جائحة كورونا في تونس: البرجوازيات الرثة في معركة الحفاظ على الريع


2020-06-21    |   

جائحة كورونا في تونس: البرجوازيات الرثة في معركة الحفاظ على الريع

مثلت تصريحات رئيس إتّحاد الأعراف التونسيين سمير ماجول[1] على إحدى القنوات التلفزية الخاصة صدمة للكثيرين الذين اعتبروها إبتزازا للدولة ودفاعا مبالغا فيه عن مصالح فئوية على حساب الأغلبية المفقرة في تونس. تحدّث رئيس الأعراف بغضب عن النهب الذي تعرض له أصحاب رؤوس المال من قبل الدولة عبر الضرائب المجحفة التي يدفعونها من دون أن يقابلها أي شيء وأنهم سيضطرون لإغلاق مؤسساتهم في حال لم تقف الدولة إلى جانبهم كي يواجهوا تداعيات أزمة الكورونا. كما انتقد الضرر الذي تتعرض له الكثير من المؤسسات نتيجة تمدّد إقتصاد التهريب والقطاعات غير المهيكلة من دون أن تضع الحكومات المتعاقبة حدا لذلك. تصريحات ماجول أعادت الجدل (القديم الجديد) حول الدور الإجتماعي للبرجوازية المحلية ومدى قدرتها على التخلص من “نزعتها الكمبرادورية” والإنخراط في مجهودات الحكومة من أجل التصدي للتداعيات الإجتماعية التي سيخلفها فيروس الكورونا. استجابة طبقة أصحاب الأعمال اعتبرت بطيئة ومحتشمة حيث اكتفى جلهم، من أجل رفع الحرج، بقليل من التبرعات التي لم تتجاوز في المجمل عشرة ملايين دولار في حين أن العديد منهم هم على خانة الذين لم يسددوا الضرائب وإن سددوها فوفق مجموع مرابيح مزيفة لا تعكس دائما المرابيح الحقيقية[2]. الدوائر الحكومية تعرف ذلك جيدا لكنها لا تتدخل بالشكل الناجع وتتردد في وضع منظومات رقمية تتيح لها معرفة المرابيح الحقيقية. هذا التردد مردّّه “نطاقات التواطؤ” والصمت المتبادل بين طبقة أصحاب الأعمال المحليين والدوائر البيروقراطية للدولة.

الإنتفاع من كلّ الأزمنة

تعتبر “البرجوازية المحلية” في تونس في الأصل، كما في العديد من بلدان العالم الثالث، الإبنة غير الشرعية لبيروقراطية الدولة. ويعود تاريخ هذه الأبوة أساسا إلى أوائل السبعينات من القرن الماضي حين بدأت البلاد تخوض تجربتها الليبرالية الأولى بعد تجربتي رأسمالية الدولة والتعاضد التي انتهت بإخفاق كبير كان من نتائجه أزمات عصفت بالقطاع الفلاحي وتنامي موجة النازحين نحو المدن. ارتكزت العلاقة بين طبقة المقاولين والدولة، على مدى أكثر من أربعين سنة من الليبرالية، على تبادل المنافع بشكل غير متساو (لصالح أقلية من أصحاب الأعمال) في أحيان كثيرة على حساب تحقيق التنمية ونماء المجتمع. يتم هذا التبادل على قاعدة الإستفادة من الريع الذي توفره الدولة، فهي التي ترسم حدود اللعبة الإقتصادية وشروطها عبر أجهزتها البيروقراطية ومنظوماتها القانونية المتشعبة. وهي من يسيطر على الصفقات العمومية وإعطاء رخص ممارسة النشاطات الإقتصادية بمختلف أشكالها. لهذا فنجاح طبقة المقاولين لا يتحدد في هذا المناخ من خلال قدرتهم على التجديد والمبادرة ومراكمة رأس المال بل بمدى القدرة على الولوج إلى الشبكات الزبونية المبنية على العصبيات الجهوية والولاءات السياسية، وهي محددات أساسية لرسم حدود الحق في أن تكون ثريا من عدمه. يشير تقرير لمجموعة الأزمات المعنون ب “الإنتقال المعطل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية”[3] إلى أن الفاعلين الإقتصاديين الذين حققوا ثروات طائلة خلال موجات الليبيرالية (بداية السبعينيات ومنتصف الثمانينيات) بحكم قراباتهم العائلة والجهوية من السلطة المركزية يحاولون بعد سقوط بن علي الإبقاء على المعاملة التفضيلية من قبل الإدارة العمومية علاوة على الحوافز الضريبية والمصرفية والحماية القانونية والسياسية من أجل المحافظة على مواقعهم الإحتكارية. هذا ما جعلهم يدفعون بالباجي قايد السبسي، الذي خاض صراعاً إيديولوجياً مع حركة النهضة الإسلامية انتهى بالتوافق، إلى طرح قانون المصالحة المالية من أجل إعفائهم من المحاسبة القضائية المتعلقة بأصحاب أعمال نافذين في زمن بن علي. هذا القانون كان بمثابة مقابل للدعم المالي الذي تلقاه حزب نداء تونس من هؤلاء. لم يستطِع حزب الباجي سوى تمرير قانون مصالحة إدارية كان بمثابة العفو عن الشق البيروقراطي الذي يمثله كبار الموظفين المتورطين في الفساد.

التموقع السياسي للنخب التقليدية تم مقابل نخب إقتصادية جديدة صاعدة يتمركز نفوذها الجغرافي في المناطق الداخلية والحدودية المحرومة وتشتغل في إقتصاد التهريب بل إنها تسيطر على مسالكه إلى الحد الذي منحها قدرة تفاوضية عالية مع الفاعلين السياسين.

فمثلا في مدينة بن قردان الحدودية مع ليبيا، التي يعيش متساكنوها على الإقتصاد اللاشكلي، يملك المهرّبون المحلّيون قدرة كبيرة على تعبئة السكان المحليين في حركات احتجاجية تمكنهم من الضغط على السلط المركزية من أجل تحقيق مكاسب غالبا ما تتمثل في غضّ الطرف عن توريد السلع المهربة وتجارة العملة في السوق السوداء والتي يجنون من خلالها موارد مالية طائلة. عادة ما ترضخ السلطات المركزية لذلك ولكن من منطلق سياسي. فالإسلاميون الذين سيطروا على الحكم منذ سقوط نظام بن علي هم على وعي جيد أن قواعدهم الاجتماعية تتموقع مجاليا في عدد كبير من مناطق الجنوب. لهذا هم لا يجدون من بدّ سوى عقد تحالفات ضمنية مع نخب إقتصاد التهريب مع العمل في ذات الوقت على كسب ولاء البرجوازية التقليدية التي تتموقع جغرافيا في مناطق الساحل التونسي والعاصمة. يتم هذا عبر آليات متعددة من بينها الضغط عبر ” تحريك ملفات الفساد” الذي بات مكونا بنيويا للحياة السياسية في تونس وإحدى آليات ترسيخ الحكم. علاوة على هذا باتت ” نخب إقتصاد التهريب” على وعي كبير بأن الدفاع عن مصالحها في مواجهة البرجوازية التقليدية المتربصة بها مرتبط أيما إرتباط بتوفير دعامات سياسية داخل مراكز القرار السياسي. وهو ما حدث في انتخابات 2019 حيث نجح أحد كبار المشتبه بهم بالتهريب في ‘حدى المناطق الحدودية في الحصول على مقعد في مجلس نواب الشعب ليجد نفسه جنبا إلى جنب مع رموز البرجوازية التقليدية التي تكابد بدورها عبر مجلس نواب الشعب من أجل تعزيز مكاسبها القديمة وعدم التفريط فيها. يفسر هذا الأمر أن تموقع إتحاد الأعراف التونسيين إزاء أزمة الكورونا لا ينبع ضرورة من تخوفات من تداعيات الأزمة على إقتصاد البلاد بقدر ما يرتبط بتخوفات مردها أن هذه الأزمة لا يجب أن يتم إدارتها على نحو يجعلها تمسّ من المواقع الإحتكارية للعائلات المتنفذة إقتصاديا وأن شعار “محاربة الفساد” الذي ترفعه الحكومة لا يجب أن يقود في إتجاه التقليص من التعامل التفاضلي الذي يحظى به هؤلاء من قبل الأجهزة البيروقراطية للدولة أو أن يشكل عائقا أمام الولوج بشكل مرن وسهل للقروض البنكية.

فما تطلبه ” البرجوازية التقليدية” هو دولة في حدها الأدنى وفي خدمة مصالحها وهو ما يجعلها في تقاطع موضوعي مع “نخب إقتصاد التهريب” التي تبحث عن فراغات وفجوات إجتماعية تغيب عنها الدولة من أجل تكديس المزيد من الثروات الشخصية بشكل طائل وسريع. هذا التقاطع هو نتاج انخراط الإقتصاد في نموذج رأسمالي ريعي حيث تتزاوج الليبرالية مع الزبونية والفساد. بل لعل من المفارقة أن “ليبرالية الأسواق” باتت منتجا لممارسات إقتصادية وإدارية غير شفافة.

المناطق الرمادية لتخلّي الدولة

كشفت أزمة الكورونا أن أربعين سنة من الليبرالية في تونس أدِّت إلى تشكّل نخب إقتصادية طفيلية تعيش على ترهّل الجهاز البيروقراطي وكل ما تتيحه الدولة من ريع. (رخص تجارية، إمتيازات ضريبية. إلخ) مقابل الإستثمار في قطاعات غير منتجة على غرار قطاع العقارات والخدمات والتوريد التي لا تنتج سوى مهن هشة وغير مستقرة في الغالب. هذا النوع من الاقتصاد ساهم في نشوء طبقات حضرية تعيش على هامش العمل المنظم ولكنها منخرطة في المجتمع الإستهلاكي الذي يعزز في الآن ذاته نزوعها الفرداني ويعمق إحباطاتها على نحو يدفعها إلى حالة غليان احتجاجي مستمر دون أن تكون قادرة بشكل فعال على تغيير آليات إشتغال النظام. يتجلى ذلك بشكل واضح في احتجاجات شبان الضواحي الفقيرة المحيطة بالعاصمة وشباب المناطق الداخلية من الحاصلين على شهادات عليا لم تمكنهم من الحصول على وظيفة وشغل قار. الأمر لا يرتبط هنا بالضرورة بخلل بنيوي في المنظومة الليبرالية ذاتها كمنتجة للتفاوتات الإجتماعية بل إن سياسة تعميم العلاقات الزبونية داخل المجتمع أفضت إلى خوصصة الدولة وتحويلها إلى ما يشبه المجمّع الخاص. “فالدولة هي دولتهم هم”، هذا يتردد لدى جزء كبير من التونسيين. فالسياسة الليبرالية التي عملت على فتح الباب أمام المبادرة الخاصة منذ بداية السبعينيات من أجل خلق مزيد من مواطن الشغل لم تفضِ سوى إلى هزات إجتماعية كبيرة لعل أبرزها أحداث الخميس الأسود في 26 جانفي 1978 و أحداث الخبز في جانفي 1984. و هي أحداث إن دلّت على حدود الخيار الليبرالي وبداية اهتراء العقد الإجتماعي الذي بنت عليه دولة الإستقلال مشروعيتها، فإنها شكّلت في الآن نفسه حجة دامغة على صعوبة تشكيل طبقة برجوازية مستقلة قادرة على تحقيق استقلاليتها خارج النطاقات الزبائنية رغم الحوافز الضريبية التي مكنتها الدولة منذ ما يعرف بقانون 72 الذي حولها إلى شريك فاعل في الخيارات التنموية. ولئن كانت صعوبة التشكل هذه مرتبطة حينها بدولنة المجتمع والتقسيم العالمي غير المتكافئ للعمل إلا أنه مرتبط أساسا بذهنية غنائمية لا تقوم على مراكمة رأس المال لكن على مراكمة الثروات الشخصية. فما حدث هو أن الدولة صنعت طبقة رأسمالية ضعيفة دون ذهنية وثقافة رأسمالية عقلانية راسخة تقطع بشكل جذري مع الثقافة الحرفية التقليدية. هذا الأمر جعلنا إزاء برجوازية محلية محافظة وغير مغامرة وهو ما يفسر أن التحديث الإجتماعي العميق الذي عرفته تونس لم يرافقه ذات العمق فيما يتعلق بتحديث البنية الذهنية الاقتصادية. و على هذا الأساس، لا تنبع استماتة إتحاد الأعراف في الدفاع عن ضرورة تحرير السوق و الدفع بالخوصصة إلى مداها الأقصى (طلب رئيس الاتحاد الأعراف مؤخرا بمزيد من الإجراءات لتحرير قطاع الأدوية خاصة في مجال الإستيراد) لا ينبع بالضرورة من رؤية إيديولوجية متجانسة بقدر ما يتعلق برغبة في توسيع نطاق توزيع المنافع إلى مداه حتى وإن كان على حساب بقية الفئات الاجتماعية التي وجدت نفسها تكابد من أجل الاستمرار في العيش.

التسعينيات: زمن الأثرياء الجدد

الإقتصاد التونسي الذي إنخرط في إقتصاد السوق المعولم منذ منتصف الثمانينيات في إطار برنامج التعديل الهيكلي من أجل دعم تنافسية المؤسسات التونسية، جلب الإستثمار الخارجي عبر التقليص من السياسات الحمائية للسوق الداخلية. وكان إنخراطه على هذا الوجه بمثابة تقوية لسياسات التقشف دون أن يعني ذلك فكّا كليّا لإلتزمات الدولة الاجتماعية. فكل الذي حدث ، كما يشير بحصافة ميشال كامو، هو إعادة ترتيب لأنماط إلتزام الدولة بالمزايا التفاضلية لطبقة المقاولين المتشكلة تحت حماية الدولة مقابل صعود اليد اليمنى للدولة المتمثلة في الضغط على الإستهلاك و مراقبة تطور الأجور تحت تعلة التعديل الذاتي من قبل السوق[4]. سيتدعم هذا التمشي مع نظام بن علي الذي تصرف ” كتلميذ نجيب” لصناديق التمويل الدولية من خلال المراهنة على إيديولوجيا النمو من ناحية وشراء صمت “الطبقات الوسطى” عبر سياسة الإغراق في المديونية الإستهلاكية من ناحية أخرى. راهن النظام حينها على البنوك كجهاز للتحكم من أجل صياغة عقد أمن مع الطبقات المتوسطة مع الحرص على إدارة بؤس الطبقات الأكثر حرمانا من خلال السماح لها بممارسة نشاطات غير قانونية في القطاع اللاشكلي لكن تحت رقابتها حيث كانت تضع له حدودا حين يأخذ في التوسع خارج المجال المحدد له مسبقا. مقابل ذلك، كان النظام يدير العلاقة مع أصحاب الأعمال وفق سياسة زبونية سمحت لهم بالتقرب من عائلة زوجة الرئيس النافذة التي ساعدتهم بدورها على الإستفادة من القروض البنكية العمومية دون فوائد عالية وبشروط ميسرة، علاوة على الإعفاءات الجمركية مقابل منافع متبادلة مع الشبكات المسيطرة على الموانئ والتي كان يديرها في الغالب متنفذون محميون من النظام. كانت هذه الشبكات تسيطر على كل شيء بما في ذلك إقتصاد التهريب حيث نجحت في عقد توافقات مع المهربين المحليين الذي استفادوا من الغطاء الأمني الذي توفر لهم. هذا المنعرج الذي سيبدأ في منتصف التسعينيات تقريبا، مع بداية تطبيق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، سيكون بداية لتشكل طبقة من المضاربين العقاريين، بعدما تخلت الدولة عن سياساتها السكنية، والمستثمرين في قطاع الخدمات ومحتكري توريد السيارات الذين سيتفيدون كثيرا من الإقراض البنكي للطبقات المتوسطة من أجل شراء سيارة شعبية. مقابل ذلك، ستعرف بعض الصناعات المحلية أزمة كبيرة مثل قطاع النسيج والأحذية التي أصبح يتعرض لمنافسة شرسة من قبل السلع الموردة من الصين. وهو ما دفع بصغار الحرفيين إلى إغلاق محلاتهم والدخول في عالم البطالة والمهن الهشة. الطبقة المتشكلة في منتصف الستعينيات وبداية الألفية الثالثة كانت منتوجا نيوليبراليا للسوق الحرة وإيديولوجيا النمو ولكن برعاية القوة المتنفذة داخل الجهاز البيروقراطي للدولة حيث تغيب مؤسسات الرقابة المستقلة وتتجاور حرية الأسواق مع حرية تبادل المنافع وحرية الرشاوي. ولّدت الموجة الليبرالية الثانية التي بدأت منتصف ثمانينيات القرن الفائت مجموعة من الأثرياء الجدد ممن تسلقوا سلم الثروة بشكل سريع. كان النظام يعول على هذه الطبقة للترويج لنجاح خياراته الإقتصادية المتطابقة مع إنتظارات الممولين الدوليين. الرهان دائما هو الترويج لتونس كوجهة آمنة وجالبة للمستثمرين. مقابل هذا، كانت طبقة أصحاب الأعمال المحليين تستفيد بشكل سخي من قروض البنوك العمومية تحت تعلة التشجيع على الإستثمار من دون أن تتحقق بشكل فعلي قيمة مضافة ذات تشغيلية عالية في الإستثمارات المنجزة. بل إن جزءا من تلك الأموال كانت تُهرب إلى الخارج ولم تستطع الدولة التونسية بعد سقوط النظام في سنة 2011، استرجاع سوى جزء قليل منها. الشبكات التي كانت مسيطرة في زمن بن علي ستبقى هي ذاتها تقريبا مع فارق وحيد كون الحدود بينها بين نخب إقتصاد التهريب لم تعد سميكة بل هنالك تقارب وتقاطعات كثيرة تدعمت في ظل الإنفتاح الديمقراطي وتراخي سلطة الدولة وغياب وسيط سياسي أوحد يوزع الريع. في السابق كان حزب التجمع الدستوري هو من يفعل ذلك، الآن هنالك شبكة كبيرة من الوسطاء تتقاطع مصالحهم وتتضارب في الآن ذاته وهو ما يجد إنعكاساته في الأزمات السياسية المتتالية التي تعرفها البلاد. الخلل لا يتعلق بخلل في الديمقراطية التمثيلية فحسب مثلما يروج، لكن المسألة مرتبطة أيضا بترتيب الحدود بين الفاعلين الماليين المحليين والفاعلين السياسيين. فالثابت في تونس أن الديمقراطية صارت تُشترى من خلال التمويلات التي تتلقاها الأحزاب. وهنا تطرح مدى تمثيلية الفئات الشعبية المتضررة من الخيارات الإقتصادية المتوخاة منذ أكثر من ثلاثة عقود. إذ تفتقد هذه الفئات المفقرة إلى وعي مواطني يجنبها الوقوع في علاقة زبونية مع الأحزاب الشعبوية التي تستثمر قدراتها المالية من أجل شراء الأصوات الانتخابية[5].

أزمة الكورونا: معركة رأس المال من أجل مزيد التموقع

بعيد 14 جانفي إنخرطت تونس في منعطف ديمقراطي عرف توترات كثيرة ولم يؤدّّّ بشكل فعلي إلى ترتيب العلاقة بين الحقل السياسي والحقل الإقتصادي. بل إن الذي حدث هو تراجع تكتيكي من قبل عدد كبير من أصحاب الأعمال الذين كانوا ينظرون بعين الريبة لحركة النهضة الصاعدة للحكم. لكن هذه الأخيرة سارعت في تقديم تطمينات لهم بل إنها نجحت في استمالة جزء من النخب الاقتصادية الساحلية نحوها. كانت النهضة تريد أن تخوض معركة هوياتية مع القوى العلمانية في البلاد لكن مع المحافظة على قواعد إقتصاد السوق الليبيرالية حيث كانت كل تصريحات راشد الغنوشي تذهب في هذا الإتجاه. الإسلاميون أنفسهم كانوا يريدون أن يأخذو نصيبهم من الريع الذين يرون أنهم حرموا منه لسنوات طوال. وهذا الأمر لن يحدث من وجهة نظرهم إلا بفعل توافقات مع أصحاب الأعمال وهو ما تحقق فعلا عبر التوافق السياسي مع حزب نداء تونس.

هذا التوافق، وإن كان هشا، مكّن من تشكيل طبقة ليبرالية من المقاولين الإسلامويين الذين يشتغلون في مجال الخدمات السياحة ووكالات أسفار العمرة والحجّ علاوة على كل المستفيدين إقتصاديا من تموقع النهضة في المحور القطري التركي. فالإسلاميون لا يريدون فقط مهربي الجنوب إلى جانبهم. هم يريدون كذلك أن تكون لهم قاعدتهم الإقتصادية الليبرالية التي تستطيع أن تقدم تطمينات للقوى الخارجية بخصوص النموذج الليبرالي الاقتصادي في تونس.

على هذا النحو، تبدو الساحة المقاولاتية مليئة بفاعلين متعددين تتضارب مصالحهم ومواقعهم في الحقل الإقتصادي. وإن كان إتحاد الأعراف يعمل جاهدا على توحيد الشق المهيكل والرسمي، إلا أنهم يقفون على أرضية مشتركة مقاومة لتغيير النموذج الإقتصادي في إتجاه مزيد من الشفافية وإصلاح الإدارة والعدالة الجبائية. فالخطر الذي يتهدد البرجوازيات الرثة التي تشكلت على مدى أربعين سنة من الليبرالية هو إستعادة الدولة الراعية القوية والعادلة. هذا أمر سيجعل المعركة بعد أزمة الكورونا أكثر صعوبة بالنسبة للقوى الاجتماعية في تونس التي لازالت تعاني بعد عشر سنوات من الثورة الكثير من الوهن والضعف والتفكك. خسارة المعركة الإجتماعية في مرحلة ما بعد الكروونا لن يكون سوى مقدمة لتنفّذ الشعبوية مع استقواء الدولة الأمنية التي بدأت تستعيد أنفاسها القديمة ولكن هذه المرة عبر تكنولوجيا المعلومات والرقابة عن بعد.  

  • نشر هذا المقال في الملحق الخاص بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة الملحق اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورونا غزوة مرعبة بأسئلة كثيرة

  •  لقراءة العدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة


[1] برنامج تونس اليوم- قناة الحوار التونسي – حلقة 20 مارس 2020

[2] وفق وزارة المالية، بلغت الديون الجبائية سنة 2018 1000 مليون دينار

[3] مجموعة الأزمات الدولية ”الإنتقال المعطل في تونس: فساد مالي و نعرات جهوية” تقرير الشرق الأوسط رقم 177ماي 2017

[4] Camau Michel « Introduction : Changements politiques et problématiques du changement », l’Annuaire de l’Afrique du Nord, 1989, Tome XXVIII p, 7. 

[5] Cagé Julia “ le prix de la démocratie” Fayard, 2O18

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *