جردة الحراك: فسيفساء الحراك الاجتماعي والحقوقي في تونس سنة 2020


2021-03-05    |   

جردة الحراك: فسيفساء الحراك الاجتماعي والحقوقي في تونس سنة 2020
تصوير أحمد زروقي

كانت سنة 2020، بعد عشر سنوات من الثورة، كمثيلاتها صاخبة وغاضبة تردّدت فيها الشعارات نفسها التي صدحت بها الحناجر منذ عقد: العدالة والإنصاف في مختلف المجالات وعلى جميع الأصعدة ومواقع المُنادين أو المظلومين. لكن حتّى في الظلم، تبدو اللا مساواة بين المظلومين السمة الأبرز في بلد لا تكترث حكومته ولا تفاوض إلّا حسب وزن الطرف المقابل وحجم الأذى الذي قد يُلحِقه بها. ففي تونس، لا يكفي أن تصرخ ليُسمَع صوتك، بل يجب أن تُؤلِم.

حاولت المفكّرة القانونية في هذا العدد أن تقدّم جردة بأهمّ الحراكات التي شهدتها البلاد طيلة 2020، وذلك عبر قراءات تغوص في تحليل الحراك وتحاول تقديم صورة أوضح عن الدوافع والمآلات. ولكن الموادّ التي تتضمّنتها صفحات عددنا هذا والتي وضعت الاحتجاجات الكبرى تحت المجهر، على غرار حراك الكامور واحتجاجات قفصة التي أدّت إلى إيقاف مواقع إنتاج الفسفاط، أو تحرّكات جماهير كرة القدم وغيرها، لن تكون منصفة إذا ما أسقطنا احتجاجات الظلّ. تلك التي لم تمتلك أدوات ضغط على السلطة أو التي استنزفتها سنوات المرابطة الطويلة. ولن تكتمل بدون رصد التطوّر النوعي لبعض الحراكات الحقوقية البيئية أو الإشارة إلى دور الائتلافات في الضغط على أصحاب القرار.

من هذا المنطلق، كان لا بدّ من العودة، وإن باقتضاب، إلى أبرز الاحتجاجات التي لم تفلح في إثارة اهتمام العامّة أو الحكومة، لكنّها لا تقلّ عدالة ومشروعية عن غيرها من القضايا التي استطاعت أن تنتزع لنفسها مكاناً أمام عدسات التصوير وفي أجندة حكّام القصبة.


الحرقة، أو الاحتجاج بالقفز في زوارق الموت

لم تمنع الجائحة التي فرضت على دول العالم إغلاق حدودها وأجبرت الناس على ملازمة بيوتهم، من تواصل عمليّات الهجرة غير النظامية في تونس. فقد كان هاجس الهرب من قساوة الوضع الاقتصادي والاجتماعي أقوى من هاجس النجاة من الوباء. تجاوزت هذه الظاهرة، التي تتفاقم سنة تلو الأخرى، السردية النمطية عن شباب يبحث عن الرفاهية لتصبح تعبيراً احتجاجياً قائماً بذاته ينبع من تراكم اليأس والإحباط وانعدام الثقة في البرامج الحكومية ووعود الأحزاب الحاكمة. فقد بلغ عدد مجتازي الحدود خلسة خلال السنة الفارطة[1] 12883 شخصاً بينهم 5153 تونسياً وتونسية. الظاهرة اللافتة التي تنامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة هي تطوّر حضور النساء والقصّر في قوارب الموت المتّجهة إلى السواحل الأوروبية، بمشاركة 353 امرأة و1431 قاصراً بدون مرافقة في عمليات اجتياز الحدود.

على الضفّة الأخرى، كان الشباب التونسي يخوض تحرّكات احتجاجية ضدّ ظروف الإيواء اللا إنسانية في مركز مليلة[2] الذي أنشأته السلطات الإسبانية لتجميع المهاجرين غير النظاميين تمهيداً لترحيلهم. فقد تمّ تكديسهم في خيم بلاستيكية وسط غياب كلّي للخدمات الأساسية. كما حُرموا من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم، وصودرت جوازات السفر الخاصة بهم في غياب أيّ شكل من أشكال المرافقة القانونية. وقد حاول المحتجَزون لفت النظر إلى معاناتهم عبر تنفيذ سلسلة إضرابات جوع أو خياطة أفواههم، لكن دون جدوى. أمّا على الضفّة التونسية، فحاول أهالي المهاجرين مدعومين من عدد من منظّمات المجتمع المدني تسليط الضوء على هذه القضيّة عبر تنفيذ عدد من الوقفات الاحتجاجية خلال شهرَي فيفري وسبتمبر 2020، إزاء صمت رسمي حكومي وإصرار إسباني على ترحيل هؤلاء وغلق الملفّ.

مجلس نوّاب الشعب قادح للاحتجاجات

لم تكن السياسات الحكومية على الصعيدين السياسي والاقتصادي-الاجتماعي المحرّك الوحيد للتونسيين خلال سنة 2020، بل شكّلت مشاريع قوانين بعض النوّاب أو مقترحاتهم التي لم يستسغْها الشارع سبباً في تنفيذ عدد من الوقفات الاحتجاجية. فمع برمجة عرض مشروع قانون عدد 25/2015 المتعلّق بحماية قوّات الأمن الداخلي والديوانة أو ما يُعرف بمشروع قانون زجر الاعتداء على الأمنيين[3]، للمصادقة خلال الجلسات العامّة أيام 6 و7 و8 أكتوبر 2020، تحرّك ناشطو حملتَي “حاسبهم” و”من حقّي” لدعوة معارضي المشروع إلى الاحتجاج يوم 6 أكتوبر قبالة مجلس نوّاب الشعب. لم يقتصر التحرّك على هاتين الحملتين، بل دعا العديد من منظّمات المجتمع المدني إلى التعبئة العامّة ضدّ ما اعتبروه تهديداً للحقوق والحرّيّات واتنصاراً لمصالح قطاعية ضيّقة. لم تمرّ الاحتجاجات المناهضة لهذا المشروع بدون التنكيل بالمحتجّين وتسجيل العديد من الانتهاكات ضدّهم على يد قوّات الأمن، ولكنّها مثّلت في الآن ذاته ضغطاً أجّل بدوره المصادقة على المشروع.

بعد أسبوعين تقريباً، عادت الاحتجاجات قبالة مجلس نوّاب الشعب. فتجمّع الصحافيّون التونسيّون في وقفة احتجاجية في 20 أكتوبر 2020، للتصدّي لمقترح القانون عدد 2020/34 المتعلّق بتنقيح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرَّخ في 2 نوفمبر 2011، الذي تقدّمت به كتلة ائتلاف الكرامة والمطالبة بإعادة مشروع القانون الأساسي المتعلّق بحرّيّة الاتّصال السمعي البصري وتنظيم هيئة الاتّصال السمعي البصري الذي أقدمت الحكومة على سحبه من مجلس نوّاب الشعب. وأدّى هذا التحرّك إلى تأجيل النظر في اقتراحات التعديل في انتظار الإعلان عن موعد جديد لمناقشتها والتصويت عليها.

لم يتوقّف الجدل الذي يثيره مجلس نوّاب الشعب على الدوام، حتى خلال شبه الشلل التامّ الذي عرفته البلاد في ذروة فترة الحجر الصحّي الشامل. ففي 12 مارس 2020، خرج النائب مبروك كورشيد بمبادرة تشريعية تحت يافطة مكافحة الجرائم الإلكترونية والتصدّي لانتشار الأخبار الزائفة[4]، تهدف بالأساس إلى إجراء تحويرات على الفصلين 245 و247 من المجلّة الجزائية المتعلّقَين بجريمة القذف وعقوبتها. واجهت هذه الخطوة ردّ فعل هائل على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت استهجان ورفض العديد من الهيئات ومنظّمات المجتمع المدني، خصوصاً الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان اللتين أعلنتا رفضهما القطعي لهذه المبادرة واعتبرتاها محاولة غير مقبولة لضرب الحرّيّات العامّة في البلاد ومحاولة للرجوع إلى مربّع مصادرة حرّيّات التعبير.

سحب العديد من النواب الممضين على مقترح القانون تواقيعهم تحت الضغط ما اضطرّ النائب مبروك كورشيد إلى إعلان سحب هذه المبادرة التشريعية يوم 30 مارس 2020 معلّلاً بأنّ الظرفية الراهنة لا تسمح بطرحها.

ملفّ جرحى الثورة أو جرح الثورة المفتوح

ربّما كان شهر جانفي 2020 الأكثر قسوة في مسار الحراك الذي يخوضه جرحى الثورة وأهالي شهدائها منذ 9 سنوات. فقد اختطف الموت الجريح طارق الدزيري[5] يوم 18 جانفي بعد تعفّن جروحه وتدهور وضع جهازه المناعي في ظلّ إهمال مطلق من مختلف الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ 2011. رحيل طارق، وإن زاد من غضب الجرحى ومناصري قضيتهم، لم يغيّر من الواقع الكثير. فبعد سلسلة تحرّكات صغيرة، للمطالبة بنشر قائمة شهداء وجرحى الثورة في الرائد الرسمي، جاء التصعيد من قبل المتضرّرين في نهاية 2020 بإعلانهم بدء اعتصام مفتوح في مقرّ الهيئة العامّة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية. وتسبّبت سياسة التعامي والصمم الإرادي الذي مارسته الحكومة تجاه تحرّكهم في تصعيد الأمور، فدخل الجرحى في إضراب جوع استنفر بعض منظّمات المجتمع المدني، إلاّ أنه لم يُثر ولو تعليقاً وحيداً من قبل الطرف الحكومي. وقد بلغ الغضب والاحتجاج أقصاه ليلة 31 ديسمبر 2020، فحين كان التونسيون يقضون ليلة نهاية السنة في بيوتهم، كانت مجموعة من جرحى الثورة تحضّر لخياطة أفواههم في اليوم التالي بعد أن فشلت أصواتهم في تغيير مأساة متواصلة منذ عشر سنوات.

لم تكن وفاة طارق الدزيري ومحاكمة جريح الثورة مسلم قصد الله قبل سنتين مجرّد ممارسات وانتهاكات في حقّ أشخاص، بقدر ما مثّلت محاكمة لمرحلة. وما استمرار الحكومات في المماطلة والتسويف في هذا الملفّ بالذات سوى ترجمة لهذه السياسة التي يدفع ثمنها أبطال سردية محفورة في الذاكرة، هُم أجمل وأهمّ فصولها وشهودها.

الأطبّاء يقاتلون على أكثر من جبهة

لم يطلْ الأمر أكثر من شهرين تقريباً على ظهور فيروس كورونا في الصين، حتى أُعلن رسمياً عن أوّل إصابة في تونس يوم 2 مارس 2020 وبدء المعركة ضدّ هذا الوباء. ووجد جنود الخطّ الأوّل من الأطبّاء والإطارات الطبّية وشبه الطبّية في القطاع العامّ أنفسهم في أتون حرب متعدّدة الجبهات؛ فمن جهة، يفرض الواجب بذل أقصى الجهود لإنقاذ أرواح المصابين ومن جهة أخرى، فرض واقع قطاع الصحّة العمومية[6] ووضعية الأطبّاء وأعوان قطاع الصحّة جبهة أخرى لمعركة لا تقلّ أهمّيّة. وقد عرّت الأزمة الصحّية واقع المؤسّسات الاستشفائية العمومية في تونس، حيث لم تكن تتجاوز موازنة وزارة الصحّة 5% من إجمالي ميزانيّة الدولة، ولم يكن متوفّراً سوى 330 سرير إنعاش 92.7% منها في مدن الشريط الساحلي للبلاد. ولّد هذا الوضع ضغطاً رهيباً على الأطبّاء والإطارات الطبّية وشبه الطبّية ودفعهم في أكثر من مناسبة إلى الخروج من المستشفيات إلى الشوارع. بدأت الاحتجاجات أيّاماً قليلة بعد انتهاء فترة الحجر الصحّي الشامل، حين نفّذ أعوان الصحّة العمومية سلسلة تحرّكات انطلقت في 28 ماي 2020، قبل أن تعلن الجامعة العامّة للصحّة التابعة للاتّحاد العامّ التونسي للشغل إضراباً عامّاً قطاعياً يوم 18 جوان 2020، لمطالبة وزارة الإشراف والحكومة بالالتفات إلى مطالب المحتجّين والنظر فيها بدون تسويف ومماطلة. نجح التحرّك بشكل كبير على مستوى المشاركة في الإضراب سواء في العاصمة أو في الجهات، حيث رفع مهنيو الصحّة شعارات مندِّدة بالوضع الكارثي الذي بلغته المستشفيات العمومية، وبضرورة تنظيم القطاع بإصدار نظام أساسي خاصّ في هذا الصدد.

بعد أقلّ من شهر، نفّذ عدد من الأطباء العامّين للصحّة العمومية وقفة احتجاجية في 14 جويلية 2020 أمام وزارة الصحّة في العاصمة للمطالبة بتنقيح الأمر الحكومي عدد 341 لسنة 2019 المتعلّق بتنظيم الدراسات الطبّية في تونس وللتنديد بتزايد الضغط عليهم في وقت يشهد فيه سلك الأطبّاء العامّين تراجعاً من حيث العدد نتيجة إحالة عدد من الأطبّاء على التقاعد أو تقدّم بعضهم بالاستقالة أو اختيار بعضهم مغادرة البلاد للعمل في الخارج وعدم إقدام سلطة الإشراف على سدّ الثغرات. ولكنّ الحدث الأهمّ في القطاع الصحّي خلال 2020، كان وفاة الطبيب بدر الدين العلوي إثر سقوطه في مصعد في مستشفى جندوبة في 3 ديسمبر، الأمر الذي أطلق موجة احتجاجات انتهت إلى إعلان إضراب عامّ يوم 8 ديسمبر ومسيرة غضب شارك فيها آلاف الإطارات الطبّية وشبه الطبّية والأطبّاء للمطالبة بتحسين ظروف عملهم ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال الذي أدّى إلى وفاة زميلهم.

الدكاترة الباحثون والمعطَّلون من أصحاب الشهادات العليا: أزمة الملفّات المفتوحة

عشر سنوات لم تكن كافية لثماني حكومات لإغلاق عدد من الملفّات المفتوحة التي يتحرّك أصحابها بدون كلل طيلة عقد من الزمن تقريباً. فقد تطلّب الأمر اعتصاماً دام خمسة أشهر تقريباً منذ 7 جويلية 2020 في مقرّ وزارة التعليم العالي، كي تقرّر حكومة المشيشي عقد جلسة عمل في 9 ديسمبر الفارط مع وفد من ممثّلي الدكاترة الباحثين المعطّلين عن العمل بحضور الأمين العامّ للاتّحاد العامّ التونسي للشغل. لم يسفر الاجتماع عن نتائج عمليّة سوى ما أسماه بلاغ الحكومة حينها الإنصات إلى مشاكل الدكاترة. وقد مثّلت هذه القضية مأساة وفضيحة كبرى، حيث وجد قرابة 5 آلاف شابة وشاب من حاملي شهادات الدكتوراه أنفسهم ملفوظين من سوق الشغل، ليفترشوا الأرصفة المحيطة بوزارة الإشراف[7] بدل أن يكونوا في مختبرات البحث أو مدرّجات الكليّات. وبلغ الأمر حدّ الاعتداءات الجسدية على المعتصمين في أكثر من مناسبة على يد قوّات الأمن. لم تقتصر معضلة الملفّات العالقة على الدكاترة فحسب، بل شملت المعطَّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا الذين يزيد عددهم عن 60 ألفاً. وقد انطلقت احتجاجاتهم منذ بداية سنة 2020، بالدعوة إلى وقفة احتجاجية كبرى أمام مجلس نوّاب الشعب في 16 جانفي الفارط، لتتواصل التحرّكات الجهوية طيلة فترة ما قبل الحجر الصحّي الشامل في شهر مارس دون انقطاع تقريباً. بعد عودة الحياة تدريجياً في شهر جوان وانتهاء موجة الوباء الأولى، استأنف المعطّلون تحرّكاتهم مجدّداً ليشهد محيط البرلمان في 10 جوان 2020 وقفة احتجاجية أخرى، قبل أن يعتصم عدد من الشباب المُعطّلين عن العمل القادمين من ولاية القصرين يوم 18 جوان 2020 أمام مقرّ رئاسة الحكومة في القصبة في حركة تصعيديّة منهم في وجه عدم إيفاء الحكومات المتعاقبة بتعهّداتها في تشغيل الدفعات المتبقّية من اعتصام 2016. على ما يبدو، دفعت هذه التحرّكات المتواصلة منذ 10 سنوات تقريباً البرلمان إلى المصادقة على مقترح القانون عدد 27 لسنة 2020 المتعلّق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي[8] في 29 جويلية 2020 والقاضي بالانتداب المباشر في القطاع العمومي للعاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا الذين بلغت فترة بطالتهم 10 سنوات فأكثر. قانون يبدو أنّه لن يكون سهل الإنفاذ في وضع اقتصادي خانق وعجز موازنات الدولة التي تبحث عن مصادر تمويل لميزانية سنة 2021 بنسبة مديونية ناهزت 92%.

الوباء مرادف للجوع

كان إغلاق المقاهي والمطاعم ضمن الوسائل للحدّ من انتشار العدوى خلال فترة الحجر الصحّي العامّ من أبرز قرارات الحكومة التونسية. تكرّر هذا الإجراء لاحقاً بعودة جزئية أو تقديم خدمات هذه المحلات مع رفع الكراسي. لكن في الطرف المقابل، كان مهنيو هذا القطاع يدفعون ثمناً باهظاً في الحرب ضدّ وباء كورونا. حيث تسبّب إيقاف أعمالهم أو الحدّ من طاقة الاستيعاب أو رفع الكراسي إضافة إلى حظر التجوّل إلى إفلاس 80% من أصحاب المقاهي وإحالة 70 ألف عامل في هذا المجال على البطالة[9]. لم تغيّر الأرقام هذه سياسة الدولة التي واصلت تجاهل مطالبة الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي تعديلَ قراراتها أو تعويضَهم عن خسائرهم، فلجأ هؤلاء إلى الشارع في سلسلة تحركات احتجاجية من 9 إلى 12 أكتوبر في العاصمة تونس وعدد من الجهات، تبعتها موجة أخرى من التحرّكات بدأت في 20 نوفمبر الفارط. ورغم تمديد ساعات العمل لاحقاً، خلال شهر ديسمبر، لا يزال تحديد طاقة الاستيعاب بـ30% فقط يلقي بظلاله على القطاع الذي يبدو أنّ معاناة منتسبيه ستستمرّ في 2021 مع استمرار تفشّي الوباء وتأخّر اللقاحات.

الحراكات البيئية: هاجس مشترك بأدوات مختلفة

لم تقتصر المصاعب التي عاشها التونسيون خلال 2020 على ارتدادات الجائحة الاقتصادية والاجتماعية أو استمرار السياسات التنموية الظالمة أو العنف الأمني وغيرها. فكان الحقّ في هواء نظيف أو مياه صالحة للشرب أو بيئة سليمة ضمن مطالب فئات أخرى من المحتجّين الذين نزلوا إلى الشوارع خلال السنة الفارطة رافعين هذه الشعارات. بدءاً بمأساة الهوايدية[10] التي يخوض أهاليها اعتصاماً مفتوحاً منذ شهر جانفي 2020 للمطالبة بإغلاق مقطع حجارة دمّر مصدر شربهم الوحيد، مروراً بمدن الحوض المنجمي التي تدفع ثمن استخراج الفسفاط من حقّ سكّانها في الماء أو الصحّة[11]، انتهاءً بمعتمدية عقارب في ولاية صفاقس التي تعاني من كارثة بيئية نتيجة تلوّث الهواء جرّاء انبعاث روائح كريهة من مصبّ النفايات في منطقتهم الذي تصل انبعاثاته إلى مسافة 3 كيلومترات لتطال الأحياء السكنية.

وقد تنوّعت وسائل النضال البيئي خلال سنة 2020، فبينما كانت سمة التحرّكات ضد التلوّث الناجم عن الفسفاط في قفصة عنيفة وصلت إلى حدّ غلق مواقع الإنتاج، كانت الهوايدية تعتمد على الاعتصامات السلمية واللجوء إلى القضاء بدعم من عدد من منظّمات المجتمع المدني، رغم تواطؤ السلط الرسمية وبقاء الملفّ معلّقاً حتّى هذا اليوم. أمّا في منطقة عقارب، فاعتمد الناشطون البيئيون أسلوب الوقفات الاحتجاجية إضافة على إطلاق حملة تحت اسم “مانيش مصب” (لستُ مكبَّ نفايات) تدعمهم منظّمات وجمعيّات وطنية على غرار المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. مكّن هذا التنظيم الحملة من أن تتحوّل إلى طرف حقيقي في المفاوضات والوصول إلى اتّفاق مع الوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات، يوم 29 أوت 2020 بحضور الوالي وخبراء ونوّاب الشعب، تعهّدت فيه الوكالة بالعمل على الحدّ من هذه الانبعاثات وإتمام قرار الغلق النهائي للمصبّ في 2021.

الائتلافات: الخطر يخلق التقاطعات

إنّ التحرّكات الجماعية أو المواقف الموحَّدة بين منظّمات المجتمع المدني في تونس ليست جديدة، لكنّها أدّت دوراً كبيراً في 2020 على مستوى حجم التأثير والتعبئة في محطّات مختلفة. فأفرز هذا الأسلوب نتائج إيجابية دفاعاً عن حرّيّة الرأي والتعبير والضمير والصحافة والتظاهر والمساواة بين الجنسين ومناهضة التعذيب والإفلات من العقاب والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولعلّ أبرز نجاحاته تمثّلت في التصدّي بنجاح لمشروع “قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين” ومشروع تعديل المرسوم عدد 116 المتعلّق بالاتّصال السمعي البصري وبإحداث هيئة تعديلية مستقلّة. ولكن تميّزت هذه الائتلافات خلال السنة الفارطة بتجميع عدد هائل من المنظّمات[12] التقت على رفضها مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين رغم اختلافاتها الفكرية ومجال نشاطها ودوائر اهتمامها. وضمّت البلاغات الممضاة في المحطّة السابق ذكرها منظّمات نقابية على غرار جامعة الإعلام ونقابة الصحفيين، وإمضاءات وسائل إعلام بديلة على غرار مواقع نواة أو انكفاضة أو المفكّرة القانونية، جنباً إلى جنب مع منظّمات مجتمع الميم على غرار جمعيّة دمج أو حملات شبابية على غرار من حقّي وحاسبهم.

هذه الخطوة العملاقة في توسيع مظلّة التحرّك المدني ضدّ السياسات الحكومية أو محاولات تمرير مشاريع قوانين تخدم مصالح قطاعية ضيّقة أو قد تمثّل التفافاً على مكتسبات الثورة في مجال الحرّيّات الفردية وحقوق الانسان، مكّنت من تعزيز التأثير على قرارات السلطة التنفيذية أو التشريعية، وقد تمثّل مستقبلاً بارقة أمل في إيجاد ثقل مدني وشعبي منظّم قادر على التغيير.

 

 

نشر هذا المقال بالعدد 21 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة

 

  1. نشرية شهر ديسمبر 2020 حول الاحتجاجات الجماعية و الانتحار والعنف والهجرة – المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
  2. على خطى الحكومة الإيطالية إسبانيا تحتجز 800 تونسيا استعدادا لترحيلهم – المفكرة القانونية – أسامة عثمان – 06 مارس 2020
  3. لمن حماية القانون في تونس؟ الأمنيون يسحلون المعترضين على مشروع قانون لحمايتهم – المفكرة القانونية – محمد سميح الباجي عكاز – 07 أكتوبر 2020
  4. أسامة عثمان، “بعد موجة الرفض الواسعة، مبادرة ’تجريم القذف الإلكتروني‘ تُسحب من مجلس النوّاب في تونس”، المفكّرة القانونية، 1 أفريل 2020.
  5. أسامة عثمان، “وفاة جريح الثورة التونسية طارق الدزيري: الوجه المأساوي لانتكاسة مسار العدالة الانتقالية”، المفكّرة القانونية، 27 جانفي 2020.
  6. محمد سميح الباجي عكاز، “الصحة العمومية بالأرقام قبل بدء الحرب ضدّ جائحة كورونا”، المفكرة القانونية، 22 جوان 2020.
  7. حاملو شهادة الدكتوراه في تونس على الرصيف: الثروة البشرية المهدورة – المفكرة القانونية – أسامة عثمان – 09 جويلية 2020
  8. “المصادقة على مقترح قانون يتيح الانتداب المباشر لمن طالت بطالتهم: الحقّ في العمل أخيراً أم هي تشريعات الوهم؟”، المفكّرة القانونية، 1 أوت 2020.
  9. تصريح لنائب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي صدري بن عزوز في إذاعة موزاييك، 25 جانفي 2021.
  10. المفكّرة القانونية تونس، العدد 21، ص. 28-29.
  11. المفكّرة القانونية تونس، العدد 21، ص. 34-35.
  12. بيان “عودة برلمانية مفزعة”، 6 أكتوبر 2020.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، الحق في التعليم ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، حراكات اجتماعية ، حريات ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم