تقرير حول واقع التبليغ عن العنف ومناهضة الإفلات من العقاب بالمغرب


2023-03-22    |   

تقرير حول واقع التبليغ عن العنف ومناهضة الإفلات من العقاب بالمغرب

تزامنا مع تخليد اليوم العالمي للمرأة، أصدر المجلس الوطني لحقوق الانسان بالمغرب تقريرا حول التبليغ عن العنف ضد النساء والفتيات ومناهضة الإفلات من العقاب. التقرير الذي يعتبر الأول من نوعه اعتمد على مخرجات ملاحظة محاكمات وتحليل عينة من الأحكام القضائية وقدم توصيات تهمّ الإصلاحات التشريعية المرتقبة والسياسات العمومية المرصودة وسلوك السلطات المكلفة بإنفاذ القانون.

تشخيص واقع معالجة قضايا العنف ضد النساء انطلاقا من أحكام القضاء

في دراسته للعراقيل التي تحول دون وصول الناجيات من العنف الى سبل الانتصاف القضائية، اعتمد التقرير على عينة تضم 180 حكما قضائيا تم اختيارهم بشكل عشوائي مع مراعاة التوزيع الجغرافي وتمثيلية مختلف المحاكم باختلاف درجاتها. كما اعتمد أيضا على مخرجات ملاحظة 25 محاكمة تتعلق بقضايا الاعتداءات الجنسية والابتزاز الجنسي والإتجار بالبشر من بينها بعض القضايا التي يكون أحد أطرافها من الشخصيات العامة.

تظهر قراءة هذه العينة أن غالبية الأحكام صادرة عن هيئات يترأسها قضاة ذكور، خاصة قضايا الجنايات والتلبّس وهي القضايا التي يكون فيها المتهمون يحاكمون في حالة اعتقال. في المقابل، يلحظ تكليف النساء القاضيات بجلسات العنف ضد النساء والتي تدرج فيها القضايا الجنحية البسيطة والتي يتابع فيها المتهمون في حالة سراح ويؤشر هذا المعطى على استمرار الصور النمطية التي تحول دون وصول النساء إلى مراكز صنع القرار وضعف إعمال مقاربة النوع الاجتماعي في توزيع القضايا داخل المحاكم رغم صدور التنظيم القضائي الجديد.

كما تشير قراءة المعطيات الأولية الى أن غالبية القضايا وصلت إلى علم القضاء عن طريق الضحايا أنفسهن وهو ما يكشف عن غياب ثقافة التبليغ واعتبار العنف شأنا خاصا في ظل غياب تجريم عدم التبليغ عن هذه الأفعال إلّا إذا اكتست طابعا جنائيا.

رصد تجارب جيدة رغم محدودية النصوص

وقف التقرير على بعض الممارسات الجيدة من قبل المتدخّلين في قضايا العنف ضد النساء من قبيل:

  • التدخل التلقائي أو الفوري للأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون في فتح الأبحاث في بعض حالات العنف المتداولة في الوسائط الحديثة والتي قد تتحول إلى فضاءات لتشجيع التبليغ عن جرائم العنف ضد النساء؛
  • صدور أول اجتهاد قضائيّ يكرس مبدأ تجريم الاغتصاب الزوجي، بعد أن قضى حكم لغرفة جنايات استئناف طنجة بإلغاء حكم ابتدائي في شقه المتعلق بإعادة التكييف وإدانة زوج من أجل جناية الاغتصاب الناتج عنه افتضاض عوض جنحة العنف الزوجي؛
  • بقاء ضحية رفقة متّهم في منزله طيلة مدّة حملها قرينة على عدم تحقق جناية الاغتصاب لوجود رضى لاحق على العلاقة الجنسية، وقد أكّدت محكمة النقض في هذا الاجتهاد أن وجود الرضى ينبغي أن يكون فعلا متزامنا مع المواقعة الجنسية في جناية الاغتصاب، وليس قبلها أو بعدها؛
  • وجود تنوع في تطبيق بعض تدابير الحماية التي تحكم بها بعض المحاكم من قبيل المنع من الاتصال، المنع من الاقتراب من الضحية، إيداع المعنف في مؤسسة للعلاج النفسي… ، وأحيانا الجمع بين أكثر من تدبير في حكم قضائي واحد، وتطبيق تدبير المنع من الاقتراب أو الاتصال بالضحية في حالات العنف الزوجي رغم ما تفرضه مدونة الأسرة من واجب المساكنة الشرعية بين الزوجين.

ثغرات في النصوص والممارسة تحول دون فعلية انتصاف الضحايا

كشف التقرير وجود هوة بين عدد الشكايات الأولية المصرح بها عند الشرطة أو الدرك وغيرها من خلايا التكفّل بالنساء المعنفات وعدد الشكايات التي تصل إلى القضاء. كما كشف أنّه كلما تقدم المسار القضائي إلا وتراجع مؤشر تمسّك الناجيات من العنف بشكاياتهن، وقد وقف التقرير عند الإشكاليات التي يطرحها الإعمال الواسع للتنازل سواء في جرائم الشكايات أو باقي الجرائم الأخرى. وفي هذا السياق، أشار إلى استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في بعض قضايا الاغتصاب من خلال تزويج المغتصبات بالمغتصبين رغم حذف الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي واستمرار صدور أحكام مخففة في هذا المجال بهدف تسوية هذه القضايا في إطار عائلي خاصة وأن المشرع ما يزال يصنّف جرائم الاغتصاب ضمن الجرائم التي تطال نظام الأسرة والأخلاق وليس كجرائم تمثّل اعتداء على حقّ الأفراد في السلامة الجسدية، فضلا عن أن القانون الجنائي نفسه يفرض على الضحايا الاحتفاظ بالحمل غير المرغوب فيه الناتج عن اغتصاب ويجرم الإجهاض، وفي نفس الوقت لا تعترف مدوّنة الأسرة بالنسب الناتج عن الاغتصاب.

من جهة أخرى، اعتبر التقرير ان استمرار تجريم المبلّغات يؤدي الى ثنيهن عن التبليغ نتيجة إمكانية ملاحقتهن بجرائم الفساد (العلاقات الجنسية خارج الزواج) أو التحريض عليه في ظل استمرار تجريم العلاقات الرضائية بين الراشدين. وتوقف التقرير عند الإشكاليات التي  تطرحها بعض النصوص القانونية من قبيل عدم تدقيق العناصر التكوينية لبعض جرائم الإتجار بالبشر والاغتصاب حيث يؤدي عدم دقة التعاريف إلى تزايد صدور الأحكام بالبراءة أو عدم الاختصاص. كما لاحظ التقرير وجود اتجاه عام لتكييف جرائم عنف ضدّ النساء كجنح في إطار “سياسة جنائية” تميل إلى إعمال موسع لآلية التجنيح… وهو ما قد تكون له نتائج عكسية من قبيل إمكانية تجريم المبلغات، وتوسيع مجال إعمال التنازل، للحكم بعقوبات مخففة مما يؤدي في غالب الأحيان الى تسهيل إفلات المعنف من العقاب.

ضعف إعمال تدابير الحماية وعدم مراعاة وضعية الضحايا في بعض المحاكمات

رغم أن قانون محاربة العنف ضد النساء تضمّن عددا من تدابير الحماية من قبيل المنع من الاقتراب من الضحية وإيداع المعنف في مراكز للعلاج النفسي، فقد وقف التقرير على ضعف إعمال هذه التدابير التي تبقى غير معروفة لدى الكثير من الضحايا ولدى عدد من المهنيين. وهو ما يؤدّي إلى عدم المطالبة بإعمالها أو عدم تطبيقها بشكل تلقائي حتى في حالة تكرار العنف. كما أشار التقرير إلى إغفال عملية تقييم المخاطر التي قد تتعرض لها الضحية التي تلجأ إلى التبليغ، عند تلقّي الشكايات أو البحث والتحقيق في قضايا العنف، من طرف الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون وهو ما يؤدي أحيانا إلى تعريضها إلى عنف جديد. وكان لافتا في التقرير أنه تطرق إلى محدودية وصول الناجيات من العنف إلى التعويضات المدنية إما بسبب عدم المطالبة بها أو بسبب الإجراءات الشكلية أو بسبب عدم كفايتها. وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى وجود اتّجاه نحو الحكم بتعويضات ضعيفة يتأتى للمحكوم عليهم أداؤها عوض تنفيذها بواسطة الإكراه البدني في حالة العجز عن أدائها، علما أن تحديد مبلغ التعويض لا يرتبط قانونا بالوضعية المادية للمتهم وإنما يرتبط بجبر الضرر الشخصي الذي أصاب الضحية مباشرة من الجريمة. ويرتبط هذا المعطى بإشكال غياب صندوق للتعويضات يحل محل المحكوم عليهم في حالة عجزهم عن الأداء.

ماذا بعد التبليغ عن العنف ضد النساء والفتيات؟

تكمن أهمية هذا التقرير في كونه يركز على الجانب الميداني من خلال اختبار مدى نجاعة التشريعات على مستوى التطبيق العملي ويجيب بشكل غير مباشر على مجموعة أسئلة من قبيل لماذا تضعف مؤشرات التبليغ عن العنف ضد النساء والفتيات ولماذا يكثر التنازل عن هذه القضايا ولماذا تكون غالبية الأحكام الصادرة في هذا المجال مخففة سواء في شقها الزجري أو المدني ولماذا لا يتحقق عنصر الردع. ويثير التقرير مجموعة من القضايا المقلقة مثل تنامي حالات قتل النساء وتزايد الشكايات المقدمة بخصوص جرائم التمييز فضلا عما تشكّله ظاهرة تزويج الطفلات بشكل غير قانوني من انتهاكات لحقوقهن.

ويخلص التقرير إلى كون عدم التقائية التشريعات من جهة وعدم تفعيل تدابير الحماية وغياب المواكبة اللاحقة للناجيات من العنف وعدم إعمال تقييم المخاطر وعدم اتخاذ إجراءات لتخفيف أعباء المحاكمات كلها عوامل قانونية وإجرائية تُضاف إلى عوامل أخرى غير قانونية من قبيل الموروث الثقافي الذي ما زال في جانب كبير منه يطبّع مع ظاهرة العنف ضد النساء والفتيات فضلا عما يمكن أن تشكله حملات الوصم والتشهير من أثر نفسي واجتماعي على وضعية الضحايا.

وأخيرا، أوصى التقرير بضرورة تسريع ورش التعديلات التشريعية بمراجعة القانون الجنائي ومدونة الأسرة وتحديث الإطار المنظم للمساعدة القضائية وتدقيق العناصر التكوينية لجناية الاتجار بالبشر من خلال إعادة تدقيق مفهوم “استغلال وضعية الهشاشة في تعريف الإتجار بالبشر”، والتنصيص على عدم مسؤولية ضحايا الإتجار بالبشر عن الأفعال غير القانونية المرتكبة تحت الإرغام،  وتبني سياسة عمومية واضحة تعتمد على النوع الاجتماعي، وضرورة دعم خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف والرفع من عددها وتوسيع انتشارها بالتراب الوطني وإحداث غرف للبتّ في جرائم العنف ضد النساء في أفق إحداث محاكم متخصصة للنظر في هذه القضايا.

للاطّلاع علىى التقرير، إضغط/ي هنا

مواضيع ذات صلة

هكذا يبرر القضاة تزويج الطفلات في المغرب

امينة الفيلالي… حين يعاد اغتصاب المغتصبة

إلغاء الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي: هل ينهي افلات المغتصب من العقاب؟

تجريم الاغتصاب الزوجي في المغرب بين سكوت المشرع وتوجهات المحاكم

سابقة حكم قضائي يعتبر زواج التعدد “العرفي” عنفا نفسيا ضد المرأة

حراك من أجل الحق بالإجهاض في المغرب: كي لا تتكرر مأساة مريم

ملاحظات حول التقرير الأول للجنة التكفّل بالنساء ضحايا العنف بالمغرب: ماذا عن صعوبات وصول الناجيات من العنف إلى المساعدة القضائية؟

المغرب يفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة بعد 18 سنة من صدورها

قراءة في التقرير الأول للجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالمغرب

قانون مكافحة الإتجار بالبشر بالمغرب… أي آليات لحماية حقوق الضحايا؟

اعتقال فتاة تطوان يعيد الجدل حول الحريات الفردية بالمغرب

تغييب النساء القاضيات عن مناصب المسؤولية بالمغرب: إشكالية السقف الزجاجي

عن تجربة خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف في المغرب

انشر المقال



متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، المغرب ، قضاء ، محاكمة عادلة ، مساواة ، جندر ، قرارات قضائية ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية