جريمة المنية التكفيرية تنحصر في الحق العام: ذوو الضحية يسقطون حقهم تحت ضغط تزعزع الثقة بالقضاء


2020-07-13    |   

جريمة المنية التكفيرية تنحصر في الحق العام: ذوو الضحية يسقطون حقهم تحت ضغط تزعزع الثقة بالقضاء

انعقدت صباح اليوم جلسة لمحاكمة الشيخ خليل الدهيبي وشقيقيه بتهمة قتل أحد أبناء المنية (محمد الدهيبي) وهي الجريمة التي برزت أدلة قوية على طابعها التكفيريّ. وهي انعقدت ليس في طرابلس (المحكمة المختصة عادة للنظر في الجرائم الواقعة في الشمال) إنما أمام محكمة جنايات بيروت (غرفة القاضي سامي صدقي)، بعدما تدخلت محكمة التمييز بناء على طلب ذوي الضحية لنقلها من الشمال إلى بيروت لدواعٍ أمنية، بالنظر إلى ماهية الجريمة وظروفها وما يشوبها من حساسيّات دينيّة في الشمال.  

ويجدر التذكير بأن هذه الجريمة سبّبت عند وقوعها هلعاً لدى الرأي العامّ، بعدما انتشرتْ أخبارٌ مفادها أنها حصلت بناء على الفتوى التي أصدرها الشيخ الدهيبي (وهو إمام مسجد) بوجوب قتل الضحية تبعاً لشتمه العزة الإلهية. وقد سرت أنباء عن تمثيل الجناة بالجثة سعيا لانتزاع القلب منها. وقد شكلت الجريمة آنذاك مؤشرا خطيرا على تنامي الأفكار التكفيريّة الأكثر تطرّفا في المنطقة. وقد عبّر عدد من أبناء المنطقة عن توجّسهم من أن تؤثّر هذه الجريمة على “سمعة المنطقة” وهو مفهوم برز فجأة كقيمة ذات أهمية في الخطاب العام. وهذا ما حمل بعضهم إلى التخفيف من خطورتها من خلال تصوير أنها مجرّد حادثة تلاسن تطوّر إلى شجار وقتل. وقد تلاقى هذا التوجّه مع استعداد الفريق السياسي الوازن في المنطقة (وهو تيار المستقبل) للتدخل فيها لمصلحة الشيخ وشقيقيه، لأسباب سياسية وانتخابية، حيث عمد منذ بدء التداول بالجريمة إلى فرض الرواية الثانية وتكذيب رواية الجريمة التكفيرية.

وقد عكس المسار القضائي الحاصل حتى الآن التناقض بين هاتين الروايتين. ففيما تبنى القرار الظني الصادر عن قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمرندا نصار رواية الجريمة التكفيرية في كل أبعادها (بما فيها صدور فتوى عن الشيخ بوجوب القتل على خلفية شتم العزة الإلهية والتمثيل بالجثة)، انْحازت الهيئة الإتهامية في الشمال (وهي بمثابة مرجع استئنافي لقضاة التحقيق) في قرارها الاتهامي للرواية الثانية. وقد أعبْنا آنذاك على القرار أنه “انتهى في جميع النقاط الأساسية من هذه الدعوى إلى ترجيح الروايات التي تدعم مواقف الأشقاء الثلاثة، وتسمح بإخضاع فعلهم لعقوبات مخففة” وكل ذلك من خلال إعتماد الأدلة الواردة لصالحهم في الملف مهما كانت واهية في موازاة طمس مجمل الأدلة المضادة، ومن أبرزها شتم العزة الإلهية وصدور فتوى بالقتل، وكل ذلك من دون أي مناقشة أو تعليل. وعليه، تمّ تصوير الجريمة على أنها وليدة ساعتها من دون أن يسبقها أي رصد وتصميم من قبل الجناة. كما تم تصوير الضحية على أنها هي التي افتعلت مشكلة التشاجر وأنها قُتلت بالسلاح الذي كانت شهرته في وجه الجناة، كل ذلك مع تغييب واقعة التنكيل بالجثة بشكل كامل. وقد انتهى القرار الاتهاميّ بالنتيجة إلى تعديل الوصف الجرمي من قتل عمد إلى قتل قصد، مع ما يتيحه ذلك من تخفيض للعقوبة والأهم إلى تحميل الضحية جزءا من المسؤولية مع ما يتيحه ذلك من تخفيض لمقدار التعويض الذي قد يحكم به لذويها. وما يزيد من قابلية هذا القرار للنقد أمران: الأول، أنه حسم الجدل الحاصل حول ظروف الجريمة من دون ترك مجال للشكّ. وبذلك خرجت الهيئة الإتهامية من دورها كقضاة تحقيق أي قضاة ظنّ في اتجاه تضييق دائرة الاتّهام ومعها المسؤولية الجنائية بما يقيّد محكمة الجنايات ويمنعها من التوسع في التحقيق. والثاني، أنه صدر في قضية خطيرة جدّا، تتواجه فيها تيارات فكرية ومصالح سياسية عدة. ففي جرائم كهذه، تصبح الحاجة للتعليل جدّ ملحة، بهدف إقناع ذوي الضحية والرأي العام بها وتبديد شبهات التدخل السياسي على أنواعها وإعادة الثقة بالقضاء. أما أن تناقض الهيئة الاتهامية القرار الظني من دون مناقشة ما جاء فيه بشكل جديٍ، فذلك يمسّ حكما بصورة العدالة والثقة بها ويفتح الباب واسعا أمام التكهنات التي تصبح من هذه الزاوية مبررة ومشروعة.

ولا يستبعد أن يكون هذا المسار قد دفع ذوي الضحية إلى الموافقة على إسقاط حقِّهم ضدّ الجناة، بموجب تسوية تمت مفاعيلها في ظلّ التّعبئة العامّة (نيسان 2020)، وهي التسوية التي ظلّلت جلسة المحاكمة اليوم، أقله بفعل حصولها بمعزل عن ذوي الضحية. فكيف ستتفاعل محكمة الجنايات مع هذه التسوية؟ هل ستقودها التسوية إلى مزيد من التسامح لصالح الإمام وشقيقيه، ويتترجم ربما في عقوبات جدّ مخففة بحقّ هؤلاء؟

وفيما ننشر في مقال منفصل تفاصيل جلسة الجنايات الحاصلة اليوم وما شابها من خلل، يجدر تسجيل ملاحظات ثلاث مقلقة بانتظار إجابات أكثر عمقا على الأسئلة المطروحة:

أولأ: إسقاط حق ذوي الضحية تحت وطأة فقدان الثقة بحيادية القضاء

أن ثمة مؤشرات على أن إسقاط الحقّ في هذه الجريمة لم يحصل بصورة حرّة تماما. فهو لم يحصل ضمن شروط يثق فيها ذوو الضحية بحيادية القضاء وقدرته على تحقيق العدالة من دون أي عوائق أو انحياز أو بتمتعهم بالمساواة أمامه. فعدا عن الضغط السياسي الحاصل والذي عبّرت عنه قناة المستقبل في تغطيتها للحدث في اتّجاه فرض رواية محددة له، فإن التسوية حصلت في نهاية المطاف تحت وطأة القرار الاتّهامي وما شابه من أخطاء جوهرية في المنهجية المتبعة، في اتجاه إبراز الأدلة التي تفيد الجناة مهما كانت وطمس مجمل الأدلة الأخرى حتى من دون مناقشتها كلما كانت ضدهم. وكلها عوامل من شأنها أن تزعزع ثقة ذوي الضحيّة بإمكانيّة الوصول إلى العدالة بنتيجة المحاكمة، وأن تدفعهم إلى استباقها بتسوية تكون بمثابة ضرورة لتحصيل تعويض بالحدّ الأدنى أكثر مما هي خيار طوعي. والدليل الأبرز على تراجع الثقة بالعدالة هو أن الفريقين توافقا على امتناع الشيخ عن “أي عمل يتعلق بالإمامة أو بالخطابة أو بإعطاء الدروس الدينية على كافة الأراضي اللبنانية وذلك لمدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ توقيع اتفاق الصلح والإستحصال على إسقاط حق”. فتحديد مدة التعهد بخمس سنوات تبدأ بتاريخ إسقاط الحقّ إنما يؤشر إلى توقّع ذوي الضحية بقصر مدة العقوبة السجنية التي سينتهي إليها حكم محكمة الجنايات، رغم خطورة الجريمة والتي تقبل من حيث المبدأ تجريد الشيخ من حقوقه المدنية بشكل كامل. فلو لم يكن هذا التوقّع موجودا، لكانت التسوية اشترطت أن تكون مدة التعهّد أطول بكثير وربما أبدية أو على الأقل أن تبدأ مدة سريانها بعد انتهاء الشيخ من تنفيذ العقوبة السجنية. لكن أن يحدد بدء سريانها من تاريخ الإسقاط إنما يعني أن هؤلاء توقّعوا أن يتمّ إخلاء سبيله ضمن مهل قصيرة أو على الأقل أنهم حدّدوا مدة هذا التعهد بما يتناسب مع توقعاتهم من المحاكمة أكثر مما قد يتناسب مع خطورة الجريمة ومصابهم الناجم عنها.

ثانيا: من يدافع عن الحق العام بعد إسقاط الحق الشخصي؟

أنه مع خروج ذوي الضحية من المحاكمة، يجدر التساؤل عن مدى قدرة النيابة العامة وإلتزامها بالدفاع عن الحقّ العامّ (حقوق المجتمع) والأهمّ عن المكانة التي ستوليها محكمة الجنايات لهذا الإعتبار. فعدا عن القيود التي يفرضها قرار الهيئة الاتهامية عليها (اعتبار القتل قصدا وليس عمدا)، تأتي التسوية وخروج ذوي الضحية من الدعوى وجلساتها بمثابة سبب أو على الأقل ظرف إضافي لطمس العديد من وقائع هذه الجريمة والتخفيف من خطورتها. هذا من دون أن ننسى وضع يد القوى السياسية على النيابات العامة والروابط  القوية التي تقيمها مع العديد من محاكم الجنايات بفعل التعيينات والتشكيلات القضائية، وهي روابط غالبا ما تدفع القوى السياسية على التعامل مع الحقّ العام أنه حقّ تتحكّم بتحديد مداه ومفاعيله بشكل واسع جدا، وخاصة في ظل تراجع الإهتمام العام بالقضية.

ثالثا: تراجع الإهتمام العامّ بالقضية إلى درجة الإضمحلال

تأتي هذه التطورات في ظل تراجع الإهتمام العام في القضية. فبعدما ضجّت وسائل الإعلام كافة بأحداثها، فإن هذا الإهتمام تراجع بعد صدور القرار الظنّي واستمرّ في التراجع بعد صدور القرار الاتهامي لتجري جلسة الجنايات بالنتيجة بغياب أي من وسائل الإعلام. ومن دون التقليل من المشاغل والهموم الوطنية، فإن تراجع الإهتمام الإعلامي في القضايا الهامة غالبا ما يكون معزوا لطول أمد المحاكمة وانفصالها عمليا عن ظروف الجريمة والإنفعالات الحاصلة حولها. وهو عيب قضائي آخر مؤداه وضع مزيد من العوائق أمام الوصول إلى العدالة، أخطر ما فيه أنه يترافق مع حجب الحقائق الإجتماعية ومنع التفكير الجدي بها ومسبباتها، على نحو يقلّل من إمكانيات معالجتها ويزيد من مخاطر تأبيدها.

مقالات ذات صلة:

روايات عدة عن جريمة تكفيرية في المنية: القتيل والقاتل و”سمعة المنطقة”

قرار ظني في جريمة تكفيرية في المنية – لبنان: قتل عمدا وتعذيب وسعي لانتزاع القلب تنفيذا لعقاب شرعي

القرار الاتهامي في الجريمة “التكفيرية” في المنية: عقاب شرعي أم ردة فعل على استفزازات الضحية؟

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *