تعليق على مشروع قانون السجل الوطني للمؤسسات: مخاوف على حرية تأسيس الجمعيات في تونس


2018-08-21    |   

تعليق على مشروع قانون السجل الوطني للمؤسسات: مخاوف على حرية تأسيس الجمعيات في تونس

صادق مجلس نواب الشعب في تونس بجلسته العامة المنعقدة في 27 جويلية 2018 على مشروع قانون يتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات الذي يهدف في الفصل الأول منه “إلى تدعيم شفافية المعاملات الاقتصادية والمالية عبر تجميع المعلومات والبيانات والوثائق الخاصة بالأشخاص الطبيعيين والمعنويين والترتيبات القانونية الناشطين في المجال الاقتصادي وبالجمعيات لحفظها ووضعها على ذمة العموم وهياكل الدولة المعنية بتلك المعلومات”.

من خلال قراءة هذا الفصل، لا تبدو لنا بصفة واضحة العلاقة التي تربط الجمعيات بالمؤسسات الاقتصادية ذات الأهداف الربحية والتي على أساسها تم إعداد مشروع هذا القانون الذي يرسي رقابة عليهما معا. فالجمعية “اتفاقية بين شخصين أو أكثر يعملون بمقتضاها وبصفة دائمة على تحقيق أهداف باستثناء تحقيق أرباح”[1]. فهي عموما لا تهدف إلى تحقيق الأرباح باستثناء الصنف الخاص من الجمعيات الخاضعة للمرسوم عدد 117 لسنة 2011 المؤرخ في 5 نوفمبر 2011 المتعلق بتنظيم نشاط مؤسسات التمويل الصغير.

ولذلك فليس من الممكن من حيث المبدأ إخضاع الجمعيات إلى نفس الوضعية القانونية للمؤسسات التي تهدف أساسا إلى الربح من خلال نشاطها وذلك خاصة من حيث الالتزامات المالية والجبائية. فحسب ما ورد بتقرير لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة بمجلس النواب “يشمل [مشروع القانون] جميع الناشطين الاقتصاديين وليس فقط التجار على معنى المجلة التجارية التونسية وهم التجار والمهنيين والحرفيين والمؤسسات العمومية التي يفرض القانون تسجيلها وكذلك الجمعيات”[2].

وعلى إثر تقديم مشروع هذا القانون أبدت عدد من منظمات المجتمع المدني في تونس اعتراضاتها ضدّه، للأسباب المبينة أعلاه، متمسكين بضرورة إخضاع الجمعيات إلى أحكام المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات. إلا أن عديد النواب صلب اللجنة التشريعية اعتبروا أن إضافة الجمعيات إلى المؤسسات التي ينطبق عليها هذا القانون في محلّه لأنها “أصبحت فاعلا أساسيا في الدورة الاقتصادية في إطار الاقتصاد الاجتماعي التضامني بما يتوجب توفير كل مقومات الشفافية لا سيّما في المعاملات المالية ووجوب توفر كل المعطيات المتعلقة بتركيبتها وأنشطتها وتمويلها”[3].

وبالتالي فالجمعيات التي يهدف المشرع إلى إقحامها صلب هذا القانون هي أساسا الجمعيات الناشطة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتي لم يضع لها المشرع نظاما قانونيا بعد[4] والجمعيات المختصة في التمويل الصغير والتي خصّها المشرّع بنظام قانوني خاص دون غيرها. فتضمين الجمعيات باختلاف أصنافها ضمن هذا القانون تحت غطاء تأسيس رقابة على صنف أو صنفين منها هو تغيير غير مبرر للوضعية القانونية للجمعيات وإخضاعها لنظام قانوني لا يخصّها ولا يعنيها نظرا لكونها لا تهدف إلى تحقيق الربح المادي.

مشروع قانون تسبب في عديد الخروقات الدستورية والاجرائية

أول وأخطر هذه الخروقات تتمثل في أن مجلس نواب الشعب قد صادق على مشروع هذا القانون، الذي تم من خلاله تعديل النظام الجبائي للجمعيات أي تعديل النظام القانوني لها، بصفته مشروع قانون عادي. وهو ما يعارض أحكام الفصل 65 من الدستور الذي ينصّ على أن تنظيم الجمعيات وتمويلها (أي وضع نظام قانوني يتعلّق بالجمعيات أو بتمويلها أو تعديله أو إلغائه) يتم وجوبا بمقتضى قانون أساسي وهو ما يتطلّب وفق أحكام الفصل 64 من الدستور موافقة الأغلبية المطلقة من نواب المجلس عوضا عن أغلبية الثلث التي تكفي للمصادقة على القوانين العادية[5].

ثانيها أن مشروع هذا القانون قد خلق صنفا جديدا من القضاء وهو “قضاء السجلات” والذي ليس له وجود بالمحاكم ولم ينصّ عليه أي قانون من قبل[6]. وهو ما يعتبر كذلك خرقا لأحكام الفصل 65 من الدستور الذي يجعل تنظيم العدالة والقضاء ضمن مجال القوانين الأساسية. إذ أن التنصيص على وجود صنف جديد من القضاء مختصّ بذاته في القضاء المتعلق بالسجلات هو تحوير للنظام القضائي ولقواعد الاختصاص وليس مسّا لإجراءات التقاضي فقط. وإن كان كذلك لنصّ مشروع القانون على القاضي المختصّ أصالة وأسند إليه صلاحية النظر في القضايا المتعلقة بالسجلات وهو ما لم يفعله المشرع. ولذلك فلا يندرج ذلك ضمن مجال “الإجراءات أمام مختلف أصناف المحاكم” التي نص عليها الدستور وجعل تنظيمها من مجال القوانين العادية.

ثالثها أن مشروع هذا القانون قد تمت مناقشته صلب لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة والتي حصر النظام الداخلي مجال اختصاصها في “الفلاحة والصيد البحري والأمن الغذائي – المياه والغابات – الصناعات التقليدية – التجارة والأسعار- النقل والاتصالات – السياحة – الصناعات التحويلية الغذائية”.[7] ويمكن تفسير ذلك بكون مشروع القانون لم يكن الهدف منه بتاتا تنظيم الجمعيات أو تمويلها. فاختصاص هذه اللجنة ينحصر في هذه المجالات التي لها صبغة اقتصادية وبالتالي فمناقشة النظام القانون للجمعيات يعدّ مخالفة للنظام الداخلي للمجلس الذي يسند المسائل المتعلقة بالمجتمع المدني ضمن صلاحيات لجنة الحقوق والحريات[8]. فحتى الجمعيات التي تهتم بالأنشطة التي تدخل في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تعتبر من منظمات المجتمع المدني ولا يمكن المساواة بينها وبين الشركات الهادفة للربح فقط.

ومن الخروقات الإجرائية أيضا أن اللجنة لم تستمع بما فيه الكفاية خلال مناقشتها لمشروع القانون إلى الهياكل المعنية مباشرة به وهي الجمعيات. إذ أن اللجنة لم تستمع بخصوص الوضعية القانونية للجمعيات سوى إلى وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان الذي أكد على ضرورة تضمين الجمعيات بهذا المشروع “نظرا لأنها تقوم بمعاملات اقتصادية وتتلقى أموالا من الخارج”[9] وكذلك المدير العام الجمعيات والأحزاب السياسية برئاسة الحكومة ثم في مرحلة أخيرة إلى رئيس المرصد الدولي للجمعيات والتنمية المستدامة.

مشروع قانون يمس من وضعية الجمعيات وحقوقها

لا يمثل مشروع هذا القانون نظاما قانونيا طبيعيا للمجتمع المدني ويؤثر بالضرورة إلى نشاطه إذ لم تتم الإشارة صلب وثيقة شرح الأسباب إلى الجمعيات لا بصفة صريحة ولا بصفة ضمنية وقد تم ذكر الشركات والمؤسسات الاقتصادية فقط. إذ يمس مسّا صارخا من حقوق الجمعيات ويضع واجبات جديدة لم تكن موجودة من قبل ويكرس عقوبات زجرية مشددة سواء على الجمعية بوصفها شخصا معنويا أو على الممثل القانوني لها بوصفه شخصا طبيعيا.

فالفصل 23 من القانون ينصّ على جملة الوثائق التي يجب على الجمعية إيداعها بالسجل الوطني للمؤسسات على غرار “بطاقة الإعلام بالبلوغ الموجهة للكاتب العام للحكومة” في حين أن المرسوم عدد 88 لسنة 2011 أقر التأسيس الضمني للجمعيات التي لا تتحصل على هذا الإعلام وإمكانية مباشرتها لنشاطها[10] مما يعني أن هذا القانون لا يخولها بصفة ضمنية تكوين جمعية لم يتم تمكينها من إعلام بالبلوغ. وهو ما يمثّل حدّا لحرية تكوين الجمعيات التي نصّ عليها الفصل 35 من الدستور التونسي. وهو ما يجعل إعلام القبول يذكّرنا بتأشيرة وزارة الداخلية التي كان منصوصا عليها بالقانون القديم للجمعيات الذي تم إلغاؤه.

كما يلغي هذا القانون خاصة من خلال نظام العقوبات السجنية التي أسس لها[11] بصفة غير مباشرة أحكام الفصل 15 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 الذي ينصّ على “لا يعدّ مؤسسو ومسيرو الجمعيات والمنخرطون فيها مسؤولين شخصيا عن الالتزامات القانونية للجمعية”. فمن خلال التأسيس لعقوبات سجنية كجزاء للامتناع عن التسجيل أو التأخير في القيام به سيثني المواطنين من تكوين الجمعيات والنشاط بها وذلك لكونهم مهددين من جراء ذلك.

ولكل هذه الأسباب، فإن ضمّ الجمعيات إلى مجال انطباق هذا المشروع يعدّ من الناحية القانونية مخالفا لأحكام الدستور من جهة، كما هو خرق صارخ لأحكام النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب. كما يعدّ كذلك خرقا لمبدأ الديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور في توطئته وذلك لتغييب الجمعيات وعدم الاستماع إليها طوال مسار إعداده. وهو ما دفع ثلاثين نائبا بمجلس نواب الشعب إلى الطعن بعدم دستوريته أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين.

 


[1]  الفصل 2 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات.

[2]  تقرير لجنة الفلاحة والأمن الأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة بخصوص مشروع القانون المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات، 23 جويلية 2018، ص. 10.

[3]  تقرير لجنة الفلاحة والأمن الأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة بخصوص مشروع القانون المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات، 23 جويلية 2018، ص. 15.

[4]  فلا يزال مشروع القانون المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين يدي وزارة التكوين المهني والتشغيل التي تقوم بتنظيم استشارة عمومية حوله عبر موقعها الالكتروني.

[5]  الفصل 64 من الدستور.

[6]  الفصل 43 وما يليه من مشروع القانون المتعلق بالسجل الوطني للجمعيات.

[7]  الفصل 87 (4) من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.

[8]  الفصل 87 (2) من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.

[9]  تقرير لجنة الفلاحة والأمن الأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة، ص. 20.

[10]  الفصل 11 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات.

[11]  ينص الفصل 53 من مشروع القانون على “يعاقب بخطية من ألف دينار الى خمسة آلاف دينار كل شخص تقاعس عن إتمام إحدى العمليات المذكورة بالفقرة الأولى من الفصل 42 وبالفصل 51 وتقضي المحكمة في كل الأحوال بإلزام المحكوم عليه بإتمام العملية المطلوبة.

وفي صورة العود تضاعف الخطية.

غير أنه إذا تعلق العود بعدم التسجيل يعاقب الممتنع بالسجن مدة عام وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *