تعويضات 4 آب (2): كيف وزّع الجيش المساعدات للمنازل المتضرّرة؟


2021-03-18    |   

تعويضات 4 آب (2): كيف وزّع الجيش المساعدات للمنازل المتضرّرة؟

“في ناس انكسر شباكها قام الجيش عوّض عليها، نحن عايشين برّات بيوتنا ما عنا حرام نتغطى فيه وبيقولولنا بعدين بتقبضوا”، هذه واحدة من التصريحات التي تعبّر عن استياء عدد من متضرّرين تفجير 4 آب لم يحصلوا بعد على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بمنازلهم  وجعلتها غير قابلة للسكن. وكان الجيش قد انتهى من توزيع مبلغ 150 مليار التي وصلت إلى خزينته على دفعتين، الأولى بقيمة 100 مليار ليرة والثانية بقيمة 50 مليار ليرة، وتمّ حصر التعويضات بالأضرار التي لحقت المنازل دون غيرها من الأضرار الأخرى كالسيارات أو أثاث البيوت وغيرها.

في الجزء الأوّل من هذا التحقيق حول عملية توزيع التعويضات على من تضررت منازلهم حصراً من تفجير المرفأ، توقّفنا عند قصص الأشخاص الذين لم يحصلوا على تعويضات إلى الآن والتقينا آخرين حصلوا على تعويضات لا تناسب الخسارة التي لحقت بهم، إضافة إلى مواقف المتضرّرين من “مبدأ الأولوية” الذي اعتمده الجيش اللبناني في توزيع التعويضات. 

في الجزء الثاني من التحقيق نعرض توضيح الجيش وردّه على تساؤلات الناس، وذلك استناداً إلى المؤتمر الصحافي الذي عقد بتاريخ 1 آذار 2021 بالإضافة إلى بيانه الصادر بتاريخ 10 آذار أي بعد الانتهاء من توزيع الدفعة الثانية من الأموال والتي بلغت 50 مليار ليرة، بالإضافة إلى إجاباته على أسئلة “المفكرة القانونية” عبر البريد الإلكتروني. ونسأل على أي أساس يقوم الجيش منفرداً بتوزيع هذه المساعدات في حين أنّ القانون 194/2020 أنشأ لجنة لتولّي مهام تخمين الأضرار وصرف التعويضات.

بالأرقام: نتائج المسح  وتوزيع المساعدات المالية

بدأ الجيش بإجراء عمليات المسح بعد مضي حوالي ثلاثة أسابيع على التفجير بناء على مقرّرات مجلس الوزراء في 5 آب 2020. فقامت 260 لجنة تتضمن 1000 عنصر عسكري و500 مدني بمسح الأضرار بشكلٍ تفصيلي، وبيّنت الأرقام أنّ الضرر المادي قد لحق بحوالي 87,519 ألف وحدة منها: 20 مؤسسة حكومية، 14,848 مؤسسة تجارية، 5,251 شركة تجارية، 991 مطعماً وحانة، 92 منشأة تعليمية، 14 مستشفى، 25 فندقاً، 91 منشأة دينية، 4100 قسم مشترك و62,087  وحدة سكنية منها 9000 وحدة غير قابلة للسّكن، بالإضافة إلى 130 بناءً أثريّاً، كما تمّ مسح حوالي 5000 سيارة متضرّرة.

 وقدم الجيش تقريراً مفصّلاً عن طبيعة الأضرار التي لحقت بالوحدات السكنية وشملت: 

 116,576 باباً، 14,481 من الأدوات صحية، 70,583 متراً مربعاً من البلاط، 48,646 من الأدوات الكهربائية، 33,979 قطعة من القرميد، 44,431 قطعة أثاث منزلي، 1,383,756 متراً مربعاً من الزجاج. 

وقبل المباشرة بعملية توزيع التعويضات قسّم الجيش المناطق المتضرّرة إلى قسمين: الأكثر ضرراً (على بعد حوالي 7 كيلومترات من التفجير) والمناطق الأقلّ تضرّراً، كذلك تمّ تصنيف الأبنية في المناطق كافة على الشكل التالي: A أثري، B سوبر دولوكس،C دولوكس، D متوسطة وسط، E دون المتوسطة.

بعد الانتهاء من عمليات المسح التفصيلي للشوارع والأحياء والوحدات السكنية كافة، باشر الجيش بتوزيع التعويضات المالية النقدية على شاغلي بعض الوحدات السكنية، وذلك من أموال الدفعتين الوحيدتين اللتين حوّلتهما الهيئة العليا للإغاثة إلى خزينة الجيش ومجموعهما 150 مليار ليرة لبنانية، وهي مبالغ مخصّصة لتعويض المتضرّرين من تفجير المرفأ وفقاً لـ”مبدأ الأولوية”.

لغاية 10 آذار 2021، بلغ عدد الوحدات السكنية التي قام الجيش بمنحها دفعة أولى من المساعدات المالية حوالي 20297 من أصل 62,087 وحدة سكنية متضرّرة شملها المسح، أي بنسبة 32.6%. وتراوح مقدار الدفعة الأولى بين 10 و60% من قيمة الأضرار وفقاً لحجم الضّرر الذي طال الوحدة، علماً أنّ المنازل الأقلّ تضرّراً حصلت على نسبة تعويض أعلى من المنازل الأكثر ضرراً، استناداً إلى جدول حول آلية احتساب التعويض الذي نشره الجيش.

في المرحلة الأولى، وبعد صدور المرسوم رقم 6979 في أيلول 2020 الذي فتح اعتماداً استثنائياً للهيئة العليا للإغاثة بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية، حوّلت الهيئة هذا المبلغ إلى خزينة الجيش الذي باشر بعملية التوزيع بتاريخ 26-10-2020، ومع انتهاء المبلغ حصلت 12,472 وحدة سكنية على الدفعة الأولى من التعويض. وصرّح الجيش في مؤتمره الصحافي أنّ هذا المبلغ قد ساهم بتغطية 23.3% من مجموع الخسائر الإجمالية لهذه الوحدات. 

وفي المرحلة الثانية، حصلت الهيئة العليا للإغاثة على سلفة خزينة بقيمة  50 مليار ليرة لبنانية بموجب المرسوم 7401/2020، فحوّلت الأموال إلى خزينة الجيش اللبناني الذي باشر عملية توزيع هذه المبالغ بين 15 شباط و10 آذار 2021. وقد شملت هذه العملية حوالي 7825 وحدة سكنية مصنّفة “متوسطة” و”دون المتوسطة” في المناطق الأكثر والأقل ضرراً.

تحديد “الأولوية” ضمن المستفيدين: المبالغ زهيدة والضرر كبير

أوضح الجيش في بياناته والمؤتمر الصحافي الذي عقده في 1 آذار 2021 وفي ردوده على أسئلة “المفكرة” أنّه يسعى إلى إيجاد آلية عادلة لتوزيع المبالغ “الزهيدة” التي تصل إلى خزينته وهي مبالغ لا تتجاوز نسبتها 10% من قيمة المبالغ التي خصّصها القانون رقم 194/2020 من أجل دفع التعويضات للمباني المتضرّرة والبالغة 1500 مليار ليرة لبنانية. وأفادت قيادة الجيش أنّ المبلغ المتوجّب تأمينه لاستكمال الدفعة الأولى (وفقاً للجدول المعتمد من قبلها) للوحدات السكنية المتضرّرة كافة هو 253,825,500,000.

وأشار الجيش إلى أنّ الأولية في توزيع هذه المبالغ كانت للوحدات السكنية الواقعة ضمن المناطق الأكثر قرباً من مكان التفجير والمصنّفة بـ”متوسطة” و”دون المتوسطة”. وقد أعطيت الأولوية للأضرار الأكثر إلحاحاً أي “المنشآت” من زجاج وأبواب وشبابك، وذلك ليتمكّن أكبر قدر ممكن من المتضررين من إصلاح منازلهم والسكن فيها.

كما أوضح الجيش أنّه في توزيع الدفعة الأولى من المساعدة المالية، تمّ استبعاد عدد من الوحدات السكنية. وأهمها: 

  • الوحدات التي قامت إحدى الجمعيات بترميمها، حيث ستقوم فرق من الجيش اللبناني بالكشف على عمليات التصليح والترميم ليتمّ التعويض في مرحلةٍ لاحقةٍ عن الأضرار التي لم تقم الجمعيات بتبنّيها. 
  • الشخص الذي لديه أكثر من وحدةٍ سكنية سيدفع له على الوحدة التي يشغلها فقط. 
  • لم يتم الدفع للشقة الشاغرة منذ ما قبل التفجير، ولا لشاغل الشقة المقيم خارج البلاد، ولا للشاغل الذي لا يرغب في الاستفادة من المساعدة، كذلك الأمر بالنسبة للشقق المهجورة والمباني قيد الإنشاء. 
  • أما المباني المهدّدة بالانهيار أو المنهارة  فسيتم التعويض عنها ضمن برنامج مساعدات أخرى من قبل محافظة بيروت.

 

رد الجيش على تساؤلات المتضرّرين 

وردّاً على بعض ملاحظات المتضرّرين الذين لم يلحقهم التعويض خصوصاً المشرّدين خارج منازلهم نتيجة الأضرار الجسيمة اللاحقة بها، اعتبرت قيادة الجيش في ردوده على أسئلة “المفكرة”، أنّه في ظل قلّة المبالغ التي تصل إلى خزينة الجيش فالأولوية هي للتعويض على أكبر عددٍ من الوحدات السكنية المتضرّرة وهي الفئة المصنفة بـ”متوسطة الأضرار” و”دون المتوسطة”، أما الشقق السكنية التي تحتاج إلى أموال طائلة لترميمها فستترك لمراحل ثانية. لذلك قد يحدث أن يتمّ التعويض عن إحدى الشقق في المبنى ذاته دون غيرها، “بتكون الشقة ايلي ما اتعوض عليها مصنفة بفئة ثانية يعني أضرارها أكثر، وهاي بيتعوض عليها لاحقاً”، بحسب ردّ الجيش في مؤتمره الصحافي في 1 آذار 2021. 

أما الجرحى الذين أصيبوا بإعاقاتٍ جسديّةٍ فاعتبر الجيش في المؤتمر أنّ القانون 196/2020 لحظ موضوعهم، وقد جاء في القانون “أن الأشخاص الذين أصيبوا باعاقةٍ كاملةٍ أو جزئيةٍ من جراء التفجير أصبحوا مشمولين مدى الحياة بالتقديمات الصحية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”، علماً أنّ هذه التقديمات تغطّي فقط الجانب الطبي، أي إذا احتاج أحد هؤلاء إلى دخول المستشفى، ولا يشمل أي تعويض مادي من شأنه مساعدتهم في تأمين قوت يومهم بعدما باتوا عاجزين عن مزاولة أي عمل أو وظيفة. 

هكذا يكون الجيش قد أعطى الأولوية للمساكن الصغيرة والمتوسطة التي كانت مسكونة قبل التفجير والتي لم تلحق بها أضرار كبيرة، وذلك بهدف تسهيل عودة أكبر عدد ممكن من السكّان إلى منازلهم. وتعليقاً على معايير الأولوية التي اعتمدها الجيش، رأت المحامية غيدة فرنجية مسؤولة قسم التقاضي في “المفكرة”، أنّ هذه المعايير “لم تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسّكان المتضرّرين”، معتبرةً أنه يجب الانطلاق من هذه العوامل “لدى تحديد الأولوية بالحصول على التعويض في ظل شحّ الموارد”. ورأت فرنجية أنّ الخلل الأساسي يكمن بداية في “غياب الرؤية الشاملة لدى الدولة لتعويض جميع الأضرار الناتجة عن تفجير المرفأ”، ومن ثمّ في “تعطيل آلية التعويض عن الأضرار في المباني التي نصّ عليها القانون رقم 194/2020 المتعلّق بإعادة الإعمار”، وذلك “مقابل توسيع صلاحيات الجيش في مهام التعويض” حيث “يعتمد الجيش على آلية لتوزيع المساعدات مختلفة عن تلك التي أقرّها مجلس النوّاب”. 

توسيع صلاحيات الجيش على حساب لجنة إعادة الإعمار والهيئة العليا للإغاثة

بموجب القانون رقم 194/2020 الرامي إلى حماية المناطق المتضرّرة نتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها، تمّ تشكيل لجنة يترأسها ممثل عن قيادة الجيش وتضمّ ممثلين عن عدد من الإدارات الرسمية المعنية بعملية إعادة الإعمار (وزارات الداخلية والمالية والثقافة والأشغال العامة، ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة والمؤسسة العامّة للإسكان) بالإضافة إلى نقابة المهندسين في بيروت. وحدّد القانون مهام اللجنة وهو تلقّي كل الوثائق المتعلّقة بالأضرار التي تمّ حصرها أو مسحها من أي جهة كانت، بالإضافة إلى تخمين كلفة إعادة الإعمار أو الترميم أو الإصلاحات وتحديد قيمة التعويض المناسب لكل عقار متضرّر. وحدد القانون في المادة الرابعة منه تحت عنوان “التعويضات”، أن يصدّق مجلس الوزراء على قوائم الأضرار والتعويضات التي تحضّرها اللجنة، وتقوم اللجنة بصرف التعويضات وفقاً لآلية يقرّرها مجلس الوزراء على أن تشمل جميع الأبنية المتضرّرة في المناطق كافة وأن تعطى الأولوية للفئات الأكثر حاجة بين المتضرّرين.

إلاّ أنّ هذه اللجنة المعنية بإعادة الإعمار لم تجتمع سوى مرّة واحدة حين أطلقت عملها بتاريخ 10 تشرين الثاني 2020 وذلك بحسب بيان وزارة الدفاع وكل من محافظ بيروت القاضي مروان عبود، ورئيس بلدية بيروت جمال عيتاني ونقيب المهندسين جاد تابت. وبالتالي ونتيجة تعطيل عمل اللجنة، أصبحت المسائل كافّة من مسح للأضرار إلى تخمينها وتوزيع التعويضات في عهدة قيادة الجيش منفردة. ووفقاً للمحامية غيدة فرنجية، “لم تتضح أسباب تعطيل اللجنة علماً أنّها لا تحتاج لمراسيم تطبيقية من أجل مباشرة عملها بتوحيد عمليات المسح وتحضير قوائم الأضرار والتعويضات”، وتؤكّد فرنجية أنّ “الاستمرار بتعطيل دور اللجنة سيشكّل عائقاً كبيراً أمام إمكانية المتضرّرين مادياً بإصلاح الأضرار وعودتهم السريعة إلى منازلهم كما وعودة الحياة إلى الأحياء المتضرّرة”.

في المقابل اقتصر دور الهيئة العليا للإغاثة التي من مهامها إدارة شؤون الكوارث، على تحويل الأموال إلى خزينة الجيش اللبناني بالإضافة إلى الإشراف على مساعدات الجمعيات والمنظمات القادمة من الخارج عبر المرفأ، وتوزيع المساعدات المالية لورثة الضحايا الذي قضوا بالتفجير، وذلك بحسب مقابلةٍ مع رئيس الهيئة العليا للإغاثة محمد خير حيث تمّ تحويل مبلغ 150 مليار ليرة لغاية الساعة.

على الرغم من أنّ مهام الهيئة العليا للإغاثة واضحة في قرار تأليفها 35/1 في عام 1976 وفي التعديلات اللاحقة التي طرأت عليه، وتشمل قبول الهبات المقدّمة إلى الدولة اللبنانية على اختلاف أنواعها وتوزيع هذه الهبات ووضع الإحصاءات والمعلومات وتأمين الأموال اللازمة لتأمين العمل، والاستعانة بمن تشاء من موظفي الإدارات العامة والمؤسسات العامّة لهذه الغاية، لتصبح في العام 1997 مسؤولة عن إدارة شؤون الكوارث على أنواعها، إلاّ أنها تحوّلت الى صندوق بريد مع حلول كارثة المرفأ حيث تسلّم الجيش زمام الأمور.

 وبحسب خير فإنّه مع وقوع التفجير عقدت جلسةٌ طارئة لمجلس الدفاع الأعلى ورفعت توصياته (إلى مجلس الوزراء الذي اقّرها في 5/8/2020) أبرزها إعلان بيروت مدينة منكوبة، وتشكيل خليّة أزمة لمتابعة الكارثة، وكلّفت الهيئة العليا للإغاثة بإجراء المسح الأوّلي، حيث قامت شركة “خطيب وعلمي” باعتبارها الشركة الاستشارية للهيئة، بأعمال المسح بالتعاون مع نقابة المهندسين وبلدية بيروت، وكان الهدف الخروج بنتائج أوّلية لعرضها على المشاركين في باريس حيث سيتم عقد مؤتمر دولي دعماً للبنان. أنجز الفريق عمله بعدها ونظراً لهول الأضرار على حد قول خير، والحاجة إلى فريق عمل كبير ومتخصّص، تسلّم الجيش اللبناني عمليات المسح التفصيلي  وزمام الأمور كافة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ ، مقالات ، ملكية خاصة ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *