تكليف رئيس حكومة جديد في تونس: السيرة المسكوت عنها لإلياس الفخفاخ


2020-01-23    |   

تكليف رئيس حكومة جديد في تونس: السيرة المسكوت عنها لإلياس الفخفاخ

أعلنت رئاسة الجمهورية مساء يوم الاثنين 20 جانفي 2020، تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة. الرجل شغل منصب وزير السياحة والمالية في عهد الترويكا، وها هو يعود إلى دائرة السلطة من أوسع أبوابها. لكن الفخفاخ الذي كان شاهدا من مكتبه في الوزارة حينها على أحد أشدّ فصول الصراع السياسي دموية في تونس بعد الثورة، لم يغادر منصبه إلا وقد ترك بصمة لن تُمحى على صعيد الوضع المالي والاقتصادي للبلاد، وهو وضع ستدفع ثمنه أجيال كثيرة لاحقة.

 

بعدما أسقط مجلس نواب الشعب حكومة الحبيب الجملي في 10 جانفي 2020، توجهت الأنظار مباشرة إلى قصر قرطاج حيث سيكون للرئيس قيس سعيد الكلمة الفصل في اختيار رئيس الحكومة المكلف الجديد قبل عرضه وفريقه الحكومي على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة.

لم يطل انتظار التونسيين لتصدر رئاسة الجمهورية بلاغا مساء يوم الاثنين 20 جانفي 2020، تعلن فيه قرار الرئيس قيس سعيد تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة المنتظرة وبدء المشاورات مع مختلف الفاعلين في المشهد السياسي. رجل الرئيس، فتح الباب أمام جولة جديدة من التكهنات والحسابات ولقاءات الكواليس وسط تباين مواقف الأحزاب حول شخصه، خصوصا أنه سيكون الفرصة الأخيرة قبل أن تصل البلاد إلى مرحلة حل البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية في حالة فشله في نيل ثقة مجلس نواب الشعب وجمع 109 صوتا. لكن الجدل حول إلياس الفخفاخ، الذي خبر السلطة سابقا في إحدى أهم وزارات البلاد، لا يجب أن يقتصر على حيثيات وصوله إلى عتبة قصر الحكومة في القصبة، أو حول وعوده التي قدمها خلال تواجده القصير في سباق الانتخابات الرئاسية، بل تقتضي العودة إلى إرثه السياسي والاقتصادي خلال فترة حكم الترويكا والذي صنع في جزء كبير منه الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد اليوم.

 

الساكت عن الحق

بين الترقب والترحيب والرفض، تراوحت ردود أفعال الأحزاب السياسية من تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة المرتقبة. مواقف المرحبين تأسست في معظمها على الصورة التي روجها الرجل لنفسه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي عادت لتجترها بعض وسائل الإعلام والصفحات الداعمة له، حول دعمه للمساواة التامة بين الجنسين، وتعهده بإلغاء الفحوص الشرجية وإلغاء شرط الزواج للإقامة في الفنادق إضافة إلى استعراض مسيرته المهنية الناجحة في عدد من الشركات الدولية و"نقاء" سيرته السياسية من شبهة الانتماء إلى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل. في المقابل، استنكر بعض الرافضين له عملية إسقاطه على المشهد وهو الغريب وحزبه عن توازنات الساحة السياسية اليوم. لكن قليلون هم من استحضروا تجربته في الحكم في إثر تحالف حزبه بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي مع حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

فالمهندس الناجح الذي قرر دخول معترك السياسة بعد الثورة، صعد بشكل صاروخي صلب هياكل حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ليمثله بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في حكومة حمادي الجبالي بتوليه في بداية الأمر حقيبة وزير السياحة ومن ثم وزارة المالية بالنيابة في ديسمبر 2012 قبل أن يتم تثبيته على رأسها في مارس 2013 مع بداية عهد رئيس الحكومة علي العريض وظل في منصبه إلى تاريخ خروج الترويكا من الحكم في جانفي 2014. خلال هذه الفترة، كان إلياس الفخفاخ شاهدا على أحلك فترات الصراع السياسي في تونس. فمن مكتبه في وزارة السياحة في قلب العاصمة التونسية ومن ثم من مقر وزارة المالية في القصبة، كان الوزير القادم من حزب "مدافع عن الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية" يراقب بصمت تعاطي حكومة حمادي الجبالي مع الاحتجاجات الشعبية التي كانت تشهدها محافظة سليانة في نوفمبر 2012 للمطالبة بالتشغيل والتنمية. حيث كان الرد الحكومي حينها على المتظاهرين بإطلاق رصاص الشوزن أو "الرشّ" كما يعرف في تونس، والمحرّم دوليا، مما أدى إلى وقوع 220 جريحا بعضهم أصيب بعاهات مستديمة، كفقدان إحدى العينين أو العمى التام. صمت الوزير الشاب حينها عن تلك الانتهاكات تماما كما فعل قبل أشهر قليلة حين واجهت قوى الأمن تظاهرة المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا بشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة في 7 أفريل 2012 بالغاز المسيل للدموع والسحل والعنف الشديد، تلتها الهجمة الأمنية الشرسة خلال إحياء عيد الشهداء بعد ذلك بيومين على المتظاهرين أمام وزارة الداخلية.

مع نهاية سنة 2012، بدأت رائحة الدم تتسلل إلى المشهد السياسي بعد سحل رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بتطاوين والمنسق العام لحزب حركة نداء تونس لطفي نقض في شهر أكتوبر من تلك السنة، ليبدأ شلال الدم في سنة 2013 مع اغتيال القياديين في الجبهة الشعبية شكري بلعيد في 6 فيفري 2013 ومن ثم محمد الابراهمي في 25 جويلية 2013. وقد أطلق الاغتيالان موجة من الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة الترويكا في مختلف أنحاء البلاد إضافة إلى اعلان اعتصام الرحيل في ساحة باردو. هذه التحركات والأحداث لم تدفع إلياس الفخفاخ الذي تولى وزارة المالية في ذلك الوقت إلى التفكير بتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية كأحد أعضاء الفريق الحاكم حينها ومراجعة تواجده في تلك الحكومة وهو الذي نعت نفسه خلال الحملة الانتخابية الأخيرة بسليل العائلة الديمقراطية الاشتراكية. بل كان في تلك الفترة، مشغولا بملف آخر ستمتد نتائجه لسنوات وربما لعقود عديدة بعد خروجه من الوزارة.

 

إمضاء إلياس الفخفاخ على "وثيقة النوايا": حبر لا يزول

بعد تكليفه من رئيس الجمهورية قيس سعيد بتشكيل الحكومة، خرج إلياس الفخفاخ ليتحدث عن ملامح برنامج حكومته المستقبلية، واعدا التونسيين بإرساء "دولة تنصف فئاتها وجهاتها وأحياءها الأضعف وتنهي عقود الفقر والتهميش". وعد يمثل أولوية في وضع اقتصادي صعب بلغت فيه نسب التضخم مستويات قياسية تجاوزت 6% وتراجعت قيمة العملة الوطنية بأكثر من 30% خلال السنوات الخمس الأخيرة وبلغ فيها مستوى المديونية 74% من إجمالي الناتج المحلي الخام وبقيمة 94 ألف مليون دينار حسب قانون المالية لسنة 2020. لكن رئيس الحكومة المكلف أسقط من ذهنه وهو يلقي تلك الكلمات أن إمضاءه على ما عُرف بوثيقة النوايا المسرّبة في فيفري 2013، هو الذي فتح الباب أمام إغراق البلاد بسلسلة من أقساط قروض صندوق النقد الدولي مقابل قبول الحكومة التونسية ببرنامج الإصلاح الهيكلي. فقد كشف موقع نواة في 30 مارس 2013 عن رسالة نوايا موجهة لـرئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد وقّعها محافظ البنك المركزي، الشاذلي العياري ووزير المالية حينها إلياس فخفاخ. إضافة إلى وثيقة مرفقة بالرسالة، تستعرض الجدول الزمني لتنفيذ برنامج الإصلاحات الهيكلية لسنة 2013.

وقد تضمنت الوثيقة المذكورة أهم الشروط الواجب تنفيذها من قبل الحكومات التونسيّة للحصول على القرض المنتظر والتي تتلخّص حسب كلّ من محافظ البنك المركزي ووزير المالية في رسملة البنوك العمومية، تدعيم استقلالية البنك المركزي، الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، مراجعة منظومة الدعم، التحكم في كتلة الأجور ونفقات التسيير والتصرّف العموميّة، المصادقة على مشروع مجلّة الاستثمار الجديدة، إصلاح القطاع البنكي والمؤسسات المالية، المصادقة على مشروع الإصلاح الجبائي.

توقيع إلياس الفخفاخ، كان بحبر لا يزول، سطّر للحكومات التي أعقبت حكومة علي العريض ووزراء المالية الذين خلفوه، السياسة الاقتصادية للبلاد والتي التزموا بتنفيذها خطوة خطوة على غرار تسريع المصادقة على مشاريع القوانين الخاصّة بالقطاع المالي والبنكي ومجلّة الاستثمار وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ وتخفيض الدعم عن المحروقات وتجميد الانتدابات في القطاع العام انطلاقا من ميزانية سنة 2016 وصولا إلى اليوم، إضافة إلى المصادقة على القانون عدد 2015/64 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي الذّي كان خطوة تمهيديّة في مسار تعويم الدينار التونسي.

 

كاد رئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ أن يعود أدراجه إلى الظل مجددا بعد سباق الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى. فقد تقدم عن حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات لخوض غمار المنافسة قبل أن ينسحب مها بسرعة تحت وطأة نتيجة ثقيلة. حيث لم يتحصل سوى على 0.34% من أصوات الناخبين التونسيين، ولم يتمكن حزبه للمرة الثانية من حجز مقعد واحد في مجلس نواب الشعب بعد أن كان الرابع على مستوى عدد النواب في المجلس التأسيسي بعد انتخابات سنة 2011 بعشرين نائبا عند بداية أشغاله. إلا أن أحكام السياسة غير الخاضعة للمنطق أو للحسابات في الواقع السياسي الجديد للبلاد، والتي أبعدته سابقا عن قصر قرطاج، فتحت له باب قصر رئاسة الحكومة في القصبة على مصراعيه ليعود متناسيا ماضيه السياسي وموزعا وعود النجاة من بؤس اقتصادي كان أحد مهندسيه.

 

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *