تعليق تنفيذ اضراب بحكم قضائي في المغرب


2023-02-22    |   

تعليق تنفيذ اضراب بحكم قضائي  في المغرب
من صفحة المراقبين الجويين الرسمية على فيسبوك

في سابقة تعد الأولى من نوعها، أصدر رئيس المحكمة الاجتماعية بالدار البيضاء يوم 17/02/2023 أمرا استعجاليا[1] يقضي بإيقاف إضراب المراقبين الجويين بمطار محمد الخامس بشكل مؤقت، والذي كان مقررا يوم الثلاثاء 21 فبراير  من العام الجاري، وذلك إلى غاية البت بصفة نهائية في الدعوى الرامية إلى بطلان هذا الإضراب المرفوعة أمام قضاء الموضوع.

تكمن أهمية هذا الأمر الاستعجالي الذي تنشره المفكرة القانونية في كونه يعيد إلى الواجهة مطالب تقنين الحقّ في الإضراب في وقت توالى فيه صدور الأحكام القضائية التي تضيق من نطاق ممارسته.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 16/02/2023 حينما تقدم المكتب الوطني للمطارات بمقال استعجالي أمام المحكمة الاجتماعية بالدار البيضاء يعرض فيه بأنه مؤسسة عمومية استراتيجية وأنه توصّل بإشعار بإضراب صادر عن الهيكل النقابي للمراقبين الجويين بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، الذي يعتزم القيام بإضراب عن العمل بتاريخ 21/02/2023، وذلك بتقييد حركة الطائرات عبر السماح بإطلاق طائرة واحدة كل خمسة عشر دقيقة لمدة عشرة أيام، قابلة للتمديد ابتداء من يوم الثلاثاء 21 فبراير على الساعة الثالثة بعد الزوال مع استثناء طائرات الدولة والقصر الملكي والطائرات العسكرية الطبية والطائرات ذات الطابع الإنساني.

وأضافت عريضة الدعوى أن هذا الاضراب عشوائي وغير مشروع لأنه إضراب تضامني محض مع أحد الأجراء الذي قرر المكتب الوطني للمطارات نقله وسحب شارة ولوجه إلى المطارات إثر انخراطه في جمعية مخالفة للقانون. كما أن الإعلان عن هذا الاضراب مخالف للدستور الذي ينص في فصله 154 منه على أنه يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس (….) الاستمرارية في أداء الخدمات، وأن المكتب الوطني للمطارات هي مؤسسة عمومية استراتيجية من الناحية الاقتصادية والسياسية والدولية وهو ملزم بضمان استمرارية أداء الخدمات، ملتمسة من القضاء الاستعجالي الحكم بإيقاف الاضراب المعلن عنه الى حين البت في الدعوى المقدمة أمام قضاء الموضوع والتي تهم بطلانه.

موقف المحكمة

استجابت المحكمة الاجتماعية بالدار البيضاء إلى طلب إيقاف الإضراب المعلن عنه، اعتمادا على الحيثيات التالية:

  • ‘إن كان الاضراب حقا دستوريا بغرض الدفاع عن مصالح الأجراء، فإن من شروطه عدم التعسف في ممارسته وعدم تعطيل المصالح والمرافق حتى لا يتحول إلى تعسف في استعماله؛
  • من شأن تقييد الرحلات الداخلية والخارجية بالسماح بإطلاق طائرة واحدة كل 15 دقيقة لمدة 10 أيام قابلة للتمديد عرقلة حركة النقل الجوي المرتبطة بالأشخاص والبضائع والتأثير على الاقتصاد الوطني؛
  • أمام توفر حالة الاستعجال ولأن الأمر يتعلق بإجراء من الإجراءات الوقتية الذي ليس فيه أي مساس بأصل الحق فإن ذلك يستدعي تدخل قاضي المستعجلات في انتظار البت في الطلب المتعلق ببطلان الاضراب.

وعليه قرر رئيس المحكمة الاجتماعية الاستجابة لطلب المكتب الوطني للطيران والأمر بإيقاف تنفيذ اضراب المراقبين الجويين المعلن عن تنفيذه بتاريخ 21/02/2023، بشكل مؤقت الى حين البتّ بصفة نهائية في الدعوى الرامية إلى بطلان الإضراب المذكور.

تعليق على الأمر الاستعجالي

يأتي هذا الأمر الاستعجالي بعد توالي صدور عدة قرارات قضائية تقييد من ممارسة الحق في الإضراب، حيث سبق للمحكمة المدنية بالدار البيضاء أن قضت بحل جمعية الربابنة لكونها مارست عمليا نقابيا مما يشكل مخالفة لقانون الجمعيات، كما سبق لمحكمة النقض أن أصدرت قرارا اعتبرت فيه أن ممارسة الإضراب المفتوح إضراب تعسفي؛

يلاحظ أن الأمر الاستعجالي أغفل التنصيص على الإضراب كحق دستوري حيث ينص الفصل 29 من الدستور على أن الإضراب حق مضمون؛

أثار دفاع المكتب الوطني للمطارات كون المؤسسة التي أعلن عن تنظيم الإضراب فيها تعتبر مؤسسة عمومية استراتيجية والدستور ينص على مبدأ استمرارية المرافق العمومية في أداء مهامها، مما يجعل الإضراب ممنوعا في المؤسسات العمومية علما بأن هذا التفسير الواسع يتنافى مع الإضراب الذي يبقى حقا دستوريا ومع التجارب الدولية والوطنية في المجال والتي اهتدت إلى التوفيق بين الإضراب ومبدأ استمرارية الحد الأدنى من الخدمات، وهو ما تبنّاه المكتب النقابي والذي سبق وأن أعلن عن برنامج نضال بعد فشل الحوار الاجتماعي،  من خلال اعتماد مبدأ التدرج في الاحتجاج عن طريق حمل الشارة، ثم توجيه إشعار بالإضراب، مع ضمان الحدّ الأدنى للخدمات بالسماح بإطلاق طائرة واحدة كل خمس عشرة دقيقة واستثناء طائرات الدولة والطائرات العسكرية والطبية والطائرات ذات الطابع الإنساني.

من خلال حيثيات الأمر الاستعجالي، يلاحظ أنه ركز على الآثار الاقتصادية التي يمكن أن تترتب في حال تنفيذ الإضراب من طرف المكتب النقابي للمراقبين الجويين بمطار محمد الخامس، دون استحضار الإمكانيات الأخرى الكفيلة بتحقيق مبدأ استمرارية المرفق العمومي  والتي تعد من مهام ومسؤولية الإدارة  بحيث يمكن ضمانها عن طريق الموظفين غير المضربين من جهة، وعن طريق المفاوضات في إطار الحوار الاجتماعي.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الوطني لحقوق الانسان أوصى في تقريره السنوي بضرورة استكمال مسطرة المصادقة على مشروع القانون التنظيمي رقم  97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب وملاءمته مع المعايير الدولية، وخاصة عدم فرض عقوبات حبسية على العمال بسبب مشاركتهم السلمية في الإضرابات وبعدم إرغامهم على العمل[2].

نسخة من الأمر الاستعجالي بايقاف اضراب المراقبين الجويين بمطار محمد الخامس

مواضيع ذات صلة

محكمة النقض بالمغرب تتوسع في تعريف “الإضراب التعسفي

دعوى لحل الجمعية الوطنية للربابنة في المغرب: قانون الجمعيات في محك المعايير الدولية لحقوق الإنسان

قرار قضائي ببطلان الجمعية المغربية للطيارين المدنيين: مخاوف من المس بحرية الجمعيات المهنية

لا إجماع على تعليق الإضراب في الجامعة اللبنانية: هل خذلت “رابطة الأساتذة” المتعاقدين والمتفرغين؟

لماذا لا يحق لصاحب العمل أن يصرف أجيرا يشارك في الإضراب الوطني؟ الإضراب التضامني هو إضراب شرعي

مؤتمر صحافي بعنوان: حريّة العمل النّقابي والاضراب والتّظاهر في القطاعين العام والخاص في لبنان

الإضراب في حقل نوارة: ما وراء العناوين المضللة

الاضراب جريمة بأمر من المحكمة الإدارية العليا المصرية

ملاحظات مجلس الدولة المصري على قانون العمل الجديد: جردة ب 60 ملاحظة
 انكماش حراكات المجتمع المدني في 2017 عنها في السنوات السابقة: “المرصد” يوثق تعرية عمال لبنان ومكتسباتهم ومؤسسة الضمان

قوانين أنجزتها الحركة العمالية قبل الحرب


[1] أمر استعجالي رقم 625 في ملف رقم 809/2023 صادر بتاريخ 17/02/2023.

[2] التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الانسان لسنة 2021 ، فبراير 2022، ص 69.

انشر المقال



متوفر من خلال:

نقابات ، حركات اجتماعية ، قرارات قضائية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، الحق في الحياة ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية