تونس تنجو من خسارة فادحة في قضية البنك الفرنسي التونسي


2023-12-23    |   

تونس تنجو من خسارة فادحة في قضية البنك الفرنسي التونسي

بتاريخ 22-12-2023، أصدر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار قراره التحكيمي النهائي المتعلق بتقدير ما يجب ان تدفعه الدولة التونسية بعنوان تعويض في القضية التي أثارتها المجموعة المالية العربية للتجارة والاستثمار  ABCI في شخص ممثلها القانوني ضدّ الدولة التونسية والمصطلح على تسميتها محليا بملفّ “بودن والبنك الفرنسي”. لم تتجاوز التعويضات التي حُكم بها باعتبار الأصل والفوائض المليون ومائة ألف دينار تونسي وهو مبلغ بسيط باعتبار الطلبات في النزاع والتي كانت في حدود ثلاثة مليارات دينار تونسي. وعليه، بإمكاننا القول أن الدولة التونسية تجنبّت خسارة فادحة في هذا النزاع الذي بدأتْ فصوله سنة 1989 وكان الكلّ يخشى من حكم فيه يؤدّي لإرهاق موازنتها.

أصل المنازعة

يعود الخلاف بين الدولة التونسية والمجموعة المالية العربية للتجارة والاستثمار ABCI إلى سنة 1985 حين أثارت الدولة التونسية مجموعة من القضايا الجزائية ضد ممثل الشركة في مجلس إدارة البنك الفرنسي التونسي المدعو عبد المجيد بودن بدعوى مخالفته قوانين الصرف وسوء استغلال النفوذ. وقد انتهت لأن فرضت على الجهة المستثمرة كتعويض عن المخالفات التي عاينتها التنازل عن حصصها بالبنك والتي كانت في تقدر حينها بما يقارب 2،5 مليون دينار تونسي لفائدتها. أمر نازع فيه المستثمر وممثله سنة 1989 برفع دعوى تحكيمية امام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.

وقد تمسكت الدولة التونسية في مرحلة أولى بعدم اختصاص المحكمة التحكيمية بنظر خلافها مع خصميْها قبل أن يصدر قرار بمقبولية الدعوى لتنتقل إذّاك للدفع بانتفاء الخطأ قبل أن تغيّر حكومتها موقفها جزئيا بعد الثورة وفي ملابسات اكتنفها كثير من الغموض.

تونس الرسمية أقرّت بخطأ منازع فيه

بعد الثورة، وفي إطار تنفيذ مرسوم العفو التشريعي العامّ، وبسعي من وزير أملاك الدولة وفي مخالفة لموقف وزارة العدل، اعترفتْ الدولة التونسية لممثل المجموعة المالية مواطنها بودن بكونه كان ضحية لمحاكمة سياسية. تعزّز لاحقا هذا الاعتراف بقرار صدر عن محكمة التعقيب التونسية في سنة 2012 أكد بالاستناد لقرار العفو التشريعي بطلان الأحكام التي صدرتْ في حقّ ذات الطرف لمخالفتها قواعد المحاكمة العادلة. وقد انتهى هذا المسار بأن تضمّن التقرير النهائي لعمل هيئة الحقيقة والكرامة اعترافا جديدا بتعدّي الدولة وبصفة الضحية لخصمها. هذه الوثائق تمّ استخدامها في النزاع لإثبات مسؤوليّة الدولة التونسية، الأمر الذي طرح السؤال حول التعويضات الضخمة التي ستتكبدها تونس إن لم تذعن للصّلح.

خوف كبير من تعويضات ضخمة.. تبدد

خلال النزاع، تمسّك ممثّلو الإدارة التّونسية بصلابة موقفهم القانوني قبل العفو التشريعي. في المقابل، الذين تحمّسوا لبودن من السياسيين دفعوا لعقد صلح مع بودن ينهي الخصومة ويُنقص في مقدار الضرر. وقد  حاولت  كل الحكومات ذلك ولكن الطلبات الضخمة لخصميْها التي لا قدرة لها على توفير مواردها اضطرّتها لأن تذعن لطلب مؤسّسة المكلف العام بنزاعات الدولة مواصلة التداعي.

وبعدما أكّدت الهيئة التحكيمية مسؤولية الدولة التونسية، حاولت “نزاعات الدولة” انتداب مكتب محاماة تونسي ليكون ممثلها في طور تحديد قيمة التعويضات لكنها لم تفلح لرفض من طلبت منهم ذلك على اعتبار أن الملف حُسم أمره فاضطرت  لمواصلة التعويل على محاميها الأجنبيّ. وهنا وخلافا لما توقع الجميع صدر أخيرا الحكم النهائي في النزاع الذي لا وجه للطعن فيه بتعويضات رمزية للمدّعيين تقل بشكل كبير عن كل التوقعات السابقة.

ويبدو هذا القرار حدثا هاما لكونه ينهي مخاوف من آثار مالية لنزاع استمرّ لوقت طويل، ولأنه زيادة على ذلك قد بفرض بشكل أو بآخر إعادة كتابة تاريخ ملف البنك الفرنسي بتونس بما يتبيّن من تقدير التعويضات ضمنا من اعتراف بعدم جسامة خطأ الدولة، خلافا لما ساد من خطاب طيلة مسارالعدالة الانتقالية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مصارف ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية