تمديد حالة الطوارئ في مصر: هل يكفي لمكافحة العنف والإرهاب؟


2013-09-17    |   

تمديد حالة الطوارئ في مصر: هل يكفي لمكافحة العنف والإرهاب؟

أصدر رئيس الجمهورية المستشار عدلي منصور قراراً جمهورياً بمد حالة الطوارئ لمدة شهرين اعتباراً من ١٣-٩-٢٠١٣. وقد أثار هذا التمديد جدلاً سياسياً وليس قانونياً، فانقسمت القوى السياسية بين مؤيد للتمديد ومعارض له. وكان أشد المعارضين جماعة الإخوان وحزبها السياسي، يليهم التيار السلفي. بينما رأى المؤيدون أن تمديد حالة الطوارئ فرضته الأوضاع الأمنية السائدة في البلاد بعد فض اعتصام جماعة الإخوان يوم ١٤-٨-٢٠١٣. وبين الجدل السياسي واليقين القانوني، فإن تساؤلاً يفرض نفسه: هل يكفي تمديد حالة الطوارئ كحل وحيد للقضاء على التوترات الأمنية، وماذا يكون الحل إذا انتهت مدة الشهرين من دون استقرار الأوضاع الأمنية.

أولاً: تمديد حالة الطوارئ بين المعارضة والتأييد:

أشد المعارضين لتمديد حالة الطوارئ هم جماعة الاخوان الذين يرفضونها لأنها تحد من نشاطهم وتقيد حريتهم في التظاهر وتفرض قيوداً على حرية حركتهم لما يقترن بحالة الطوارئ من حظر التجوال.

 كما عارض التيار السلفي ممثلاً في حزب النور تمديد حالة الطوارئ، وصرح رئيس الحزب الدكتور يونس مخيون أن القوانين العادية فيها الكفاية لمواجهة حوادث العنف ومحاسبة من يقوم بها، وأن القوانين الاستثنائية لن تنهي حالة العنف في البلاد، لكنها تنتهي بالمزيد من الحرية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وتحقيق العدل والمساواة بين المصريين وإرساء العدالة الاجتماعية. وأضاف أن تمديد حالة الطوارئ يبعث برسالة سلبية عن مصر للخارج، وهو ما يؤثر تأثيراً بالغاً على الاستثمار والنشاط الاقتصادي عموماً. وأكد مخيون على انه لا يمكن بناء أسس الدولة في المرحلة المقبلة من دستور واستعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية في ظل قوانين استثنائية وحصار أمنى، وان بناء المؤسسات وإرساء أسس الدولة لا يمكن أن يتم إلا في ظل أجواء طبيعية غير استثنائية حتى يكتب لها النجاح والبقاء.
و
رفضت أحزاب إسلامية أخرى تمديد حالة الطوارئ، منها حزب مصر القوية برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح -المرشح الرئاسي السابق-الذي رأى أن فرض حالة الطوارئ لن يحقق الأمن المزعوم، وان تمديدها لن يكون مجدياً في تحقيق الأمن. وأكد أن عودة الأمن تكون بإعلاء سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، والعودة السريعة للمسار المدني الديموقراطي الذي لا يقوض الحريات ويؤدي إلى اختيار الشعب لسلطته حتى يحاسب ويحاكم كل من أجرموا في حقه وحق هذا الوطن بدلاً من أن تحكمه سلطة معينة غير منشغلة بالشعب وآلامه وآماله.
ولم تقتصر معارضة تمديد الطوارئ على التيار الإسلامي وحده، بل امتدت المعارضة إلى قوى ثورية معتدلة. فقد أعلن تحالف ثوار مصر تحفظه على مد حالة الطوارئ رغم تفهمه لما تمر به البلاد من أخطار وتهديدات لجماعات متطرفة تسعى إلى تخريب البلاد. وطالب التحالف السلطات بإلغاء حالة الطوارئ وتطبيق القانون بكل حزم بدلاً من العودة إلى الطوارئ. وقال المنسق العام للتحالف والمتحدث باسمه أن إعلان استمرار الطوارئ يعطي رسالة سيئة عن مصر للمجتمع الخارجي، وهو ما يؤثر بالسلب على المجال السياحي والاقتصاد المصري ككل.

واعلن الدكتور تقادم الخطيب القيادي بالجمعية الوطنية للتغيير رفض الجمعية لقرار تمديد حالة الطوارئ، بدعوى أن القانون الطبيعي يكفي لمواجهة ما يجري من تطورات، مع الاكتفاء بفرض الطوارئ في سيناء بالنظر إلى الظروف الأمنية بها.
لكن قرار تمديد حالة الطوارئ لاقى تأييداً من بعض القوى السياسية والثورية، التي طالبت بتفعيل الطوارئ من أجل مواجهة الإرهاب، وحذرت من إساءة استخدام حالة الطوارئ ضد المخالفين في الرأي أو لتصفية الحسابات السياسية، مطالبةً بقصر استخدام تدابير الطوارئ على مواجهة العنف والإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح.

فقد أكد الأمين العام لحزب الجبهة الديموقراطية أن الحالة الراهنة في البلاد عقب وقوع التفجيرات الأخيرة تقتضي فرض حالة الطوارئ للسيطرة على الوضع الأمني و تحقيق الأمن والاستقرار للمواطنين، وأن قصر حالة الطوارئ على العمليات الإرهابية هو الضمان لعدم مدها إلى مجالات أخرى والمتضرر الوحيد منها هم الإرهابيون.

وصرح احد أعضاء المكتب التنفيذي لجبهة الإنقاذ أن الطوارئ أمر ضروري للظروف التي تمر بها البلاد حالياً ، وأن المواطنين يتفهمون قرار مد حالة الطوارئ ولن يضار منها إلا الإرهابيون فقط.

وبين المعارضين والمؤيدين توسطت طائفة من الذين يؤيدون تمديد حالة الطوارئ، لكن من دون إساءة استخدامها و قصر نطاقها على مواجهة الإرهاب والعنف الذي تحاول بعض الجماعات المتطرفة فرضه على البلاد، فلا مانع من التمديد مع التقييد.

فقد أكد المتحدث باسم شباب جبهة الإنقاذ تأييده لقرار مد العمل بقانون الطوارئ الذي فرضته الظروف التي تعيشها البلاد من تخريب وتدمير وانفجارات. وأوضح المتحدث أن هناك جماعات إرهابية مازالت تحاول إحراق البلاد ونشر الفوضى، وان مد العمل بالطوارئ مناسب لهذه المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر. واكد أن أي مجتمع حر يرفض الطوارئ، ولكننا نؤيد مد الطوارئ حتى تتم السيطرة على الأوضاع الأمنية وضبط جميع المتورطين في أحداث عنف، والقضاء على الخلايا الإرهابية التي ظهرت في الفترة الاخيرة. وطالب المتحدث بتطبيق الطوارئ على الإرهاب وفي أضيق الحدود، لان شباب الجبهة لن يتراجعوا عن مطالبهم منذ ثورة ٢٥ يناير وفي مقدمتها إلغاء الطوارئ ورفضها نهائيا، ولكن لأوضاع التي تمر بها البلاد من عمليات إرهابية متطرفة وقتل مجندين واستهداف مدنيين تدعو لضرورة الاستمرار في الطوارئ لوقت محدد للقضاء على الإرهاب.

ثانياً: الأثاث الدستوري لتمديد حالة الطوارئ:

إعلان وتمديد حالة الطوارئ ينظمه حالياً، وحتى الاستفتاء على مشروع التعديلات الدستورية الذي تعده في الوقت الحاضر لجنة الخمسين، الإعلان الدستوري الصادر بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣. فالمادة ٢٧ من الإعلان تجيز لرئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر بعد موافقة مجلس الوزراء، ولا يجوز مدها إلا لمدة مماثلة وبعد موافقة الشعب في استفتاء عام.
 يتضح من هذا النص ما يلي:

١أن إعلان حالة الطوارئ يتطلب موافقة مجلس الوزراء، كما أن تمديد حالة الطوارئ خلال المدة المقررة لرئيس الجمهورية يتطلب كذلك موافقة مجلس الوزراء. و قد وافق مجلس الوزراء على إعلان حالة الطوارئ ابتداءً لمدة شهر يوم ١٤-٨-٢٠١٣ كما وافق مجلس الوزراء على مد حالة الطوارئ لمدة شهرين اعتباراً من يوم ١٣-٩-٢٠١٣.
٢أن النص الدستوري يجيز لرئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء إعلان حالة الطوارئ لمدة لا تجاوز ثلاثة اشهر، سواءٌ كانت دفعة واحدة أو مجزأة على مدتين أو ثلاثة مجموعها لا يتجاوز ثلاثة اشهر، وهو ما حدث فعلاً.[1]
٣بعد انقضاء مدة الثلاثة اشهر، أي في ١٢ نوفمبر ٢٠١٣ ، لن يكون ممكناً تمديد حالة الطوارئ إلا بعد إجراء استفتاء عام على ذلك وموافقة الشعب في الاستفتاء على التمديد.* ويكون التمديد لمدة أقصاها ثلاثة اشهر دفعة واحدة أو مجزأة. وبعد ذلك لا يجوز مد حالة الطوارئ.
 ٤بعد موافقة الشعب على مشروع الدستور الذي تعده لجنة الخمسين في الوقت الحاضر، فإن مصير حالة الطوارئ يتحدد وفقاً لما سيقرره هذا الدستور بشأنها. وقد اقترحت لجنة الخبراء التي أعدت مقترحات تعديل الدستور نص المادة ١٢٩ الخاص بإعلان حالة الطوارئ، فطبقاً لهذا النص يعلن رئيس الجمهورية، بعد موافقة الحكومة، حالة الطوارئ على النحو الذي ينظمه القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال الأيام السبعة التالية ليقرر ما يراه بشأنه… وفي جميع الأحوال تجب موافقة أغلبية عدد أعضاء المجلس على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة، بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس. والنص المقترح أكثر تشدداً مع فرض حالة الطوارئ من النص الحالي، وهو ما نؤيده ونأمل أن يقره الشعب. كما أن النص المقترح أفضل من النص الحالي، لأن الاستفتاء ليس الوسيلة المثلى لفرض الطوارئ أو تمديدها، فالشعب قد لا يملك في غالبيته المعطيات السياسية أو الأمنية التي تمكنه من الموافقة على استمرار الطوارئ أو المطالبة بإنهائها بينما تملك السلطات المختصة ونواب الشعب هذه المعطيات.

ثالثاً: الطوارئ أبغض الحلال:
 
لا شك في أن الإعلان الدستوري النافذ في الوقت الحاضر يضع أساساً دستورياً لحالة الطوارئ، ولا نعتقد أن مشروع الدستور الذي تعكف على إعداده لجنة الخمسين المكلفة بإدخال تعديلات على دستور ٢٠١٢ المعطل سوف تلغي الأساس الدستوري لحالة الطوارئ في مصر.
 ولا نخشى من وجود قانون للطوارئ، فهو موجود بصورة أو أخرى في كل الدول تقريباً لمواجهة الظروف الاستثنائية التي قد تتعرض لها البلاد. كما لسنا لدينا معطيات للتشكيك في جدية الظروف التي دفعت السلطات الحاكمة في الدولة الي إعلان وتمديد حالة الطوارئ بوصفها حالة استثنائية في الوقت الراهن. لكن الذي نخشاه أن يتحول الوضع الاستثنائي الي حالة دائمة كما حدث في عهود سابقة. وقد علمتنا تجارب الحياة أن السلطة الحاكمة قد تركن الى حالة الطوارئ وتعتبرها بديلاً لتدابير وإجراءات وإصلاحات يمكن أن تعود بالبلاد الي حالة الاستقرار بعد أن تقضي على عوامل الاضطراب وغياب الأمن ومسببات الفوضى والعنف.

 وتحليل الواقع المصري منذ فرض حالة الطوارئ يشير الي أن القبض على قيادات الإخوان ومثيري الشغب ومرتكبي أعمال العنف لم يتم استناداً الي قانون الطوارئ، لكنه يتم وفقاً للإجراءات الجنائية العادية، أي بناءً على أوامر ضبط وإحضار أو قبض صادرة من سلطات التحقيق في جرائم ارتكبت بالفعل، أو طبقاً لحالة التلبس التي تخول جهات الأمن سلطات محددة وإجراءات استثنائية تمارسها في أحوال الجرم المشهود أو ما يسمى في القانون المصري التلبس بالجريمة.

يضاف إلى ذلك أن قانون الطوارئ لا يصادر الحق في التظاهر السلمي الذي لا يقترن بأعمال العنف والإضرار بالأمن العام أو سلامة الأشخاص والأموال، في غير أوقات حظر التجوال، لأنه لا يوجد قانون يمكن أن يصادر حق التظاهر السلمي كليةً، فالقانون قد ينظم حق التظاهر تنظيماً لا يصل إلى حد إلغاء الحق. لكن قانون الطوارئ والقوانين العادية تمنع التجمعات التي تضر بالأمن وتنطوي على أعمال عنف تهدد النظام العام في الدولة.

ولا يخفى أن حالة الطوارئ يترتب عليها الآن حظر التجوال خلال ساعات محددة، وحظر التجوال يعطل النشاط الاقتصادي ويضر بمصالح كثيرة، ويعطي صورة غير ملائمة لمصر لمن يرغبون في التعامل معها من الأجانب أو القدوم إليها للسياحة أو لغيرها من الأغراض. لذلك فهناك تفكير في الوقت الحاضر في تخفيض ساعات حظر التجوال مع بداية العام الدراسي الجديد في ٢١ سبتمبر ٢٠١٣.

رابعاً: هل الطوارئ هي الملاذ الوحيد؟

لكل هذه الاعتبارات تكون الطوارئ أبغض المباحات التي يمقتها الثوار والمدافعون عن حقوق الإنسان. ولا يمكن لرجل القانون أن يكون من مناصري حالة الطوارئ من حيث المبدأ، ولا من المطالبين بها كحل وحيد لأعمال العنف ومحاولات زعزعة استقرار البلاد. إن مواجهة العنف والإرهاب تكون بالبحث عن عوامله ومحاولة علاجها للقضاء عليها على المدى الطويل. ولا نشك في أن السلطة الحاكمة في مصر الآن كانت تتمنى عدم تمديد حالة الطوارئ، لأنها تدرك مخاطرها وتبعاتها على الاستثمار الداخلي والخارجي وعلى حركة السياحة ومجمل النشاط الاقتصادي في البلاد بصفة عامة. لكن إذا كان القصد من حالة الطوارئ حفظ الأمن والاستقرار، وتحقق ذلك بالفعل بعد فرضها، فلا بأس من التسليم بضرورة التمديد الذي لجأت اليه السلطات المختصة. أما إذا ثبت من التجربة العملية أن حالة الطوارئ لم تنعكس إيجاباً على حالة الأمن ولم تؤدّ إلى تحقيق الاستقرار الذي ننشده جميعاً، فلا فائدة ترجى من تمديدها، بل إن مصلحة الوطن في هذه الحالة تفرض العدول عن حالة الطوارئ، والبحث عن بدائل أخرى تكون أكثر فاعلية في تحقيق الأهداف المرجوة.
 
وهذا الذي نقول به ليس بدعاً من القول، بل هو مقتضى دراسة الجدوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لحالة الطوارئ. فإذا ظهر من دراسة الجدوى هذه أن تكلفة الطوارئ أكبر من عائدها علي الأمن والاستقرار، فحينئذ لن تكون لحالة الطوارئ فائدة، ويكون الإصرار عليها دليلاً على عجزنا عن إيجاد الحلول الناجعة لأوجاعنا، ويكون الدواء اشد ضرراً من الداء.

———————————————————-
* وفي حالة الاستفتاء تكون تكلفة الطوارئ أشد وطأة على الاقتصاد المصري، حيث ستضاف إلى الخسارة التي تنتج عن حالة الطوارئ، ما يكلفه الاستفتاء الشعبي من نفقات وتعطيل للعمل.



[1]   ثمة آراء مختلفة مفادها أنه كان يمكن اعلان حالة الطوارئ لثلاث أشهر دفعة واحدة، ولكن لا يمكن القيام بذلك على دفعتين من دون العودة الى الاستفتاء العام، عن هذا الأمر يراجع محمد الأنصاري، موقع المفكرة القانونية (المحرر).
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية