تنقيح قانون الصلح الجزائي (2): على هامش القانون … والمؤسسات


2024-02-12    |   

تنقيح قانون الصلح الجزائي (2): على هامش القانون … والمؤسسات
رسم عثمان سلمي

تناولنا في الحلقة الأولى من هذا المقال الأسباب المعلنة لتنقيح مرسوم الصلح الجزائي وبيّنّا أهميّة ما تمّ عند استعراضها من اعتراف بفشل المؤسسة. كما تعرّضنا لظاهرتيْ الخطأ في التشريع وإصلاح الأخطاء وقد تواترت في تشريعات ما بعد 25 جويلية. وفي هذه الحلقة، سنبحث في المؤسسات والآليات التي انبنى عليها التنقيح والتي يظهر التدقيق فيها أنّها آليات هيمنة ليس لها أساس في النظام القانوني. ومن البيّن أن مرسوم الصلح الجزائي وتنقيحه يشكل نافذة تمكننا من فهم خلفيات مشرّع الجمهورية من خلال عمله وتوجهاته (المحرر). 

متى صدر، استحدث مرسوم الصلح الجزائي هيئة وطنية ألحقها برئاسة الجمهورية وأسند لها ولاية كاملة على مسار نظر الصلح. فهي من تتعهد بملفاته سواء بمبادرة تلقائية منها أو بطلب من المعنيين بها وهي من تدرس وتستقرئ المعطيات اللازمة للبتّ فيها ومن تعرض على معاقدها مشروع الصلح ومن تصادق عليه كما أنها من تشرف على تنفيذه. غير أنه خلافا لصريح النص القانوني، كشفت  زيارات رئيس الجمهورية المتكررة لمقرها وخصوصا منها تلك التي تمت بتاريخ 08-09-2023 عن ممارسته رقابة على عملها من خارج القانون دليلها التجاؤه في حالة أشار إليها في كلمته بذلك التاريخ لإيقاف تنفيذ اتفاق صلح أبرمته اللجنة بعد أن اعتبر أن ما عرض كتعويض لا يفي بالحاجة.[1] وبدا واضحا من حينها أنه فقد الثقة في قدرة اللجنة على الوصول للقرارات التي يُرِيدُها منها. وربما كان ذلك ما دفعه لتحجيم دورها وإدخال لاعبين جدد في مجال كان حكرا عليها.

حصر مجال تدخل لجنة الصلح الجرائي

وعليه، حصر التنقيح مجال تدخّل لجنة الصلح الجزائي في التعهّد بالملفّات ودراستها ونقاش مشروع الصلح مع المطالب بالأداء، أي في ثلاث محطات:
 – أولها: “الدراسة الشكلية لمطلب الصلح وتقدير الأموال المستولى عليها أو المنفعة الحاصلة أو الضرر الحاصل للمجموعة الوطنية تضاف له نسبة العشرة بالمائة”. وفي سياق مقارنة مع النص الأصلي، نلاحظ أنّ التعديل لم يغيّر شيئا فيما هو مطلوب من اللجنة ولكنه تدخّل ليغيّر الجهة المتضررة من الفساد لتصبح المجموعة الوطنية بعدما كانت الهياكل العمومية. لم يبيّن شرح الأسباب والنقاش حول المشروع علة هذا التدخل ولكن نقدر أن مرده كون القول بأن الهياكل العمومية من تضررت من الاستيلاءات أو الفساد موضوع مطلب الصلح كان يفرض الإقرار بحقها في تحصيل التعويض وهو ما لا يهدف له المرسوم فكان التنقيح وسيلة لمنع كل خطاب عن كونها صاحبة الحق.

– ثانيها “القيام بالأعمال الاستقرائية بالتعاون مع الجهات المعنية وما يقتضيه ذلك من طلب وثائق ومعطيات لدى المصالح الإدارية والمؤسسات البنكية والمالية أو أي جهة أخرى وإجراء الاختبارات اللازمة”. ويلاحظ هنا أن التنقيح أدى هنا إلى حذف كل إشارة للقضاء وأعماله ومسّ بحقوق طالب الصلح في منازعة أعمال الخبرة. ففي حين كان المرسوم في صيغته الأصلية يربط تقدير اللجنة للضرر “بما ثبت لديها بموجب الأحكام الصادرة ولو لم يتصل بها القضاء وعلى كل الوثائق والاختبارات المأذون بها قضائيا بمناسبة الأفعال والوقائع موضوع مطلب الصلح”. كما كان يسند للوكيل العام لدى محكمة التعقيب صلاحية إخطار النيابات العمومية بالمحاكم بما يصله من مقررات صلح لترتب على ذلك الأثر القانوني. وفي صعيد متصل كانت محكمة المحاسبات مطالبة بإجراء رقابة على وجه التصرف في عائدات الصلح. بعد التعديل، حُذِفت الإشارة لأعمال القضاء في تقدير الضرر كما استبدل الوكيل العام لدى محكمة التعقيب بوزيرة العدل وألغي الدور الرقابي لمحكمة المحاسبات. وقد بررت وزيرة العدل في نقاش المشروع الحذف الأخير بتعدد الهيئات الرقابية والحاجة لتدخلها جميعها. كما اعتبرت أن صفتها كرئيسة للنيابة العمومية يجعلها المؤهلة لممارسة ناجعة لصلاحية التنسيق مع النيابات الأخرى ولكنها لم تسأل عما زاد عنها ولم توضح علته، بما يفرض البحث عنها في خطب سعيد في الموضوع باعتباره واضع النص ومعدله. وفيها نجد أنه كان دائم الانتقاد عمل القضاء على ملفات الفساد وينسب له بانتظام الإفراط في الإجراءات وبطء العمل ومجاراة المتهمين في طلب الاختبارات التي تنتهي للتقليص في تقدير ما استولوا عليه حقيقة. ويصح بالاستناد لهذه المواقف أن يكون  حذف الاستناد للقضايا الجارية في تقدير الضرر الهدف منه منع أي احتجاج من المطلوبين بتقديرات الخبرة القضائية أو بالاستقراءات فيما تعلق بالاستيلاءات وقيمتها وذات الغاية يهدف لها حذف ما كان من تدقيق لحقوق المصالحين أمام اللجنة.

– ثالثها: تقدير التعويض: سدم باب المنازعة: ينص المرسوم في صيغته القديمة على أن لجنة الصلح تتفاوض مع طالب الصلح “حول قيمة المبالغ المالية الواجب دفعها ” لإبرام الصلح. ويوحي ذلك بإمكانية نقاش المبالغ المستحقة. والحال أن ذات النص يرسي قاعدة تقدير لا اجتهاد فيها تفرض أن يكون المطلوب دفعه مساويا “للمبلغ المالي المستولى عليه أو قيمة المنفعة المتحصل عليها أو مقدار الضرر الذي طال المال العام مثلما تم تحديده من قبل اللجنة تضاف إليه نسبة 10%عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك” مع منح سلطة تقديرية للجنة في تحديد قيمة الضرر يكون لها الاستعانة فيها بالخبرة الفنّية وللمطلوب حقّ الطعن في نتائج الاختبار وطلب إعادته.

أما في صيغته الجديدة، فقد حافظ القانون على ذات قواعد احتساب التعويض. فيما ربط الالتجاء للاختبار الفني بالحاجة لذلك وحذف أيّ إشارة لحق المطالب بالاعتراض على التقديرات وحصر ما يمكن نقاشه في صيغ الخلاص أي تعجيل دفع التعويض او التمتع بتسهيلات في الدفع.

ويستشفّ من هذا، أن من صاغ التنقيح حدّد كأولوية له تحقيق سرعة أكبر في نظر ملفات الصلح. وانتهى لكون المسّ بحقوق المطالب بالدفع هو السبيل لذلك. وهو الموقف الذي عبرت عنه من دون مواربة وزيرة العدل متى ردت في الجلسة العامة مقترحات تعديل تقدّم بها عدد من النواب كانت تهدف لضمان حقوق الأفراد المعنيين بالصلح بعلة أن فيها “تطويل لإجراءات الصلح الجزائي” وأنهم لم يذهبوا “لإثبات فساد لكي لا يطول الأمر”.

في هذا ووفقا للتنقيح الجديد، سحبت الصلاحيات التقريرية من اللجنة كما تمّ نزع ما كان يبدو من طبيعة شبه قضائية لها لتكون في منتهاها جهة إعداد ملفات تحيلها لرئيس الجمهورية في آجال مضبوطة لا تتجاوز الأربعة أشهر وهو من يعهد بها لاعبين جددا فرضهم في ساحة صلحه.

فرض لاعب جديد: مجلس الأمن القومي

كما سبق بيانه، سحب التنقيح صلاحيّة مراقبة تنفيذ عقود الصلح وإنجاز مشاريعها من اللجنة ليسنده لمؤسسة المكلف العامّ بنزاعات الدولة. وينسجم الاختيار الجديد مع تحديد لمدة عمل اللجنة وما يترتب عنه من عدم إمكانية اضطلاعها بهذا الدور الذي قد يستغرق مدد زمنية مطولة وخصوصا متى تعلق بعقود صلح تتضمن التزامات بإنجاز مشاريع.

وفي ذات إطار إعادة توزيع الاختصاصات، أسند التنقيح صلاحية البت في مشروع الصلح المحرر من لجنة الصلح “بالإقرار أو الرفض أو الترفيع في المبالغ المالية الواجب دفعها أو تعديل المشروع أو المشاريع المستوجب إنجازها”[2] لمجلس الأمن القومي. هذا الأمر يفرض السؤال عن الطبيعة التعاقدية للصّلح في صورة تعديل بنود المشروع الاتّفاقي طالما أن ذلك يتمّ من دون استشارة المعاقد المطالب الإمضاء عليه في أجل مضبوط.

وبمراجعة الأمر الحكومي عدد 70 لسنة 2017 الذي استحدث مجلس الأمن القوميّ ونظّم عمله وحدّد اختصاصه، نلحظ أنه نصّ صراحةً في مراجعه لدستور 2014 وقواعد توزيع الاختصاص لصلاحيات كل من رئيسي الجمهورية والحكومة. وتطرح هذه الملاحظة القانونية التنظيمية السؤال حول الوجود القانوني الحالي للمؤسسة المذكورة وإمكانية انعقادها من عدمه. ونظرا لكون الأمر الواقع يؤكّد تواصل عمل المجلس من دون اهتمام بإجراءات تركيزه والسؤال القانوني حولها، وجُبت الإشارة إلى أن  مجلس الأمن القومي وفقا للفصل الأول من الأمر 70/2017 ملحق برئاسة الجمهورية الذي يرأسه ويدعو لاجتماعاته ويضبط جدول أعماله ويحدد قائمة من يحضرها وهو من “يسهر على حماية المصالح الحيوية للدولة في إطار تصور استراتيجي يهدف إلى صون سيادة الدولة واستقلالها وضمان وحدة ترابها وسلامة شعبها وحماية ثرواتها الطبيعية.” وذلك بالتداول في كل ما يتعلق “بالسياسات العامة فيما يتعلق بالأمن القومي، الخيارات الوطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف وتقييم التهديدات الداخلية والخارجية وتوجيه السياسات الخارجية”.

وهو ما يستنتج منه أنه مؤسسة تنسجم مع الجمهورية الثانية وتوازن السلطة داخلها مخصصة للتداول والتشاور بين أصحاب القرار في الأمن القومي والعلاقات الخارجية ومساعديهم من كبار القادة العسكريين والأمنيين ومسؤولي الاستعلامات، الأمر الذي يفرض التساؤل عن علاقته بتقدير ما يطلب من تعويضات وبتقييم مشاريع تنموية و بإمضاء عقود صلح وقتية و نهائية.

في جواب رسمي عن جملة هذه التساؤلات قدم في سياق مناقشة المشروع، اعتبرت وزارة العدل الصلح الجزائي من الأمن القومي ويندرج بالتالي في صلاحيات المجلس. كما استندت لحق رئيس الجمهورية في ضبط تركيبته لتعتبر أن بإمكانه أن يتألّف عند نظره في ملفات الصلح من مختصّين قادرين على النظر في مثل هذه المسائل. كما أكد عدد من النواب أن ترؤس الرئيس له يجعله محلّ ثقة للقيام بمثل هذه المهام. وعليه، اقترح هؤلاء أن ينص التنقيح على عدم قابلية قرارات مجلس الامن القومي للطعن بأي وسيلة دعما له وكان لهم ذلك .

بمعزل عن معقولية التفسير من عدمه، يظهر المجلس واقعا واجهة متداعية قانونا وهيكليا لرئيسه الذي سيستفيد من عدم نشر أعماله ومن سرية وثائقه  ليمارس فعليا سلطة القرار صلبه بحثا عن نجاعة لمشروعه تحققها وسائل الضغط التي فرضها التنقيح والتي تبدو بدورها إشكالية.

وصفة الإصلاح: ابتداع وسائل ضغط جديدة

لَمَّا اتّضح فشل الصلح الجزائي في تحقيق ما رسم له من أهداف على مستوى عائداته، نبّه عديدون إلى كون قاعدة احتساب التعويض تثقل كاهل من يطالب به ويصعب تنفيذها على من كان ينتظر أن ينخرطوا في مساره ممن توّرطوا في قضايا استيلاء على المال العام أو ملك الدولة العامّ أو الخاصّ والرشوة أو نسبت لهم جرائم ديوانية او جبائية او مخالفات لتراتيب الصرف والسوق المالية والمؤسسات المالية قبل 20-03-2023 [3]. وكان يعتقد بالتالي أن يعتمد الإصلاح مرونة أكبر تأخذ بعين الاعتبار الأزمة الاقتصادية في القدرة على تقديم عروض الصلح وذلك بالتنازل عن شرط الفائض السنوي التراكمي أو على الأقل جعله خاضعا للسلطة التقديرية لجهة القرار.

خلافا لذلك، لم تقبل جهة المبادرة التشريعية أيّ نقاش في تلك المسائل وقدّمت وصفتها لعلاج الإشكال والتي تمثلت في فرض وسائل ضغط على المعنيين بالصلح لم يكن يتضمّنها المرسوم سابقا منها ما تعلق بالصلح الوقتي ومنها ما  كان جزاء للإخلال بالصلح أو الفشل في تنفيذه.

الإجراءات الاحترازية: سؤال عن الإقامة الجبرية 

أجاز المرسوم في نصّه الأصلي للجنة الصلح إبرام اتفاق صلح وقتي مع المعنيين بشرط تأمينهم ل 50% من قيمة ما تم التصالح حوله ورتًّب على ذلك “إيقاف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب “بعد “اتخاذ التدابير “التي وصفها “بالضروريّة “وذكر منها ” تحجير السفر” [4] .

بعد التنقيح، ترك المشرّع للجنة الصّلح صلاحية تحرير عقد صلح وقتي مع من يطلب ذلك بذات الشروط. وأسند لمجلس الأمن القومي صلاحيّة البتّ فيه وإمكانيّة تغيير شروطه أو المشاريع المقترحة فيه. كما أسند للمكلف العام بنزاعات الدولة صلاحية إعلام المعني بذلك وتلقّي إمضائه ومعاينة تأمينه للمبلغ المالي قبل أن يوجه الملف لوزيرة العدل التي تطالب النيابات العامة بإيقاف الإجراءات الجزائية مؤقتا مع اتخاذ إجراءات احترازية منها تحجير السفر والإقامة الجبرية. ويبدو من الواضح أن القضاء واستنادا للقانون المتعلق بجوازات السفر وتحديدا للفصل 15 منه سيكون المختص في تحاجير السفر بما يفترض انتظار ما سيقرره من ضوابط له. فيما تكون الإقامة الجبرية هي موضع السؤال. فالإجراء المذكور والذي يتمثل في منع الخاضع له من مغادرة محلّ إقامة يحدد له قد يكون مسكنه أو غيره بمقتضى مقرّر إداري يصدر عن وزير الداخلية ولم ينظمه القانون ولا يجد سندا له إلا في الأمر عدد 50 لسنة 1978 المتعلق بحالة الطوارئ وهو ما يطرح إشكاليتين هامتين أولهما أي علاقة للصلح الجزائي بحالة الطوارئ وثانيهما شرعية استعمال الإقامة الجبرية المفروضة بموجب أمر رئاسي  في ظل دستور 2022 والذي ينص في الفصل 30 منه على الحق في التنقل ويمنع في الفصل 55 منه كل حد من الحريات لا يرد بقانون ولا يكون لضرورة قيم مجتمع ديموقراطي [5].ونقدر لما ذكر أن إقحام هذا التدبير لم يكن مدروسا وكان الهدف منه إبراز صرامة مع من يخضعون للصلح  تتكرر في مواجهة من يتهمون لاحقا منهم  بالفرار

تدابير عقابية  جديدة: صرامة من خارج القانون

يرتب الفصل 37 من المرسوم في صيغته الأصلية على تعذّر إتمام الصلح النهائي أو عدم تنفيذه في الأجل المحدد استئناف إجراءات التتّبع الجزائي أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. وفيما يظهر كسعي لإبراز صرامة أكبر تجاه من يفشل السعي لمصالحتهم، يعدّل التنقيح العقاب المفروض ليصبح في حالة الفرار  “مصادرة أملاك المنتفع بالصلح الوقتي وكل الأموال والمكاسب التي انتقلت منه بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى أصوله أو فروعه أو أخوته أو أصهاره وكل من ثبت انتفاعه بهدف التهريب أو الابتزاز سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى”. وهنا أيضا، لم يبيّن التنقيح الجهة التي تقرّر المصادرة وإجراءاتها، واكتفى بربط الجزاء الذي فرضه “بفرار” المنتفع بالصلح الوقتي وهو ما يستدعي سؤالا إجرائيا حول من سينطق بالمصادرة وما المقصود بالفرار.

وبمراجعة القانون التونسي يتبين أن المصادرة كمؤسسة هي نوعان:

  • مصادرة وردت في المرسوم عدد 13 لسنة 2011 [6] المتعلق باسترداد الأموال المنهوبة وهي إدارية؛ وهي المصادرة التي تتولاها مؤسسة استحدثها هذا المرسوم تحت مسمى لجنة المصادرة. وتتعلق هذه المصادرة بالأشخاص الطبيعيين فقط خلافا للمصادرة المنصوص عليها في التنقيح والتي تشمل أيضا الأشخاص المعنويين. وهي لا تتسلّط إلا على أشخاص محددين هم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأرملته ليلى الطرابلسي وقائمة تضمّ 112 شخصا لهم علاقة بهما علاوة على كل من حصّل أموالا جراء استعمال نفوذه، فيما قد تشمل المصادرة الجديدة هؤلاء ولكنها تمتدّ لتتعلّق بغيرهم وهم  كل من نسبت لهم جرائم المال العام والاعتداء ملك على الدولة العام والخاص والرشوة وغسيل الأموال والجباية والديوانة والصرف والسوق المالية والمؤسسات المالية [7] التي ارتكبت قبل 20-03-2022. وهي أي المصادرة الإدارية لا تشمل الأموال التي اكتسبت قبل 07-11-1987 تاريخ وصول بن علي لسدّة الرئاسة ولا تلك التي آلت لأصحابها بموجب الإرث وتقتصر على الأموال التي ثبت فساد مصدرها في اختلاف مع قواعد المصادرة الجديدة التي تتعلق بكامل أموال من ستشملُه من دون سؤال عن مصدرها. ومن البين على ضوء ذلك على أن المصادرة المقصودة في تنقيح مرسوم الصلح الجزائي تتمايز عن المصادرة التي تدخل ضمن ولاية لجنة المصادرة المستحدثة بموجب المرسوم 13/2011.
  • أما النوع الثاني من المصادرة المنصوص عليها في القوانين المعمول بها في تونس فهي المصادرة القضائية التي نصّ عليها الفصل 5 من مجلة الإجراءات الجزائية. إلا أن هذا النوع من المصادرة يتمايز أيضا عن المصادرة الجديدة الواردة في التنقيح وذلك من زاويتين على الأقلّ: (1) إنّ المصادرة الجزائيّة تصنّف في سلّم العقوبات كعقوبةٍ تكميليّة يشترط القانون أن يكون منصوصا عليها في النص التجريميّ سند التتّبع، في حين أنّ المصادرة الجديدة هي تدبير يترتّب على “الفرار” الذي يعقب اتفاقية صلح وهو فعل لم يصدر قانون يجرمه. و(2) إنّ المصادرة الجزائية تعدّ عقوبة تخضع لمبدأ شخصيّة الملاحقة والتتبّع، فيما المصادرة الجديدة تمتد لتشمل الغير ممّن لم يكن موضوع اتهام.

وعليه، من البيّن أن التنقيح ابتدع نوعا جديدا من المصادرة مجرّدا من أيّ سند إجرائيّ أو آليات لإنفاذِها. يضاف إلى ذلك أنّ التنقيح خلا من أيِّ تعريف ل “حالة الفرار” التي تعدّ شرطا للمصادرة. جلّ ما نلقاه في هذا الشأن هو جواب وزيرة العدل عن السؤال حول معنى الفرار في الجلسة العامة لمجلس النواب والذي شمل “عدم تنفيذ المنتفع الصلح الوقتيّ ونكون في حالة تعذر لاستئناف التتبعات” وهو تعريف ليس له طبعا قوة القانون.

وعليه، كان واضحا أن المؤسسات التي أقحمها التنقيح في المرسوم كإصلاح له قد تؤدي لخروقات للقانون او تعطيل لنفاذه. هي ظواهر تجتر إشكاليات المرسوم وتعيدنا للمنطلق إذ أنها تدفعنا لإعادة طرح السؤال الذي انطلقنا منه في هذا المقال عن أزمة صناعة التشريع في تونس ما بعد 25 جويلية 2021.   

[1]  في الدقيقة الأولى من الفيديو الذي بثته التلفزة الوطنية للزيارة يتحدث الرئيس عن عقد صلح تم إيقاف تنفيذه لان مبلغ الصلح بسيط

[2]  فصل 26  جديد

[3]  خلافا لما يوحي به الخطاب حول الصلح الجزائي هو لا يتعلق بالفساد الذي ينسب لمن استعملوا السلطة للإثراء وإنما يشمل كل الجرائم المالية والاقتصادية والجزائية التي ينظر لمن يتهم بها بكونه مليئا أي قادرا على دفع تعويض مالي يستبدل العقوبة التي كانت تواجهه بصلح  يطهر وضعيته القانونية كما ورد حرفيا في الفصل 5 منه.

[4]  الفصل 25 من المرسوم صيغته الاصلية

[5]  في الحكم  عدد 150168 بتاريخ 2 جويلية 2018 اعتبرت  المحكمة الإدارية  أنه  “يغدو استناد جهة الإدارة على نصوص ترتيبية على (غرار الأمر عدد 50 لسنة 1978) لتأسيس صلاحياتها في ضبط حرية التنقل واختيار المقرّ والحدّ منها دون وجود نصوص تشريعيّة تحدّد تلك الضوابط وشروط أعمالها مخالفا للدستور”

[6]  المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرّخ في 2011/03/14 والذي تمّ تنقيحه وإتمامه بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرّخ في 31 ماي 2011.

[7]  الفصل 6 من المرسوم

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، مرسوم ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكم جزائية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية