاية من التعذيب التابعة للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بناء لشكاوى من أهالي السجناء واستناداً إلى صلاحيتها القانونية بـ”القيام بزيارات دورية أو مفاجئة في أي وقت كان لأماكن الحرمان من الحرية دون إعلان مسبق ودون الحاجة لأي إذن من أي سلطة إدارية كانت أم قضائية أو أي جهة أخرى”. وصرّح بسّام القنطار عضو الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان لـ”المفكّرة” أنّ اللجنة شاهدت آثار كدمات على عديد من السجناء، وأنّ ثلاثة منهم بحاجة إلى معاينة طبيّة أو مستشفى، أحدهم مصاب بالربو وتفاقمت حالته التنفسيّة بعد الانفجار. وأضاف أنّ الهيئة ستحاول تخفيف الإجراءات العقابيّة لأنّ الاحتجاز في النظارة هو إجراء عقابيّ بحدّ ذاته كونه عبارة عن مرآب تحت الأرض “لا يرون فيه الشمس ولا يستطيعون الخروج إلى باحة خارجيّة” بالإضافة إلى نقص في الفيتامين “د” وعدم توفّر آلة لفحص الطعام. ويقول القنطار إنّ النظارات تكون للتوقيف المؤقّت عادة، ولكن في نظارة العدلية سجناء منذ 18 شهراً، معتبراً أنّ كلّ الظروف المحيطة بهذه النظارة يجعلها استثنائيّة، خاصّة بعد حادثة الثلاثاء. ويتابع أنّ هذه النظارة تحوّلت إلى “مركز اعتقال مخالف لأبرز المعايير الدوليّة ومن ضمنها المعايير الدنيا لمعاملة السجناء واتفاقيّة مناهضة التعذيب”، وبهذا تكون الدولة اللبنانيّة باستخدامها لهذا المرآب كنظارة توقيف وبإمرة القضاء اللبنانيّ “ترتكب جريمة متمادية تتعلّق بالتعذيب والمعاملة التي تحطّ وتهين الكرامة الإنسانيّة”.

ووفقاً للمحامية غيدة فرنجية، رئيسة “المفكرة القانونية”، إنّ “المرآب الذي تقع فيه النظارة يفتقد لمعايير الأدنى للسلامة والصحة، كونه معدّ ليكون موقفاً للسيارات تحت الأرض وليس مؤهلاً ليكون مركز احتجاز للبشر، وقد جاءت جريمة المرفأ للتأكيد على ذلك على أثر تعرّض السجناء للاختناق”. وشرحت أنّ المرآب “كان يستخدم سابقاً من قبل المديرية العامّة للأمن العام لاحتجاز الأجانب، لكن المديرية تخلّت عنه في العام 2016 على أثر الاعتراض على ظروف الاحتجاز فيه ونقلت نظارتها إلى مبنى جديد، لنفاجأ بعدها بأنّ المرآب قد وضع بتصرّف قوى الأمن الداخلي لاستخدامه كنظارة توقيف مؤقت تابعة لنظارة قصر العدل في بيروت”. ومنذ ذلك الحين، أصبح العديد من الموقوفين احتياطياً في بيروت محرومون من الضوء والهواء النظيف. وتؤكد فرنجية أنه على قوى الأمن الداخلي وقف استخدام هذا المرآب كمكان توقيف، “فالحل لاكتظاظ السجون والنظارات لا يكون باستخدام المرآب لاستحداث مراكز احتجاز مخالفة لمعايير معاملة السجناء، بل يكمن أولاً باحترام القضاة لمهل التوقيف القانونية وثانياً بالحد من استخدام القضاة للتوقيف الاحتياطي بشكل مفرط وبغياب أي تقييم لمدى ضروريته قبل المحاكمة ومدى تشكيل الموقوف خطراً على المجتمع”. كما أكدّت أن تعرّض الموقوفين للعنف من قبل القوى الأمنية قد تشكّل جرائم تعذيب ويستوجب فتح تحقيق فوري وفقاً للأصول الخاصة التي وضعها قانون معاقبة التعذيب.

وكانت لجنة الوقاية من التعذيب قد زارت نظارة قصر العدل في بيروت، قبل أسبوعين في زيارة عادية ومن المقرّر أن تُصدر قريباً تقريراً يتضمن توصيات أبرزها البحث عن بديل لهذه النظارة التي لا تراعي المعايير الدنيا لقواعد معاملة السجناء.

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، محاكم مدنية ، محاكمة عادلة وتعذيب