“جريمة الصيفي”- بيروت: العنف الأصيل والعنف الدخيل


2015-07-18    |   

“جريمة الصيفي”- بيروت: العنف الأصيل والعنف الدخيل

لم أجرؤ حتى اللحظة على فتح رابط الفيديو الذي يصور جريمة القتل. أكتفي بتعليقات الأصدقاء على الفيسبوك لمعرفة مدى فظاعتها. كل المحاولات التي تدين الجريمة تركز على ثلاث أفكار رئيسة: الجريمة كفعل "غير بشري"، الجريمة كمحرك لشعور الصدمة جراء عدم تدخل أي من المارة لمحاولة ردع المعتدي، الجريمة كأداة مدعومة تلقائياً ولو بشكل غير مباشر من قبل أحد النافذين.

فمنذ أيام الحرب، اعتدنا على معادلة مفادها أن العنف عامل غريب على مجتمعنا وأن من يرتكب هذا العنف هو الغريب بالدرجة الأولى، وأن اللبنانيين هم ضحية هذا الغريب. وفي حال مارسنا العنف بأنفسنا، فإن عنفنا يتمحور دائماً حول الدور الخارجي: فهو إما عنف لمقاومته وإما عنف لجأنا اليه مكرهين متأثرين بالعنف الخارجي. أي كنتيجة له (فوضى الحرب). في الحالتين، فإن العنف ليس أصيلاً انما هو دخيل.

ولقد تجذرت هذه المعادلة في وعينا الجمعي حتى أصبحت شبه قناعة لدينا. فلطالما اتهمنا العاملة الآسيوية بالعنف على سبيل المثال. كما درج في السنوات الأخيرة تحليل استباقي للعنف يتهم مباشرة النزوح السوري ويصوره على أنه الخطر الداهم على المجتمع.

وإذا اعترفنا بالعنف والذي يستحيل تبريره من خلال عامل "الغريب"، فإننا نعمد فورا الى تجزئه على أنواع: فهو إما عنف ضد المرأة، لا يمكن أن نفهمه إلا من خلال العلاقة الشخصية بين الزوج والزوجة، إما عنف ضد الحيوانات وبالتالي محركه شخص مريض سادي… أما عنف الدولة فهو عنف فردي يقوم به أشخاص معينون ولا ينتمون إلى المنظومة القمعية للدولة ولا يعبرون عن استراتيجيتها العامة (وما حصل في سجن روميه مثال على ذلك…). وعملية تجزئة العنف ليس بريئة: نجزئه لكي ننكره.

لقد نسينا بأن العنف متغلغل في مجتمعنا وأن مصدره هو المجتمع نفسه. لا بل حاولنا جاهدين من أجل نكرانه لوم من يفضحه(طوني خليفة يلوم الجمعيات المدنية فيما يتعلق بالعنف المنزلي، مثالاً على ذلك أيضاً…). وبالتالي، ما حصل في الصيفي ينتج ردة فعل مماثلة: لا نتدخل كأفراد، فهذه الجريمة لا تعنينا… لا نعترف بها. ليست منا. نحن إما ضحية للعنف، وإما مجرد مشاهدون له (نصوره إذاً…) …
وإلى حين أن نعترف… نتمتع بالحياة صدفة، ناكرين عجزنا…وجهلنا أيضاً.
 
الصورة منقولة عن موقع www.alarab24.com

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية