تفاقم الجرائم الإسرائيلية بحق الأسرى منذ 7 تشرين الأول: الاحتلال اعتقل 15% من الفلسطينيين منذ 1967


2023-11-20    |   

تفاقم الجرائم الإسرائيلية بحق الأسرى منذ 7 تشرين الأول: الاحتلال اعتقل 15% من الفلسطينيين منذ 1967
خريطة توزع سجون ومعتقلات الإحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. المصدر : مؤسسة الضمير لرعاية ألأسير وحقوق الإنسان

“إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف” – غسان كنفاني، القميص المسروق

قال الكاتب المناضل غسان كنفاني هذه العبارة قبل اغتياله في 8 تموز 1972، فماذا كان سيقول اليوم عن استشهاد الأسرى الفلسطينيين في الإعتقال؟ فقد أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني يوم أمس الأحد 19 تشرين الثاني 2023، عن “اغتيال الأسير ثائر سميح أبو عصب بسجن النقب الصحراوي ليكون الأسير السادس الذي يغتاله الجيش الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول 2023، بعد 42 يوماً على شن الإحتلال الإسرائيلي عدوان جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي على قطاع غزة. واعتبرت الهيئة أن اغتيال أبو عصب (38 عاماً) المعتقل منذ 23 أيار 2005، والمحكوم ب 25 عاماً بالسجن، ما هو إلاً استمرار لمواصلة الإحتلال “تنفيذ عمليات اغتيال ممنهجة بحق أسرانا، وعن سبق إصرار”.

واستندت الهيئة في بيانها على ما وثقته من “عمليات التعذيب والتنكيل التي ينفذها الاحتلال على مدار الوقت بحق الأسرى، وهذا ما تعكسه كافة الشهادات التي تمكنا من الحصول عليها على مدار الفترة الماضية، والتي تتضمن معلومات مروّعة، منها ما تشير إلى إصابة المئات من الأسرى بإصابات مختلفة جرّاء عمليات التعذيب والتنكيل، التي تنفذها قوات القمع، وبمشاركة وحدات خاصة من جيش الاحتلال”.

ولفتت الهيئة في بيانها إلى أن “الجيش الإسرائيلي تعمّد فرض عزل مضاعف وغير مسبوق على أسرانا، للاستفراد بهم وقتلهم بعد 7 تشرين الأول 2023 من خلال عرقلة زيارات المعتقلين-الأسرى من قبل الطواقم القانونية، أو رفضها لها، وفرض إجراءات الهدف منها قتل الأسرى”.

وليس اغتيال أبو عصب سوى جريمة من آلاف الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، منذ العام 1967. فبحسب مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة فرانشيسكا ألبانيزي، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 800 ألف فلسطيني منذ العام 1967، محولة فلسطين إلى “سجن مفتوح”، وهو ما يشكل 15% من مجموع  سكّان الأرض الفلسطينية المحتلّة، من بينهم حوالي 50 ألف طفل، و17 ألف امرأة، بحسب المختص في شؤون الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة. ويقدر الجهاز المركزي للإحصاء في فلسطين المحتلّة عدد سكان الضفّة الغربية وقطاع غزّة بنحو 5.48 مليون نسمة بداية 2023.

ليس اغتيال الأسير الشاب أبو صعب بعد قضائه 18 عاماً من محكوميته البالغة 25 عاماً في سجون الإحتلال، إلاّ حلقة في سلسلة جرائمه التي أصبح حقوقيون عالميون مؤخراً  يوصفونها بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضدّ الانسانية بحق الشعب الفلسطيني.، وهو، أي الإغتيال، يأتي في سياق العدوان على المعتقلين، المكبلين العزل سواء في السجون أو أثناء عمليات الاعتقال والتوقيف والتفتيش التي زادت حدتها منذ اندلاع حرب 7 تشرين الأول على غزة، حيث يوثق نادي الأسير الفلسطيني، اعتقال سلطات الاحتلال 2960 فلسطينياً في الضّفة الغربية والقدس منذ إندلاع طوفان الأقصى، من بينهم حوالي 145 طفلًا، وأكثر من 100 امرأة. ومن هؤلاء الشابة المناضلة عهد التميمي التي ادعت سلطات الإحتلال “الاشتباه بتحريضها على العنف ونشاطات إرهابية في بلدة النبي صالح”، ونُقلت إلى سجن الدامون وما زالت قيد الإعتقال. 

ووفقًا لمعطيات مؤسسات الأسرى في فلسطين، فإن عدد الأسرى في سجون الاحتلال بلغ حتى نهاية شهر تشرين الأول نحو 7000 أسير وأسيرة مع المعتقلين بعد طوفان الأقصى، فيما لا تتوفر أعداد دقيقة للمعتقلين الأطفال. وبلغ عدد المعتقلين الإداريين إلى 2070، وبلغ عدد المعتقلين من غزة الذين صنفهم الاحتلال “بمقاتلين غير شرعيين” 105. 

الاعتقال تاريخياً

منذ النكبة وإلى اليوم واصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة الإبادة المجتمعية بحق الفلسطينيين بشتى الوسائل والطرق بغرض تحقيق مشروعه الاستعماري على أرض فلسطين، فاستمر بعمليات القتل الفردي والجماعي، وهدم البيوت وحرق الكروم والحقول والأراضي (سياسة الأرض المحروقة)، والسيطرة على الموارد الطبيعية، بهدف حرمان الفلسطينيين من مقومات بقائهم في أرضهم وصمودهم وتمسكهم بحقوقهم.

وشكلت حملات الاعتقال أحد أعمدة تلك السياسة الساعية إلى طمس الهوية الفلسطينية وإخراجها من التاريخ مرة وإلى الأبد، فتواصل الاعتقالات بحق مختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني نكبة 1948، ليؤكد حقيقة سياسة الاعتقالات التي تهدف إلى شلّ قدرة المجتمع الفلسطيني على التنظيم السياسي القادر على التصدي للمشروع الصهيوني.

طالت هذه الاعتقالات الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والمدرسين الذين رفضوا “أسرلة” التعليم، والأطفال الذين رفضوا تأدية تحية العلم الإسرائيلي، والقيادات القروية التي رفضت الخضوع للمساومات والابتزاز، والكتّاب والشعراء الذين تمسكوا بعروبتهم وقيّم النضال والفداء، والمناضلين السياسيين الذين عملوا على إعادة تنظيم المجتمع سياسياً للنهوض في وجه نتائج النكبة وذيولها، وهي سياسة نجد استمرارها اليوم بصورة وحشية غير مسبوقة، للانتقام من المجتمع الفلسطيني ومكوناته الحيّة، خاصة مع عجز آلة الحرب الصهيونية على ضرب المقاومة الفلسطينية وتوريثها للأجيال المتعاقبة.

الأطفال المعتقلون

بحسب مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، فقد اعتقلت سلطات الاحتلال 200 طفلاً منذ السابع من تشرين الأوّل،  منهم 26 طفلاً رهن سياسة الاعتقال الإداري. يتوزعون على سجن “عوفر” و”مجدو”، ومراكز التوقيف والتحقيق المختلفة، ومن بينهم 20 طفلاً تحت سن الـ16 عاماً. ويعاني المعتقلون الأطفال من نقص في كميات الطعام ومن رداءته بالأساس، من اٌهمال مصلحة السجون الشديد للنظافة في الغرف والمرافق العامة التي يُحتجز فيها الأطفال، حيث تنتشر الحشرات ولا تتوفر في الغرف تهوئة وإنارة مناسبتين.

وتستخدم سلطات الاحتلال القوة المفرطة أثناء اعتقال الأطفال، حيث وثقت مؤسسة الضمير شهادة الطفل ق.ع (17 عاماً) من مدينة بيت لحم، حيث قال أن جنود الاحتلال وبعد بتفجير باب منزله، قاموا بالهجوم عليه عليه، وضربه ضرباً مبرحاً، وتخويفه باستخدام الكلاب، قبل تكبيله من الخلف بشكل عنيف وأخذه إلى أحد المعسكرات، حيث تعرض هناك للضرب حتى سال دمه، ثم نقل بعدها إلى سجن عوفر. 

وبحسب مؤسسات الاسرى الفلسطينية تشير الإحصاءات والشهادات الموثّقة للمعتقلين الأطفال؛ إلى أنّ غالبية الأطفال الذين تم اعتقالهم تعرضوا لشكل أو أكثر من أشكال التّعذيب الجسدي والنّفسيّ، عبر جملة من الأدوات والأساليب الممنهجة المنافية للقوانين، والأعراف الدولية، والاتفاقيات الخاصة بحقوق الطّفل. كما ويعانون من إهمال طبي، إضافة إلى أشكال متنوعة من الإساءة اللفظية والضرب والعزل، والعقوبات الجماعية، من قبل السجّانين.

وكانت المنظمة الإسرائيلية الحقوقية “بتسليم” قد أشارت في نهاية حزيران 2023 إلى احتجاز سلطة السجون الإسرائيلية “147 قاصراً فلسطينياً كمعتقلين وأسرى تعرّفهم بأنهم “أمنيون””. إضافة إليهم، وفق بتسليم، كانت مصلحة السجون تحتجز، في الموعد نفسه، 26 قاصراً فلسطينياً بسبب مكوثهم غير القانوني في فلسطين المحتلة. وتشير المنظمة بصورة دورية إلى أن هذه الأرقام هي على مسؤولية مصلحة السجون والجيش الإسرائيلي وحدهما، مشيرة إلى تعدد الجهات التي تنفذ وتمارس الاعتقالات وفق تسميات مختلفة بينها الإعتقال الإداري وتصنيفهم بين أمنيين ومحكومين ومعتقلين و”استنادا إلى القانون”، ومعتقلين حتى نهاية التنفيذ ومعتقلين اداريين.

اعتقال وقتل الصحفيين لطمس الحقائق

وفق إحصاءات رسمية، وصل عدد الشهداء العاملين في الصحافة في غزة إلى 60 شهيداً خلال 42 يوماً من العدوان الوحشي على القطاع، كان آخرها استشهاد الصحفي والمحلل السياسي مصطفى الصواف، مع أفراد من عائلته في قصف إسرائيلي استهدف منزله في قطاع غزة فجر السبت 18 تشرين الثاني الجاري.

وبحسب مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة، فقد وثّق النادي 40 حالة اعتقال لصحفي وصحفية منذ السابع من تشرين الأول، منهم الصحفي المصاب المعتقل معاذ عمارنة الذي حُوّل للاعتقال الإداري، علماً أنّه كان قد فقد عينه نتيجة استهدافه من قبل قناصة الاحتلال نهاية العام 2019. كما اعتقلت قوات الاحتلال الصحفية سمية جوابرة، وعادت وأفرجت عنها بعد أسبوع ب”شروط  انتقامية قاسية” بحسب بيان صادر عن نادي الأسير، وهو أسر وسجن داخل المنزل. وتتمثل هذه الشروط  “بكفالة مالية بقيمة 10 آلاف شيقل، وبكفالة طرف ثالث بقيمة 50 ألف شيقل، بالإضافة إلى الحبس المنزلي غير محدد المدة، ومنعها من استخدام الانترنت، وإبقائها تحت رقابة منزلية، هي وزوجها، ووالدة زوجها لضمان تطبيق الشروط السابقة”.

واعتقلت جوابرة بعد استدعائها لمقابلة أجهزة مخابرات الاحتلال في مركز “شرطة الجبل” قرب مستوطنة معاليه ادوميم شرق القدس. ويقول زوجها طارق السركجي: “ذهبت وزوجتي للمركز، وبعد وصولنا أخذوا سمية لداخل المركز، وطُلب مني العودة للمنزل، بعد أن أُبلغت أن زوجتي معتقلة”. وسمية أم لـ3 أطفال (شمس 6 سنوات، سماء 4 سنوات وعبادة سنتان)، وهي حامل في الشهر السابع، وتحتاج تالياً لرعاية صحية خاصة.  

ويأتي استهداف الصحافيين الفلسطينيين ضمن حملة طمس الحقائق والتعتيم الإعلامي التي يمارسها المحتل لاخفاء جرائمه في فلسطين، وليستمر في تبييض صورته أمام شعوب العالم، والتي بدأت تتلطخ بالدماء خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت اليوم مصدراً مهماً للأحداث حول العالم. وأدان الاتحاد الدولي للصحفيين عملية استهداف الصحفيين من قبل قوات الاحتلال، وقال أمينه العام أنتوني بيلانجي، إن “الاستهداف الممنهج للمؤسسات الإعلامية هو محاولة مخزية من الجيش الإسرائيلي لإسكات صوت الإعلام، الذي ينقل الأخبار عن العنف الذي يمارسه في غزة، وهو مخالف للقانون الدولي. ويجب وضع حد لاستهداف الصحفيين والاعتداءات المقصودة عليهم”.

التنكيل بالمعتقلين والاعتداء عليهم أثناء عملية الاعتقال

تمارس مصلحة السجون الإسرائيلية كافة أنواع التنكيل والاعتداء على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الإحتلال. وقد أدى العنف المفرط بحقهم إلى استشهاد الأسيريّن عرفات ياسر حمدان (25 عامًا) من قرية بيت سيرا غرب محافظة رام الله، والأسير عمر دراغمة (58 عامًا) من مدينة طوباس شمال الضفة الغربية، إضافة إلى أبو عصب، ليرتفع عدد شهداء الحركة الفلسطينية الأسيرة إلى (243) شهيداً، وذلك منذ عام 1967، منهم 6 أسرى شهداء منذ 7 تشرين الأول، إضافة إلى مئات من الأسرى استشهدوا بعد تحررهم متأثرين بأمراض أصيبوا بها في السجون، فيما تواصل سلطات الاحتلال الاسرائيلية احتجاز جثامين 16 أسيراً شهيداً، كان أخرهم احتجاز جثمان الأسير الشهيد ثائر أبو عصب.

واستعرض نادي الأسير الفلسطيني شهادة أسير فلسطيني تحرر مؤخراً من سجن “مجدو” الواقع في منطقة سهل مرج  بن عامر. ويقول الأسير في شهادته: “يقوم جنود الاحتلال بجّر المعتقلين وهم مقيدون بعد اعتقالهم، ويطلبون منهم تقبيل علم دولة الاحتلال ويصورونهم معه، وإن رفض المعتقل ذلك، ينهال عليه الجنود بالضرب المبرح والشتائم، وبعد الانتهاء من الضرب، لا يقوم السجّانون ولا الجنود بمعالجة المعتقل المصاب، حتى ولو نزف الكثير من الدماء”.

ويضيف: “هناك اكتظاظ كبير في غرف الأسرى، حيث يتواجد في الغرفة الواحدة من 11 إلى 18 أسيراً، وينام معظم الأسرى على الأرض من دون أغطية، كما أن الطعام شحيح جداً، حيث يقدم للأسرى وجبتين فقط خلال اليوم، عبارة عن بيضة مسلوقة، بطاطا مسلوقة، والأكل رديء جداً، والكميات قليلة جداً”.

هذا وقامت مصلحة سجون الاحتلال بمصادرة مقتنيات الأسرى من ملابس وأحذية وكانتينا (وهي المكان المخصص لشراء الأسرى حاجياتهم)، ولم يتبق لكل أسير إلا اللباس الذي يرتديه.

وكشف  الصحفي الإسرائيلي هليل روزين، أن وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير، يلوح، منذ 7 تشرين أول 2023، بفرض عقوبات أشد على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، تتلخص بوضع خمسة أسرى في كل زنزانة وتقييدهم بالسلاسل طوال النهار والليل وتكون أرجلهم ملتصقة ببعضها البعض، وعدم الخروج من الزنزانة إلا للاستحمام خلال النهار، كما تتضمن هذه الإجراءات أيضا، النوم على مقاعد حجرية، وتوفير المياه للشرب فقط، وأن تكون المراحيض فتحة في الأرض.

وتقوم دولة الاحتلال بمخالفة المادتين 49 و76 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة المحتلة نقل الأشخاص المحميين وخاصة المحتجزين من الأرض المحتلة، حيث تحتجز سلطات الاحتلال اليوم آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال على أراضي فلسطين التاريخية، أي خارج نطاق الأرض المحتلة عام 1967.

سياسة الإعتقال الإداري

ضاعفت سلطات الاحتلال من استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقطاع، فقد صدر خلال شهر تشرين الأول 1034 أمر اعتقال إداري، مقابل 219 أمر اعتقال إداري فقط في نفس الشهر العام الماضي.

وأصدرت  سلطات الاحتلال أكثر من 55 ألف أمر اعتقال إداري بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة منذ العام 1967، وتستخدم قوات الاحتلال الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين من دون تهمة أو محاكمة استناداً إلى ملف سرّي لا يسمح للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليه، الأمر الذي يحول دون بلورة دفاع قانوني فعال، بحيث يحرم المعتقل من ضمانات المحاكمة العادلة المكفولة بموجب القانون الدولي. ويحتجز بموجب أوامر الاعتقال الإداري لفترات تتراوح بين ستة أشهر إلى ست سنوات أو أكثر، حيث يتم تجديد أمر الاعتقال الإداري بشكل مستمر.

هذا وتستخدم قوات الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري بغرض إحكام سيطرتها على الشعب الفلسطيني، والحيلولة دون ممارسته حقه في تقرير المصير. ويطال الاعتقال الإداري مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، فهو يطال الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، والفاعلين المجتمعين من الصحفيين والكتاب والأكاديميين والسياسيين والأطباء والمدافعين عن حقوق الإنسان، في محاولة لتقطيع أوصال الشعب الفلسطيني، ومنعه من التطوير كمجتمع حر يمارس نضاله السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وكان القائد العسكري الإسرائيلي لمنطقة الضفة الغربية قد أصدر أمرًا مؤقتًا يقضي بتعديل مواعيد الاعتقال الإداري التعسفي، لغاية 30/11/2023، وينصّ على إمكانية استصدار أمر اعتقال إداري بحق المعتقل خلال 8 أيام بدلًا من 72 ساعة، إضافة إلى إمكانية عرض المعتقل جلسة التثبيت الأولى أمام قاضٍ عسكري خلال 12 يومًا بدلًا من 8 أيام. وكلّ ذلك بهدف إعطاء وقت أكبر لأجهزة مخابرات وجيش الاحتلال للتحقيق والتنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين قبل عرضهم على قاضٍ عسكري، ولتأمين أدلّة سريّة تساعد في إصدار أوامر اعتقال إدارية من دون توجيه أي تهمة رسمية واضحة أو منح المعتقل حقّه في محاكمة عادلة.

معتقلي غزة، مقاتلين غير شرعيين

سنَّ الكنيست الإسرائيلي في شهر آذار من العام 2002، قانون “المقاتل غير الشرعي” (2002) وهو شكل من أشكال الاعتقال الإداري، مع بعض الفروقات البسيطة التي تحرم المعتقل من ضمانات المحاكمة العادلة.

وكما يحدث في الاعتقال الإداري، يسمح قانون المقاتل غير الشرعي لوزير الأمن الداخلي أو من ينوب عنه من القائد العسكري أن يصدر قرار اعتقال بحق أي شخص من قطاع غزة باعتباره مقاتلاً غير شرعي لمدة مفتوحة، ومن دون تحديد موعد لإطلاق سراحه، ومن دون تقديم لائحة اتهام بحقه، اعتماداً على أدلة سرية يطلع عليها القاضي فقط، ولا يتم إطلاع المتهم ومحامي الدفاع عليها.

تعرّف لوائح مصلحة السجون الاسرائيلية “المقاتل غير الشرعي” بأنه “كل إنسان محتجز في السجن بقوة أمر اعتقال موقع من قبل رئيس الأركان، ولا يستحق مكانة أسير حرب”. وقد اعتقل عشرات الفلسطينيين من قطاع غزة المحتل بموجب هذا القانون، وبخاصة أثناء العدوان الحربي في كانون الأول/ديسمبر 2008 وكانون الثاني/يناير 2009.

وبعد السابع من تشرين الأول الماضي، أجرت سلطات الاحتلال الاسرائيلية تعديلات على قانون المقاتل غير الشرعي، لكي يتواءم مع حجم الاعتقالات الكبير التي نفذتها بحق الفلسطينيين من قطاع غزة، بما يسمح لها بسلب أدنى الحقوق التي يحصل عليها المعتقل الفلسطيني، من خلال تلك القوانين العنصرية التي فرضتها هي من الأساس، ووجدت أنها تقيدها اليوم.

فبحسب مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، فقد أصدرت سلطات الاحتلال تعديلًا على قانون “المقاتل غير الشرعي بتاريخ 13 تشرين الأول 2023 تحت عنوان أنظمة الطوارئ، حيث شمل التعديل:

·        توسيع نطاق من يحق لهم إصدار أوامر الاعتقال ليشمل اللواء ومن أقل منه برتبة،

·        يعطى اللواء مدة 21 يوم لإصدار أمر الاعتقال بدل 7 أيام،

·        تُمدد مدة المراجعة القانونية لقرار الاعتقال من 14 يوم لتصبح 30 يوم،

·        تكون زيارة المحامي خلال 21 يوم قبل موعد المراجعة القانونية بدل 7 أيام،

·        المنع من لقاء المحامي على يد المسؤول عن إصدار قرار الاعتقال يصبح 28 يوماً من تاريخ الاعتقال بدل 10 أيام،

·        يمكن للقضاة تمديد المنع من لقاء المحامي مدة 45 يوم بدل من 21 يوم.

ويهدف هذا القانون أساساً إلى سحب صفة أسير الحرب من الأسير الفلسطيني، وخاصة المعتقلين يوم السابع من تشرين الأول وبعده، من عناصر فصائل المقاومة الفلسطينية الذين دخلوا ما يسمى ب “غلاف غزة”، رغم أن المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة تُعرّف أسرى الحرب على النحو التالي: “(أ) أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية هم الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو: 1ـ أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والميليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءاً من هذه القوات المسلحة. 2ـ أفراد الميليشيات الأُخرى والوحدات المتطوعة الأُخرى، بمَن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلاً، على أن تتوفر الشروط التالية في هذه الميليشيات أو الوحدات المتطوعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة…”.

الأسرى المرضى

بحسب وزارة الأسرى والمحررين بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال 700 أسير ومعتقل، يعاني جزء كبير منهم من أمراض مزمنة تهدد حياتهم، في ظل تقاعس مصلحة سجون الاحتلال عن تقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم، وتقديم الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية لهم.

وكان آخر هذه الانتهاكات نقل الأسير الفلسطيني وليد دقة (62 عاماً) والمصاب بسرطان نادر في النخاع العظمي، من “عيادة سجن الرملة” إلى معتقل “جلبوع” قرب مدينة بيسان، والذي يعتبر أحد أصعب السجون من ناحية ظروف اعتقال، مما يفاقم المخاطر والمخاوف على حياة الأسير دقة، بخاصّة في ظل عرقلة إدارة سجون الاحتلال لزيارات المحامين له. وكانت ظروف اعتقال دقة من الأساس أحد أهم الأسباب لوصوله لهذا الوضع الصحي الصعب.

الحرمان من الزيارة

علّقت سلطات الاحتلال الاسرائيلية زيارات لجنة الصليب الأحمر الدولي للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول الماضي، في خطوة تهدف إلى التنكيل بهم من دون وجود أي رقابة أو توثيق. وأكد مدير البعثة الفرعية للجنة الدولية للصليب الأحمر في الضفة الغربية آرنود ميفري، أن اللجنة ستواصل العمل مع الجهات ذات الشأن لتمكين طواقمها من استئناف زيارة معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، والاطلاع عن كثب على أوضاع المعتقلين الفلسطينيين هناك.

وتعرقل إدارة سجون الاحتلال زيارات المحامين الفلسطينين للسجون الاسرائيلية، من خلال الرد على طلبات الزيارة ب “أن طلبك قيد المتابعة”، أو بإعلام المحامي برفض الزيارة، وخاصّة في السجون التي تشدد فيها سلطات الاحتلال من إجراءات القمع والتنكيل بحق المعتقلين. وقيّدت زيارات الأهل لأبنائهم في السجون، إذ منعت زيارات الأهل لسجن عوفر القريب من رام الله، ويستمر حرمان الزيارة للمعتقلين من قطاع غزة.

وقبل حوالي شهرين من اليوم، قرر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تقليص زيارات العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية لأبنائها في سجون الاحتلال، من مرة كل شهر إلى مرة كل شهرين، ويشمل ذلك حوالي 1600 أسير فلسطيني.

“أقل من شعب”

يقول الأسير وليد دقة في دراسته «صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب»، 2010، إن إسرائيل منذ العام 2004 أنجزت نظامًا علميًا شاملاً وخطيرًا، يعتمد أحدث النظريات في الهندسة البشرية وعلم نفس الجماعات، بغية صهر الوعي الفلسطيني بتفكيك قيمه الجامعة.

ويضيف دقة: “إننا أمام مجموعة من النظم والمستويات المتناغمة، السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يمثل صهر الوعي واحدًا من أهم أهدافها. فيمثّل هذا النظام الإسرائيلي بكليته حالة من حالات الإبادة السياسية تهدف إلى التالي: عملية تفكيك مستمرة للبنية التحتية لمقولة الشعب، عبر الإجهاز على القيم الجامعة للشعب الفلسطيني، لا سيما قواه وفئاته الحاملة والمدافعة عن هذه القيم كالأسرى بصفتهم الطليعة النضالية، ليغدو الشعب الفلسطيني أقل من شعب وفوق الإبادة المادية”.

منذ العام 1967 إلى اليوم، تكون قوات الاحتلال قد اعتقلت أكثر من 800 ألف فلسطيني بينهم أكثر من 55 ألفاً اعتقلوا بموجب أوامر الاعتقال الإداري من دون تهمة أو محاكمة. ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، أضيف إليهم عشرة آلاف طفل فلسطيني. وعقــــب انتـــــــخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية في 2006، اعتقلت إسرائيل أكثر من 55 نائباً من أعضاء المجلس البالغ عددهم 120 نائباً.

ومن خلال الأوامر العسكرية الصادرة بحق الفلسطينيين منذ بداية الاحتلال، واصلت قوات الاحتلال إحكام القبضة العسكرية على الأرض الفلسطينية المحتلة وأهلها، حيث تجرّم هذه الأوامر كافة مناحي الحياة الفلسطينية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية. وبموجبها، يتم اعتقال آلاف الفلــــــسطينيين سنوياً، والسيــــطرة عـــــلى مواردهم الطبيعية، واقتلاعهم من أرضهم، وبناء المستوطنات عليها تحقيقاً لجوهر المشروع الصهيوني، وهو تهجير الشعب الفلسطيني عن أرضه، لتحقيق مشروع دولة إسرائيل الكبرى، على حساب الوطن العربي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، فلسطين ، محاكمة عادلة ، تحقيقات ، منظمات دولية ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية