تعميم “أصالة” إحتراماً للمشاهير: ماذا بشأن آلاف التوقيفات الممنهجة في قضايا إستهلاك المخدرات؟


2017-06-29    |   

تعميم “أصالة” إحتراماً للمشاهير: ماذا بشأن آلاف التوقيفات الممنهجة في قضايا إستهلاك المخدرات؟

بتاريخ 25/06/2017 تم القبض على المطربة أصالة نصري في مطار بيروت جراء اكتشاف بعض الغرامات من مادة الكوكايين المخدرة في حقيبتها الخاصة أثناء مغادرتها الأراضي اللبنانية الى القاهرة. وبعد إنتهاء التحقيق الأولي معها، تم الإفراج عنها بضعة ساعات فقط بعد توقيفها مع ضمان محل إقامة لها في بيروت. وقد أثارت هذه القضية تفاعلات لدى الرأي العام، لا سيما إزاء ما اعتُبر معاملة تمييزية لمطربة مشهورة وذات نفوذ إجتماعي وإقتصادي، مقارنة مع آلاف الأشخاص الذين يتم توقيفهم سنوياً بشكل ممنهج من قبل النيابة العامة بسبب إستهلاك المخدرات (وغالباً ما يدوم هذا التوقيف لأيام عدة في المخافر). ورداً على ذلك، أكد النائب العام لدى محكمة التمييز، القاضي سمير حمود (بحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام)، أن التعامل مع قضية المطربة أصالة، قد تم وفق ما يتم التعامل به مع قضايا استهلاك المخدرات المشابهة. إذ – وبحسب أقواله – هناك تعميم "شفهي" من قبله للنواب العامين في المناطق مفاده عدم توقيف مستهلكي المخدرات، بل إحالتهم إلى جهات تتولى علاجهم مع خضوعهم لفحوصات دورية لمعرفة ما إذا كانوا قد إستمروا باستهلاك المخدرات أم أقلعوا عنها. وفي حين ترحب جمعيتي "سكون" و"المفكرة القانونية" بالإعلان عن مثل هذا التعميم المستحدث للنيابة العامة التمييزية، يهمهما التذكير بالأمور التالية:
 

  • أن التعميم الشفهي المذكور يشكل ترجمة، طال إنتظارها، لمبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب" المنصوص عنه في قانون المخدرات اللبناني، لا سيما في المادة 127 منه التي تنص على وقف ملاحقة من يذعن (أي يخضع) لإجراءات العلاج من الإدمان المنصوص عليها في القانون عينه. وفي حين كان تم تكريس هذا المبدأ في اجتهاد المحاكم اللبنانية (قضاة الحكم) تبعاً لمخاض طويل نشطت به لسنوات عدة جمعيتي "سكون" و"المفكرة القانونية"، وتبعاً لتفعيل لجنة مكافحة الإدمان أوائل سنة 2013 من قبل وزير العدل الأسبق شكيب قرطباوي، لقي المبدأ ممانعة لدى قضاة الملاحقة (نواب عامين وقضاة تحقيق). فعلى الرغم من هذا المبدأ المكرس قانوناً، عمدت النيابة العامة إلى توقيف كل من قبض عليه بسبب إستهلاكه لمادة مخدرة بشكل ممنهج، وإبقائه في زنزانات المخافر لأيام معدودة، غالباً ما تتخطى السقف المسموح به قانوناً.
     
  • أنه سبق وصدر تعميم مشابه من النائب العام التمييزي نفسه (القاضي سمير حمود)، بتاريخ 17/02/2014 الى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لم يأتِ حينها على ذكر "الإحالة الى العلاج" (وهو ما تم عملياً إستحداثه في التعميم المذكور أعلاه). وقد جاء حرفياً في التعميم المذكور ما يأتي: "نفيدكم أننا طلبنا من جميع قضاة النيابات العامة عدم توقيف الأشخاص المشتبه فيهم بجرم تعاطي المخدرات والإسراع ببت محاضر الموقوفين على ذمة التحقيق بحيث لا يتجاوز التوقيف على ذمة التحقيق الفترة الزمنية المحددة بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية". لكن سرعان ما تبين أن غالبية النواب العامين إستمروا في العمل بسياسة التوقيف الممنهج في مثل هذه القضايا وبوتيرة أدت إلى إزدياد حالات التوقيف السنوية (بحسب الإحصاءات الرسمية لمكتب مكافحة المخدرات) بدلاً من إنخفاضها. وقد وصلت نسبة التوقيف إلى معدل /3000/ موقوفاً سنوياً تقريباً بتهمة إستهلاك المخدرات.
     
  • أنه وفي مطلق الأحوال، فإن تعميم 2014 كما التعميم الشفهي المُعلن عنه بمناسبة قضية أصالة لم ينص على "وقف ملاحقة" الشخص الذي يتم القبض عليه فور تعهده بالعلاج. ويشار هنا إلى أن القانون يفرض في هذه الحالات وقف الملاحقة مؤقتاً إلى حين إكمال العلاج، على أن تعود الملاحقة في حال إنقطاع المتسهلك عنه. وكان المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته أوضح تبعاً لصدور التعميم الأول سنة 2014، أنه وبعد الإفراج عن مستهلك المخدرات، يطلب منه الخضوع لفحوصات مخبرية دورية (شهرياً) يتقدم بنتائجها جانب مكتب مكافحة المخدرات المختص من دون أن تتوقف الملاحقة بحقه. وفي الواقع، يتفاجأ المُفرج عنه بعد بضعة أسابيع بتبليغه ورقة دعوة لمحاكمته أمام قاضي منفرد جزائي أو أحياناً أمام محكمة الجنايات، على أساس إستهلاك المخدرات (المادة 127 من قانون المخدرات). والمطلوب اليوم من قضاة الملاحقة، لا سيما النواب العامين منهم هو الإلتزام الحرفي بنص قانون المخدرات ومبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب" الذي يقتضي إعماله في جميع مراحل الملاحقة والمحاكمة، بحيث لا يكتفون بالإفراج عن مستهلك المخدرات وإحالته الى مركز علاج وحسب، بل – والأهم – يوقفون الملاحقة بحقه، مؤقتاً إلى حين إكمال علاجه.
     
  • أخيراً، من المهم الإشارة الى أن الإلتزام بسياسة الإفراج عن جميع مستهلكي المخدرات، تبقى من أولويات أي سياسة تهدف الى مكافحة الإدمان بنجاح، لا سيما إزاء واقع التوقيف المزري والبائس في المخافر اللبنانية وحالات التعذيب الممنهج الذي يخضع له المحتجزون، والموثقة جميعها في عدة تقارير صادرة عن منظمات غير حكومية. وقد شاع مؤخراً خبر وفاة أحد الملاحقين في تهمة إستهلاك المخدرات[1] في داخل نظارة مكتب مكافحة المخدرات المركزي في بيروت (المعروف بمخفر حبيش)، ورُجح أن تكون تسببت بها أوضاع الاحتجاز الدونية. فهذه العوامل تؤدي عملياً إلى إضعاف إرادة مستهلك المخدرات بالخضوع إلى العلاج وتفرغ مبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب" المنصوص عنه في قانون المخدرات من مضمونه.

 

بالمناسبة ندعو كل من يتم إحتجازه بسبب إستهلاك مادة مخدرة ولا يفرج عنه ويحال الى العلاج وفق لما جاء في تعميم "أصالة" أن يتصل بجمعية "سكون" لتوثيق حالته. (رقم هاتف جمعية "سكون": 01/202.714)   

 


[1] رضوان مرتضى، "من قتل عدنان ذبيان؟ الموقوفون «يُعدَمون» في النظارات"، جريدة "الأخبار"، العدد 3208، 23/06/2017.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية