“تمّ حفظ المحضر”: عن التحقيق في قضايا العنف الجنسي ضدّ النساء في مصر


2021-01-03    |   

“تمّ حفظ المحضر”: عن التحقيق في قضايا العنف الجنسي ضدّ النساء في مصر

أعلنت الدولة المصرية ضمن إنجازاتها في التقرير الوطني لمؤتمر بكين (2014) أنّها “تتيح لأيّ امرأة مصرية الإبلاغ عن أيّ ممارسة تمييزيّة تتعرّض لها”، لكنّها لم تُشِر إلى أنّ استخدام المرأة للإبلاغ يعني دخولها في “مسيرة عراقيل تبدأ من الشرطة وتكمّل معانا في مراحل التقاضي”، بحسب ما تقول المحامية عزيزة الطويل لـ”المفكرة القانونية”.[1] واكتفت الدولة في تقريرها المرفوع إلى الأمم المتحدة، بإلقاء مسؤولية عدم الإبلاغ وحتّى وقوع العنف نفسه على انعدام وعي المرأة لحقوقها.

في المقالة السابقة، تطرّقنا إلى تقاعس بعض أفراد الشرطة عن تحرير محاضر العنف ضدّ المرأة؛ ممّا يترتّب عليه عجز المعنَّفات عن حماية أنفسهنّ ومعاقبة الجاني. ولكنّ الصعوبات لا تتوقف عند هذه المرحلة، بل تمتد لتصاحب الضحية أمام النيابة العامّة والمحكمة. وتواصل هذه المقالة البحث عن فاعليّة آليّات التبليغ الحاليّة في قضايا العنف ضدّ المرأة، مع التركيز هنا على مرحلة التحقيق.

 أمام النيابة العامّة: عن عبء الإثبات

على الرّغم من أشكال التقاعس ومستوياته التي رصدتها المقالة السابقة، تنجح بعض النساء الضحايا في تحرير المحضر، مثل ميرنا ووالدتها وشقيقاتها الثلاث، اللاتي بدأن بفعل هذا النجاح، التفكير في مفاعيل التشكّي من أب يضربهنّ ويسبّهنّ ويتحرّش بهنّ جنسياً. أُحيل المحضر إلى النيابة حيث واجَهْنَ “ترفّع وعدم اهتمام وكيل النيابة” بحسب ميرنا والذي رفض سماع تفاصيل تعدّيات الأب على بناته مقاطعاً “بس بس بس خلاص”. ردّت ميرنا متعجّبةً “بس بس إيه، هو حضرتك اتكسفت من اللي قولته… لمّا دي النيابة اللي مفروض تسمع وتقرّر هتعمل إيه في الشكوى بتسكّتنا، مفروض أقول ده فين؟” سمع “كلمتين منّنا وكلمتين من ماما، ويلّا شكراً اتفضّلوا”.[2]

وبدأت مرحلة جديدة من الانتظار لمستجدّات التحرّي عن الأب أو مساءلته، تمهيداً للقبض عليه أو اتّخاذ أيّ إجراء رسمي تجاهه، في حين لا يزلن يُقِمن في منزل واحد معه. بعد أكثر من عامين ونصف، لم يحدث أيُّ شيء، اللّهمّ إلّا قدوم مُخبر للسؤال عنه، لكنّه لم يكن موجوداً آنذاك. طلبت ميرنا مؤخّراً، من محامي السؤال عن مصير المحضر في النيابة، فأبلغها أنّه حُفظ.

يمثّل عبء الإثبات أكبر حاجز في قضايا العنف حسب الشاكيات والمدافعين/ات عنهنّ، كما تقول المحامية هالة دومة في اتصال مع “المفكرة”،[3] بالإضافة إلى انعدام الاهتمام بالبحث عن أدلّة وصولاً إلى قيام جهة التحقيق بتقويض أدلّة الشاكيات والطرق المُحتمَلة لإثبات حقوقهنّ. على سبيل المثال، إذا كان لدى الشاكية شهود، لا يتمّ استدعاؤهم، ما يؤدّي إلى حفظ المحضر في النيابة، بحجّة عدم وجود أدلّة أو عدم كفايتها. يطابق ذلك ما حدث مع ميرنا. ففي حين كان صوت اعتداءات الأب اللفظية والبدنية، يبلغ مسامع الجيران، لم تستدع النيابة أيّاً منهم، وهي لم تسأل عن وجودهم أصلاً. تُوضِح عزيزة الطويل أنّه حتى في حال تكفّلت الشاكية بكلّ ذلك قد لا تقتنع جهات التحقيق بالأدلّة وتحفظ المحضر، وهذا ما تكرّر معها أحياناً كثيرة. ترفض عزيزة الطويل منطق “البيّنة على من ادّعى” في التعامل مع بلاغات العنف وتصفه بـ “الإجحاف”، لخصوصيّة هذه الوقائع التي غالباً ما تحدث في أماكن مغلقة، مثل وقائع اعتداء أطبّاء على مرضاهم جنسياً داخل غرفة الكشف. وترى أنّ تحميل النساء الساعيات للإبلاغ عبء القيام بكافّة الأدوار من دون مراعاة قدراتهنّ وخصوصيّة الجرائم المرتكبة بحقّهنّ هو بمثابة إلغاء لمؤسّسات الشرطة والنيابة التي تستطيع أن تثبت بما لديها من صلاحيّات وأدوات، صحّة الوقائع بدون صعوبة.

وترى عزيزة الطويل أنّ تضافر الجهود بين المؤسّسات الحكومية كافٍ للحصول على إثبات لا تملكه الشاكية، مثل واقعة تعود لعام 2013 استطاعت فيها الرقابة الإدارية إجراء تحرّيات عن أستاذ جامعي يتلقّى رشاوى جنسية مقابل منح الطالبات أسئلة الامتحانات، بينما لم يكن لدى بعض الفتيات اللاتي تقدّمن بشكوى في حقّه أدلّة ضدّه، ووقع عليه العقاب الإداري بالفصل من العمل.  على صعيد آخر، تشير عزيزة الطويل إلى الذكوريّة التي تحكم العمل في هذه القضايا. فتستشهد بواقعة تحرّش رفضت النيابة التحقيق فيها أو حتّى الاستماع إلى السيّدة لكنّها أحالت اشتباكاً نشب بين زوج المعتدى عليها والمتحرِّش إلى المحكمة، علماً أنّ الواقعة الثانية نتيجة لواقعة التحرّش الأولى. في تقديرها، ثمّة ذهنيّة غالبة في مؤسّسات الملاحقة والقضاء تبرّر أو تتسامح مع اعتداء الذكور على الإناث سواء جمعت بينهم علاقة من أيّ نوع أو لم يكن بينهم أيّ معرفة مطلقاً. ويدعم هذه الذهنيّة تدنّي نسبة تمثيل النساء في القضاء التي لا تتجاوز النصف في المئة. يتّفق معها مايكل نبيل المحامي في مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، ويضحك ساخراً “كان عندي قضيّة ستّ اتضربت من جوزها، لمّا راحت المحكمة، القاضي غرّمه 200 جنيه”.[4]

تروي مديرة برنامج العنف الأُسري في مؤسّسة المرأة الجديدة مي صالح حالة تحرّش جنسي توافر فيها شهود وتصوير بالكاميرا ودعم من أهالي الشاكية، وانتظار ساعات طويلة في النيابة لكنّ “وكيل النيابة استدعاهم وقالّهم سامع إنّكو عايزين تتنازلوا”. انفعل أهالي الشاكية “قاعدين كلّ ده وموفّرين كلّ الأدلّة وجايين النيابة عشان نتنازل، أومّال لو ناس معندهمش دليل؟!”[5]

اختلاف مستويات العنف يقابله تعدّد الإشكاليّات

إلى جانب ما ذُكر أعلاه، تواجه الضحية مشاكل تتعلّق بالقانون وتطبيقه. ففي قضايا التحرّش الجنسي على سبيل المثال، لم يَحُلْ وجود نصّ قانوني مجرِّم للفعل دون القصور في تطبيقه، أمّا العنف الأُسري، فلا يوجد حتى اللحظة في مصر نصٌّ خاصّ لتجريمه.

هناك إشكاليّات متعدّدة سواء في صياغة القانون أو في تطبيقه تؤدّي إلى هدر حقوق الكثير من الشاكيات في قضايا العنف. تختلف الإشكاليّات باختلاف نوع العنف وحيّز وقوعه وأطرافه وتتشابه في الاستهانة الجمعيّة بفكرة العنف القائم على النوع. حين تكون الخسارة الناتجة عن الواقعة أكبر من أن يتجاهلها القانون والمخوَّلون تطبيقه مثل الاغتصاب أو القتل، تأخذ العقبات التي تواجه الشاكية منحىً مختلفاً وِفقاً لخصوصيّة الواقعة ووضعها القانوني. تلحظ مي صالح صعوبة حصول الشاكيات من العنف الأُسري على حقوقهنّ، لأسباب عدّة، من أهمّها عدم تجريم القانون لهذا النوع من العنف والامتناع عن تنفيذ قانون العقوبات العامّ على هذه الحالات؛ لكن هناك استثناء لـ”حالات القتل فما فوق، تعذيب شديد بعلامات قوية، دي بتبقى أسهل شويّا، بوجود شهود وتقارير طبية، وده أمر مش سهل طبعا”. كما ينسحب الاستثناء على قضايا الاغتصاب،[6] ولكن يتمّ إغفال الجانب النفسي للضحيّة.

“القانون معندوش حاجة اسمها نفسيّة”

يشرح المحامي المتخصّص في قضايا العنف ضدّ النساء عبد الرحمن مجدي “اللي بيحصل إنّ في قضايا العنف الجنسي، بالذات الاغتصاب، البنت بتكون مضطرّة تفضل بنفس حالتها لحظة الاعتداء من غير استحمام أو تغيير ملابسها كام يوم. في مكان واحد في مصر هو اللي بيوقّع الكشف الطبي عليها وهو الطب الشرعي في زينهم الذي تُعرض عليه بأمرٍ من النيابة العامّة، لإثبات صحّة الواقعة، وبالتالي بتفضل بالحالة دي مع عدد ساعات تحقيق كبيرة جداً في حالة نفسيّة صعبة جدّاً يزيد من صعوبتها”.[7]

يعزو مجدي غياب الدعم النفسي وزيادة الضغط لأسباب عدّة منها إجراء طابور العرض ثلاث مرات، لاختيار المتّهم في مساحة لا تتجاوز مساحتها المتر المربّع الواحد. في حين يمكن القيام بذلك من وراء حاجز زجاجي كما يحدث في دول عديدة لتخفيف هذا الأذى. لا سيّما في ظلّ مطالَبَتِها بالنظر إليه بدقّة وتكرار سؤالها للتأكّد من صحّة اختيارها للمتّهم ودقّة تفاصيل الواقعة المطلوب منها إعادتها مرّات ومرّات، من دون حصولها على فرصة لالتقاط أنفاسها أو الحصول على قدر من الراحة. تظلّ الشاكية محتفظة بهيئتها وحالتها منذ وقت التعدّي عليها من آثار للعنف سواء في صور جروح أو إصابات جسدية وكذلك كل ما يثبت الممارسة الجنسية لأن ذلك يعدّ برهاناً تحتاج إليه النيابة العامّة. يحدث كلّ ذلك، من دون الالتفات إلى الأثر النفسي على الضحيّة، “بس القانون معندوش حاجة اسمها نفسيّة” بتعبير مجدي.

يعتقد مجدي أنّ التركيز على التعامل الموضوعي مع الأدلّة المادّية، وتجاهل الوضع النفسي للشاكيات يولّد مشكلات نفسية كبيرة جدّاً لدى النساء ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي سواء كان جناية أم جنحة. ويرى أنّه لا بدّ أن يكون القانون وتنفيذه محكومَيْن بالرغبة في حماية هؤلاء النساء وليس مجرّد السعي إلى القبض على الجاني بدون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات تجاهل وضعهنّ النفسي الذي يُجبر كثيرات إلى التنازل خلال مراحل التحقيق، بسبب طول الأمد القضائي أو عدم قدرتهنّ على تحمّل المشقّة النفسية والعصبية لعمليّة التحقيق، في حين بالإمكان توفير بدائل وسبل تخفيفية.

تأتي زيادة نسب التمثيل النسائي في الجهات التي تتعامل مع الشاكيات، في مقدّمة سبل تخفيف العبء النفسي. ويقول عبد الرحمن، وتتفق معه هالة دومة، إنّ الغلبة العددية للذكور في هذه الجهات تمنع أحياناً الشاكيات من العنف الجنسي من سرد بعض التفاصيل المحرجة رغم أهميّتها في وصف الجريمة، فيضيع حقّها. في 2013، أعدّ المجلس القومي للمرأة مشروع قانون منع العنف ضدّ المرأة، تضمّن إنشاء وزارة الداخلية وحدةً لمكافحة العنف ضدّ المرأة في جميع أقسام الشرطة، لكنّ المشروع لم يُقَرّ إلى الآن.

 

المنهجيّة الغائبة

تكرّرت ملاحظة غياب المنهجيّة لدى مؤسّسات الدولة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء على لسان المحامين. ويشرح مجدي بأمنّ “المشكلة إنّ مفيش نهج ثابت في التعامل مع القضايا دي، خطاب مؤسّسات الدولة يحثّ على استقبال البلاغات، لكن اللي بيحصل إنّه في تعامل بيهزّ الشاكية”. وتطرّقت عزيزة الطويل إلى الأمر نفسه لدى مؤسّسة رسميّة أخرى، هي المجلس القومي للمرأة، قائلةً: “نُظِّمت في السابق حملات لمناهضة التحرّش على التلفزيون وعلى وسائل النقل وشارك فيها فنّانون وفنّانات لهم ولهنّ تأثير مجتمعي، لكن لم يعد لهذه الحملات أيّ أثر”، وتتساءل “ليه كلّ ده اتشال؟!” (في إشارة لوقف عرضه على التلفزيون وحذف المنشورات من الأماكن التي كانت فيها). وعلى أهمّيّة بثّ رسائل تعكس اهتمام الدولة بموضوع العنف وتحاصر المعنِّفين، تحتاج مناهضة العنف إلى ديمومة في جهود مكافحته والعمل على صياغة حلول من واقع جوانب القصور التشريعي والتنفيذي الذي تواجهه الشاكيات على اختلاف مواقعهنّ من قضايا العنف، واختلاف وضعيّة القضايا نفسها في القانون. وهذا ما سعى المدافعون/ات إلى التوصية بتداركه عبر أمور عدّة في مقدّمتها إقرار قانون موحّد لمناهضة العنف ضدّ النساء. كلّ ذلك مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات العمل الميداني لمنظّمات حقوق المرأة فيما يخصّ الإشكاليّات التي تواجه الشاكيات، مع العمل على إعادة هيكلة تصوّرات الأجيال المقبلة عن القيم الجندرية في التعليم والخطاب الديني وصورة المرأة في الإعلام وحملات التوعية، لتوفير بيئة داعمة لإصدار قوانين تصبّ في مصلحة النساء وحقوقهنّ.

[1]  اتّصال هاتفي، 28 نوفمبر 2020.

[2]  اتّصال هاتفي، سبتمبر 2020.

[3]  أجري الاتصال معها في 28 نوفمبر 2020.

[4]  اتّصال هاتفي، سبتمبر 2019.

[5]  مقابلة، 17 و18 نوفمبر 2020.

[6] يعدّ القانون المصري الاغتصاب جناية وهو “مواقعة أنثى بغير رضاها”، ما يعني الإيلاج من الأمام. أما الجنس الشرجي أو استخدام آلة حادّة للاغتصاب فيُعتبر مجرّد جنحة “هتك عرض”.

[7] اتّصال هاتفي، 29 نوفمبر 2020.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، تحقيقات ، تشريعات وقوانين ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، سياسات عامة ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية ، مصر



لتعليقاتكم