تقرير ديوان المحاسبة في ليبيا يفضح أعمال فساد: انتظام عمل لافت في ظل الانقسام والإنفلات الأمني


2018-06-25    |   


تعاني ليبيا منذ سنوات من أزمة سياسية حادة نتج عنها انقسام مؤسسي وازدواج حكومي. وقد أدّت هذه الأزمة إلى إضعاف مؤسسات الدولة وبخاصة مؤسسات المحاسبة والرقابة، خاصة في ظل تنامي نفوذ المجموعات المسلحة التي تسيطر على بعض أجهزة الدولة.

 فمنذ سنة 2014، أصبح لليبيا حكومتان: واحدة في الشرق تتبع البرلمان وأخرى في الغرب تتبع المؤتمر الوطني العام. وبعد الاتفاق السياسي في ديسبمر 2015، تغير المشهد السياسي قليلا حيث ولدت حكومة ثالثة وهي المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق في طرابلس وتغير اسم المؤتمر الوطني العام إلى مجلس الدولة واستمر مجلس النواب وحكومته المؤقتة في الشرق واختفت حكومة الإنقاذ في الغرب.

ونتج عن هذا التشرذم ازدواجية في المؤسسات الرئيسية مثل مصرف ليبيا المركزي والرقابة الإدارية والمؤسسة الوطنية للنفط. وانحصر نفوذ كل مؤسسة في النطاق الجغرافي للحكومة التابعة لها، وإن كانت مؤسسات العاصمة أكثر قوة ونفوذ .

ورغم ان الحكومة المؤقتة أنشأت ديوانا للمحاسبة في الشرق سنة 2015، إلا أن ديوان المحاسبة الاساسي بقي الديوان المتواجد في الغرب على اعتبار أنه الأقدم والأكثر خبرة وكفاءة، إضافة لتوفر كل الأرشيف القديم لديه. وقد جعل هذا المعطى الأخير منه المؤسسة الأكثر نجاعة وقوة وتأثيرا نسبيا، حتى لو لم يكن قادرا على بسط نفوذه في مناطق عدة.

وقد دأب ديوان المحاسبة على إصدار تقاريره السنوية كل عام منذ عام 2012 حيث يقوم بتقييم عمل مؤسسات وإدارات الدولة ماليا ويبدي ملاحظته على المخالفات ويطالب بتسويتها  وفقا لأحكام القانون 19 لسنة 2013 بشأن إنشاء ديوان المحاسبة.

وقد كان التقرير الأخير لسنة 2017 والصادر مؤخرا لافتا ومؤثرا حيث وقع التقرير في 1000 صفحة وقد وثق تجاوزات مالية وعمليات تلاعب وهدر للمال العام بشكل كبير. وقد كان لهذا التقرير صدى إعلامي كبير حيث أفردت له البرامج السياسية في القنوات التلفزيونية مساحات واسعة للنقاش والتحليل. كما تبادل أخباره النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة كونه تناول بعض المصاريف الباهظة لبعض المسؤولين مثل تكاليف الإقامة في الفنادق وسعر إستئجار طائرات خاصة وتغيير أثاث مكتبي وشراء سيارات وهواتف وغير ذلك من المصاريف الكبيرة التي استفزت الناس وأدت لردة فعل كبيرة وصلت حدّ السخرية والاستهزاء منهم وانتشرت عديد الرسومات الساخرة على المسؤوليين الواردة أسماؤهم في التقرير.

وبالفعل فأن التقرير تناول عدة مسائل هامة وأوضح بعض النقاط المهمة التي تعكس مستوى الفساد والنهب في الدولة مثل مسألة الاعتمادات المصرفية والتي حدثت فيها تجاوزات عدة وغابت فيها معايير العدالة وتكافؤ الفرص فى منح الموافقات حيث تكررت أسماء شركات بعينها مما يعني وجود فساد ومحاباة. ومن أبرز الامثلة، تورط مدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد بمصرف ليبيا المركزي وإستغلال منصبه فى القيام بتصرفات تندرج تحت الوساطة والمحسوبية والمحاباة ومخالفة التشريعات والنظم المالية والمصرفية وتجاوزه لصلاحياته وسلطاته بالإضافة إلى تعارضها مع طبيعة عمله الرقابية وتفقده الاستقلالية تجاه بعض المصارف التى يطلب منها بموجب مكاتبات رسمية تنفيذ اعتمادات لصالح شركات محددة بالمخالفة خصوصا بعدما تبين أن فواتير النقل المرفقة بملفاتها مزورة. وهذا الأمر يشير إلى أن الاعتمادات استعملت في تهريب الأموال للخارج.

وقد شمل التقرير أغلب الأجهزة والمؤسسات في الدولة، وقد تناول المبالغة في عديد البعثات الدبلوماسية والإزدواجية في صرف المرتبات وانحرافات دعم العملية التعليمية وفساد المتابعة المالية لبعض البعثات الدبلوماسية في الخارج وغيرها.

وبعيدا عما جاء به التقرير من مخالفات وتجاوزات عديدة تستحق الوقوف عندها، إلا أن نشر التقرير في هذا التوقيت والتركيز على الجانب الاعلامي في نشر تفاصيله دون اتخاذ خطوات قانونية فتح الباب لعديد التساؤلات، خاصة بعدما خضع التقرير لحملة إعلامية واستغلته عدة أطراف سياسية ووظفته سياسيا لمصلحتها.

 بقراءة موضوعية للتقرير، نجد أن هناك بعض الملاحظات المهنية المتعلقة بالصياغة والأسلوب. ومنها، الملاحظة الرئيسية المتمثلة في استخدامه لبعض المصطلحات المسيسة مثل عبارة الحكومة المركزية في طرابلس، رغم أن القانون ألزم الديوان أن يكتب تقريره بلغة مهنية محايدة موضوعية. بل استخدم في الصفحة 15 مصطلح “حكومات طرابلس والبيضاء”، وهي مصطلحات لم ترد في أي تشريع يستند عليه الديوان، بما في ذلك الاتفاق السياسي الذي أحال عليه في أكثر من مناسبة.[1]

كما لوحظ الإيحاء بأن قيمة الهدر المالي بلغ 277 مليار دينار خلال خمس سنوات دون تفصيل، حيث جمع أداء عدة حكومات من العام 2012 إلى 2017 في رقم واحد.[2]

وفيما قام معد التقرير بتفصيل مصاريف الحكومة المؤقتة في البيضاء الذي أكد في مقدمة تقريره أنها خارج نطاقه، ذكر أن الحكومة المؤقتة أنفقت 21.148 مليار دينار في ثلاث سنوات، منها 13.420 مليار مرتبات، و1.539 مليار دينار على الدعم، وما تبقى نحو 6 مليار دينار موزعة على ثلاث سنوات.[3].

وتمحور السؤال الأبرز على الصفة الرسمية للسيد خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة والذي تم عزله من مجلس النواب سنة 2014 وصدور حكم قضائي ضده، لكن تم التمديد له من المؤتمر الوطني العام سنة 2014 أثناء ازدواجية السلطة التشريعية.

ولو تجاوزنا مسألة صفة رئيس الديوان، وانتقلنا لنقاط قانونية أخرى أكثر دقة، تتعلق بصلاحية الديوان واختصاصاته، وأولها عدم تقرير الديوان للسلطة التشريعية متمثلة في مجلس النواب وفقا لما نص عليه قانون انشائه وهو القانون رقم 19 لسنة 2013، حيث تنص المادة رقم 62 على أن “يقدم التقرير للسلطة التشريعية ومجلس الوزراء خلال ثلاثة أشهر من انتهاء السنة المالية”، أي بحلول 30 مارس من كل عام، فلماذا أخر الديوان تقريره ستين يوما؟

والتساؤل الثاني لماذا وقف الديوان عاجزا امام هذا الكم من التجاوزات المالية والمحاسبية ولم يتخذ الإجراءات المنصوص عليها قانونا. فمثلا حددت المادة 19 وفقا لأحكام القانون 19 لسنة 2013 إجراءات مصاحبة للإحالة على جهة الإختصاص، إذ يتوجب على الديوان في حال اكتشاف خلل، أن يوصي بإيقاف متقلدي المناصب عن الاستمرار في مناصبهم، وتقدير الضرر والأموال المهدرة “.

وأيضا منحت المواد رقم 50 ورقم 51 ورقم 56 للديوان حق “إيقاف كل من ثبت تورطه في فساد عن العمل، وكذلك تجميد حسابات أي جهة ثبت إهدارها للمال العام، وأن يأمر بالحجز الإداري على أموال كل من تسبب في إهدار المال العام.

وأخيرا فإن ديوان المحاسبة وفقا لأحكام القانون 19 لسنة 2013 متى تبين له وجود مخالفات إدارية، فإنه يحيل الاوراق بشأنها لهيئة الرقابة الإدارية ومتى تبين أن الوقائع تشكل جريمة جنائية يحيل بشأنها الأوراق للنائب العام أو الادعاء العسكري بحسب الاختصاص، مع العلم أن للديوان صلاحية الاستدلال والإيقاف المؤقت فقط.

وهذه التساؤلات تتكرر كل عام ومع صدور كل تقرير، لأنه لم يتخذ حتى الآن أي إجراء للمحاسبة والعقاب على إرتكاب هذا التجاوزات والمخالفات.

وتوالت ردود أفعال رسمية على التقرير كان أبرزها تدخل المجلس الأعلى للقضاء وإصدار تعليماته للنائب العام وبشكل عاجل دراسة تقرير ديوان المحاسبة بكل عناية ودقة وإحالة من يثبت تورطه في المخالفات المالية إلى القضاء، حيث طلب المجلس الاتصال الفوري والمباشر بديوان المحاسبة لطلب إرفاق محاضر الاستدلالات التي قام بها الديوان مع كافة الوثائق والمستندات والأدلة المؤيدة لتلك الاتهامات والوقائع[4].

ومن جهة أخرى، أكد المستشار الإعلامي لرئاسة مجلس النواب، فتحي المريمي، إن رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح كلف أشرف الدرسي المستشار القانوني لرئاسة المجلس النواب بتقديم بلاغ إلى النائب العام، من أجل فتح التحقيقات القانونية اللازمة حول المخالفات والتجاوزات المالية التى وردت في التقرير وضرورة محاسبة كل مخالف ومتجاوز وسارق للمال العام وفق القوانين والتشريعات النافذة بالخصوص.[5]

وحتى السلطة التنفيذية ممثلة في  وزارة المالية بحكومة الوفاق الوطني، شكلت لجنة فنيّة تضم وكيل الوزارة ومديري الإدارات المعنية، لدراسة تقرير ديوان المحاسبة للعام المالي 2017، والتحقق بما ورد به واستخلاص النتائج الفنية. وأشارت الوزارة، في بيان لها، إلى أنّها «ستقوم بمتابعة كافة الملاحظات والعمل على تصحيحها واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال التوصيات»، مرحبة في الوقت نفسه بقيام الأجهزة الرقابية بدورها في “المتابعة والتصحيح واكتشاف الأخطاء واستدراكها وضمان عدم تكرارها”.

ودعت الوزارة إلى «ضرورة معاقبة المخالفين إن ثبت تورطهم»، مطالبة ديوان المحاسبة بإخطار الجهات الحكومية بملاحظاته ونتائج مراجعته وتلقي الردود من تلك الجهات، لافتة إلى أنه في حال التأكد من وقوع مخالفات تمثل جنحا أو جنايات وجب عليه إحالة الأشخاص المرتكبين لها للتحقيق وعرض تلك الجرائم أمام القضاء.[6]

وأخيرا إذا أردنا أن ننظر للجانب الممتلئ من الكاس، فإننا نستطيع أن نتفاءل بهذا التقرير الذي يعكس جانبا إيجابيا مهما وهو قيام مؤسسة ليبية بواجبها الرقابي والوظيفي رغم الانقسام السياسي والازدواج الحكومي  والإنفلات الأمني في مثل هذه الظروف. فصدور تقرير دوري عن ديوان المحاسبة يبقى عاملا توثيقيا مهما للمخالفات والتجاوزات المالية على أمل أن يتمكن القضاء الليبي يوما من محاسبة المخالفين استنادا لهذه التقارير بعد مراجعتها والتأكد مما ورد بها من معلومات.

 


[1] https://libyanpressagency.netوكالة الصحافة الليبية

[2] المصدر السابق

[3] المصدر السابق

[4] https://ar.libyaobserver.ly موقع ليبيا اوبزرفر

[5] http://alwasat.ly/news/libya/207209 موقع بوابة الوسط

[6] http://alwasat.ly/news/libya/207202 موقع بوابة الوسط

انشر المقال

متوفر خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، ليبيا ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *