جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة


2021-03-05    |   

جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة
عثمان سلمي

ستبقى سنة 2020 محفورة في ذاكرة التونسيين على أنّها سنة الخوف. خوف اجتاح البلاد بعد تسجيل أولى إصابات فيروس كورونا وقرار الحكومة بالحجر الصحي الشامل في نهاية شهر مارس الذي استمرّ ثلاثة أشهر تقريباً. لم ينبع الخوف من تزايد أعداد الإصابات وصور دفن الضحايا فقط، فضبابية المستقبل وطبيعة الإجراءات الحكومية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي خلّفت رعباً لدى طيف كبير من التونسيّين، خصوصاً الفئات الهشّة التي تستلّ رغيفها من الشوارع والنواصي والمحلّات التجارية والمقاهي والمطاعم الصغيرة، والتي وجدت نفسها تدفع ضريبة النجاة الجماعية من الجائحة. في المقابل، اكتشفت الدولة فجأة أنّها لا تملك أيّ معلومات عن مليون تونسي، بينما مدّت يد العون بسخاء للشركات والمؤسّسات التي أضرّ الوباء بنشاطاتها تاركة مواطنيها الضعفاء لقدرهم.

في ظلّ هذا الوضع، عملت “المفكّرة القانونية” على عدد خاصّ يتناول أهمّ التطوّرات القانونية والاجتماعية في تونس، بعدما كنّا نشرنا في ديسمبر 2020 عدداً تناولنا فيه أوضاع القضاء في العشرية الأخيرة (زمن الياسمين). نأمل، من خلال العدد الخاصّ، تزويدَ قرّائنا بمعلومات وتحليلات تُمكِّنهم من تكوين صورة عن القوى التي تصنع القانون أو تحدِّد خياراته، والأهمّ عن الجهات التي يخدمها القانون في تونس.

ولهذه الغاية، حاولنا، بدايةً، تعرية السياسات الحكومية وأولويّاتها خلال الأزمة، عبر التدقيق في الإجراءات المتّخَذة وخطوط التمويل التي أُنشئت على عجل لضخّها في المؤسّسات فيما كانت تتزايد طوابير الفقراء أمام مكاتب البريد في الأحياء الشعبية والمدن الصغرى في انتظار مساعدة مالية هزيلة من الحكومة. وسرعان ما تحوّل الخوف من العوز إلى غضب تلقّفته الشوارع التي لم تهدأ يوماً منذ الخروج من فترة الحجر الصحّي الشامل. ضمّ فسيفساء كبيرة من المطالب والرغبات والدوافع التي دفعت الناس إلى الخروج والتجمهر احتجاجاً معتبرين احتمال العدوى بالفيروس معطى ثانوياً. وعليه، عشر سنوات بعد الثورة، بما يحمله المصطلح من معنى ووعود بالسعادة، بدت هذه الغاية بعيدة جدّاً عن شارع عانى لسنوات من سياسات حكومات جائرة، وصار صوته المطالِب بحلّ مختلف أزمات فئاته الاجتماعية والمهنية ثانوياً أمام معركة سياسية صاخبة.

من هنا، كانت العودة إلى احتجاجات الحوض المنجمي في الجنوب التونسي، حيث تحوّلت مادّة الفسفاط إلى لعنة حملت معها بؤس المؤشِّرات التنموية والاقتصاديّة، بالإضافة إلى عطش مزمن، استمرّ أشهراً أحياناً، في قرى المنطقة نتيجة سياسة استخراجية غلَّبت الاستفادة من هذه الثروة على حياة الناس وحقّهم في المياه الصالحة للشرب. العطش والفقر وقسوة الطبيعة والمماطلة الحكومية، عوامل أوصلت الغضب إلى مستويات غير مسبوقة، فأغلق المحتجّون، منتصف 2020 ونهايتها، مواقع الإنتاج ما اضطرّ الحكومة إلى استيراد الفسفاط من الخارج للمرّة الأولى في تاريخ تونس، التي كانت تُعدّ خامس منتج له.

جنوباً أيضاً، في الكامور التابعة لمحافظة تطاوين، تتبّعت المفكّرة القانونية مسار أحد أشهر التحرّكات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. بعد 3 سنوات من بدايته، وإثر إغلاق المحتجّين أنبوب ضخّ النفط في شهر جويلية، فرض الحراك هناك جزءاً كبيراً من مطالبه ووقّع اتّفاقاً مع الحكومة في 6 نوفمبر 2020. لكنّنا لم نكتفِ بسرد تطوّرات الحراك، بل تناولنا الخلفيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية لهذا الحدث، باحثين عن أسباب هذا النصر، إن صحّ التعبير، وارتداداته على الطرف الخاسر وعلى مستقبل الاحتجاجات وانعكاسه على حجمها وآلياتها التقليدية.

التونسيون الذين احتجّوا في عديد المناسبات طيلة السنة المنقضية، لم يخرجوا إلى الشارع بسبب ملفّات قطاعية أو لمطالب تتعلّق بالتشغيل والتنمية فحسب، بل مِنهم مَن طالَب بمجرّد شربة ماء. فقد تحوّل الاحتجاج ضدّ العطش خلال السنوات الأخيرة إلى مكوّن رئيسي في الحراكات التي تشهدها الشوارع. إذ كشفت معضلة انقطاع المياه أنّ المشاكل المرتبطة بتوزيع مياه الشرب تتخطّى البُعد التقني الظرفي فأصبحت معاناة حقيقية من العطش الذي يدوم أسابيع في بعض المناطق سنوياً، ما يعكس أزمة منظومة توزيع المياه وتمظهراً آخر للظلم التنموي وسطوة رأس المال.

كما كان ضمن المحتجّين في 2020 مواطنون حملوا مشاكل جمعياتهم الرياضية إلى الفضاء العامّ والشارع. وقد شهدت تونس في أواخر 2019 وخلال 2020 أحد أهمّ هذه التحرّكات، حيث كانت احتجاجات جماهير النادي الأفريقي وهلال الشابّة الرياضي من أهمّ الأحداث التي شغلت الرأي العامّ. لذا، كان ضرورياً تناول هذين الحدثين لفهم كيفيّة تحوّل كرة القدم من مجرّد وسيلة ترفيهية إلى أحد أهمّ المنابر الاحتجاجية، وذلك بالعودة إلى تاريخية الاحتجاج في المجال الرياضي. بالإضافة إلى البحث في مدى إمكانية اعتبار الاحتجاجات في المجال الرياضي حركات اجتماعية وإمكانية أن تغيّر الجماهير الرياضية مصيرها عبر مفهوم الفعل الجماعي.

شكّل الصحافيون أيضاً جزءاً من الحراك الاحتجاجي في 2020، خصوصاً بعد انتخاب مكتب تنفيذي جديد للنقابة بنفس شابّ وصدامي. لم تقتصر معركتهم على المطالب القطاعية، على غرار الاتّفاقية الإطارية المشتركة للصحافيين التونسيين التي رفضت الحكومة نشرها في الرائد الرسمي رغم مضيّ سنة على توقيعها والتي أدّت إلى سلسلة من التحرّكات الاحتجاجية طيلة شهرين والتلويح بالإضراب العامّ في 10 ديسمبر قبل أن يعيد رئيس الحكومة التعهّد بالإيفاء بالتزاماته؛ بل نزلوا إلى الشارع اعتراضاً على مبادرة كتلة ائتلاف الكرامة تنقيح المرسوم 116 وتنديداً بإقدام رئيس الحكومة على سحب مشروع القانون الأساسي المتعلّق بحرّية الاتّصال السمعي البصري وتنظيم هيئة الاتّصال السمعي البصري.

ولم ينحصر الصخب في الشارع إنّما انتقل إلى داخل البرلمان. فغرق المجلس المتشظّي، الذي أنتجته انتخابات سنة 2019، طيلة سنة كاملة في أجواء من التشنّج والخلافات والاعتصامات أدّت إلى تعطيل الجلسات العامّة في العديد من المناسبات. وقدّمت مشاهدُ الصراخ وتبادل الاتّهامات والتعنيف اللفظي والبدني بين النوّاب أنفسهم صورةً قاتمة عن مجلس نوّاب الشعب للشارع التونسي، وساهمت في تأجيج حالة الاحتقان الاجتماعي. أدّت الصراعات السياسية المتفاقمة في نهاية المطاف إلى ضعف الحصيلة التشريعية وتراكم مشاريع القوانين ومبادرات النوّاب التشريعية التي عُطِّل مرورها إلى الجلسات العامّة.

ختاماً، كان استعراض الحصيلة الاقتصادية والمالية أمراً حتمياً، خصوصاً أنّ جائحة كورونا ألقت بظلال قاتمة على الواقع الاقتصادي والاجتماعي لمعظم التونسيين. لكنْ ولفهم الغد، ارتأت المفكّرة القانونية تقديم قراءة حول ملامح قانون المالية لسنة 2021، حيث عكست الموازنة طبيعة السياسة الحكومية الماضية المستغرِقة في تحميل الفئات الأضعف أعباء الأزمة الراهنة وارتدادات الجائحة مقابل سخاء كبير على صعيد الدعم المالي أو الامتيازات الضريبية تجاه الاستثمارات الخاصّة في البلاد. ولم تكتفِ بهذا الأمر بل واصلت الرهان على خيار المديونية التي ستلامس سقف 100% في 2021، ناسفة كلّ أمل بتطوير مخصّصات التنمية أو فتح المجال لتعزيز الاستثمار العمومي في المناطق التي حُرمت طويلاً من حقّها في الكرامة الاقتصادية والاجتماعية.

إذن، وإن حاولنا استعراض واقع تونس الاجتماعي والسياسي والتشريعي في زمن الجائحة (من دون أن ننسى ملفّ العدالة الانتقالية الحارق) نسعى، عبر هذا العدد، إلى العودة دائماً إلى الخلفية التاريخية لمختلف الأزمات التي عاشتها البلاد خلال السنة المنقضية وتقديم إجابات أو طرح أسئلة تمهّد لفهم تونس بعد عشر سنوات من الثورة: لماذا لا تزال شوارع البلاد تغصّ بالغاضبين؟

 

 

نشر هذا المقال بالعدد 21 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، حراكات اجتماعية ، حريات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم