تعليقا على مشروعي القانون الحكوميين بشأن الإرهاب في مصر: مكافحة إرهاب أم قمع أي ممانعة؟


2014-04-21    |   

تعليقا على مشروعي القانون الحكوميين بشأن الإرهاب في مصر: مكافحة إرهاب أم قمع أي ممانعة؟

عقب الثالث من يوليو 2013، عكفت الحكومات المتعاقبة على اقتراح مشاريع قوانين بتعديل بعض النصوص المعاقبة على جرائم الإرهاب، والتي سبق إضافتها في عام 1992 بموجب القانون 97 إلى قانون العقوبات.
كان أول هذه المقترحات في نوفمبر من العام المنصرم، عندما اقترحت وزارة الداخلية مشروع قانون خاص بشأن إصدار قانون مكافحة الإرهاب، والذي اشتمل على قسمين "الأحكام الموضوعية و"الأحكام الإجرائية" والتي أدخلت عليه بعض التعديلات بواسطة وزارة العدل. لكن لم تتخذ خطوات نحو تمريره أو فتح حوار مجتمعي حول نصوصه، وربما يكون ذلك راجعًا إلى أن اهتمام الحكومة في هذه الآونة كان منصبًا على الانتهاء من التعديلات الدستورية التي أجريت على دستور 2012. وقد لقي المشروع آنذاك انتقادات عدة، نشرت المفكرة القانونية بعضا منها.
مشروع قانون مكافحة الإرهاب: أسس لدولة بوليسية من دون ضوابط
قراءة نقدية لمشروع قانون مكافحة الارهاب فى مصر

في النصف الثاني من شهر مارس 2014، عدل مجلس الوزراء الحالي عن المشروع السابق ليقترح مشروعي قانون، الأول يؤول الى تعديل بعض أحكام قانون العقوبات، والثاني الى تعديل "الأحكام الإجرائية لمكافحة جرائم الإرهاب والتعاون القضائي الدولي".
الجدير بالذكر، أن مجلس الوزراء قد عرض المشروعين على قسم التشريع بمجلس الدولة، وقام برفعه إلى رئيس الجمهورية لإصدارهما، إلا أن هذا الأخير قرر إعادة المشروعين إلى مجلس الوزراء لإجراء حوار مجتمعي حول النصوص الواردة بكل منهما.
إن هذين المشروعين -في الحقيقة- جاءا نتاج إدخال تعديلات على مشروع القانون المقترح من وزارة الداخلية، الذي سوف نتطرق اليه في معرض المقارنة بينه وبين المقترحات الجديدة.

إن اقتراح هذه المشروعات لم يكن وليد الصدفة، بل كان معدا له سلفًا. وهذا ما يظهر من خلال أداء وسائل الإعلام والأحكام القضائية الصادرة عقب عزل الرئيس السابق. فكان للإعلام دور بارز في تهيئة الرأي العام بوجوب قبول قانون جديد يكافح الجريمة الإرهابية، مستغلًا في ذلك حالة الغضب العارمة التي انتابت جموع الشعب المصري، نتيجة أحداث العنف التي اندلعت في أنحاء متفرقة من الجمهورية واستهداف قوات الجيش والشرطة. خاصة بعد فض اعتصامي "رابعة العدوية"، "ميدان النهضة"، فلم تكف أغلب وسائل الإعلام –إن لم يكن جميعها- عن إضفاء وصف الإرهاب على كافة أعمال العنف المسلح التي وقعت خلال هذه الفترة دون تحري الدقة في استخدام المصطلح.

لا يمكن بحال، إنكار مساهمة القضاء المصري بصورة غير مباشرة في ترسيخ مفهوم الجريمة الإرهابية في عقل ونفس المواطن المصري. وإضفاء هذا المفهوم على كافة الجرائم المرتكبة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها بصورة تفتقر إلى الصواب، وهذا يظهر جليًا فيما قررته محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في حيثيات حكمها الصادر في الدعوى رقم 2315 لسنة 2013، والذي استخدم لفظ "الإرهاب" في أكثر من موضع لينتهي إلى "حظر أنشطة تنظيم، جماعة، جمعية الإخوان المسلمين بجمهورية مصر العربية أو أية مؤسسة متفرعة منها أو تابعة إليها أو منشأة بأموالها أو تتلقى منها دعمًا ماليًا أو أي نوع أخر من أنواع الدعم".

كما أن طلب القوات المسلحة تفويضًا من الشعب المصري لمكافحة الجريمة الإرهابية له عظيم الأثر، ليس فقط في ترسيخ مفهوم الإرهاب في ذهنية المواطن المصري. بل لتبرير أية انتهاكات تقوم بها الأجهزة الأمنية في إطار مكافحتها للإرهاب.

نسعى في هذا المقال لبيان الإشكالات التي تضمنها مشروع القانون "بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات" على أن نخصص مقالا ثانيا لمشروع القانون الثاني "بشأن الأحكام الإجرائية لمكافحة جرائم الإرهاب والتعاون القضائي الدولي".

أولًا: تعريف العمل الإرهابي
إنه من الصعوبة بمكان، وضع تعريف للعمل الإرهابي أو الجريمة الإرهابية، لأن ذلك راجع إلى أن مصطلح "الإرهاب" هو من قبيل المصطلحات الفضفاضة والغامضة التي يمكن التوسع فيها أو التضييق منها على حسب رغبة المشرع الدولي أو الوطني. وهذا ما أدى إلى التباين والاختلاف بين الاتفاقيات الدولية[1] والتشريعات الداخلية للدول عند وضعها تعريفًا للإرهاب.
فقد عمل مشروع القانون على التوسيع من دائرة الجرائم التي يشملها العمل الإرهابي، عندما أزاد أفعالًا لم تكن مدرجة في قانون العقوبات،[2] مستلهمًا ذات المفهوم الذي وضعه المشروع المقترح من وزارة الداخلية، عندما عرف العمل الإرهابي على أنه "كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر، أو إيذاء الأفراد أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر أو الإضرار بالوحدة الوطنية، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالموارد الطبيعية أو بالآثار أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو منع أو عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو دور العبادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم، أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية، أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر من القيام بعملها أو ممارستها لكل أو بعض أوجه نشاطها، أو مقاومتها، أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح".[3]

لم يقف المشروع عند هذا الحد. بل أضاف "وكذلك كل سلوك يرتكب بقصد تحقيق أحد الأغراض المبينة في الفقرة السابقة، أو الإعداد لها أو التحريض عليها إذا كان من شأنه الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو بالنظم المالية أو البنكية، أو بالاقتصاد الوطني أو بمخزون الطاقة أو بالمخزون الأمني من السلع والموارد الغذائية والمياه أو بسلامتها أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزمات".[4]
على الرغم من توسع المشروع في دائرة التجريم، إلا أنه اتفق مع قانون العقوبات المراد تعديله، على استخدام عبارات غير دقيقة يشوبها التجهيل والغموض، ضاربين بمبدأ "شرعية الجرائم والعقوبات" الذي يفترض دومًا أن يكون المخاطبون بالقانون العقابي على علم كاف بالأفعال المعاقب عليها حتى لا يقعوا تحت طائلة القانون، ويتحقق هذا العلم بأن تكون نصوص التجريم دقيقة وواضحة لا يشوبها غموض، حيث أن غموض وتجهيل النص العقابي سيؤدي إلى المساس بهذه القاعدة الدستورية، والتي كرستها السوابق القضائية المستقر عليها في أحكام المحكمة الدستورية العليا. فقد قضت هذه المحكمة بأنه "سواء كان النص العقابي غامضًا أو متميعًا، فإن إبهامه أو مجاوزته لغاياته، يجمعهما التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها، وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية محدده بصورة يقينية لا التباس فيها، ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم. ومن ثم كان أمرًا مقضيًا أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو القياس عليها أو تباين الآراء حول مقاصدها".[5]

ولكي نتمكن من الوقوف على حقيقة الغموض الكامن في تعريف العمل الإرهابي، يتعين علينا التطرق إلى الجريمة الإرهابية بركنيها المادي والمعنوي.

· الركن المادي للعمل الإرهابي
عمل المشروع ومن قبله القانون، على بيان الوسائل التي يمكن من خلالها اعتبار الفعل المرتكب يندرج في عِداد العمل الإرهابية، وتتمثل هذه الوسائل في "استخدام القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع". ويعيب كلاهما أنهما لم يضعا تعريفًا لكل وسيلة من هذه الوسائل تاركين ذلك للفقه القانوني.

إن استخدام هذه المصطلحات كاف بصبغ العديد من الأعمال المشروعة بصبغة الإرهاب، ونكتفي في هذا السياق بالتطرق إلى مفهومي "القوة، العنف" باعتبارهما بعض وسائل العمل الإرهابي. فإن أول ما يرد في الأذهان بشأن "القوة"، القوة باستخدام السلاح. إلا أن هذا ليس صحيحًا على إطلاقه، حيث أن الفقه اعتبر أن "مدلول القوة ينصرف إلى كافة أعمال القهر أو الإرغام أو الإكراه المادي، متى كان من شأنها "إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم….".[6] فالعبرة بالقوة بما تحدثه من تأثير في العالم الخارجي، على النحو المتقدم، لا يشترط ليتوفر معنى القوة أن يلجأ الجاني إلى استخدام سلاح، وأن استخدام سلاح يستوي أن يكون سلاحًا بطبيعيته أو بالاستعمال، كما يستوي أن يكون ناريًا، أو سلاحًا من الأسلحة البيضاء،[7] يمكن استخدامها في الاعتداء على الأشخاص أو الأموال محل الحماية الجنائية.[8]

وتأكيدًا على ما سلف، رأي د. أحمد فتحي سرور بشأن تعريف القوة والذي انتهى إلى أنه "ومن المتصور أن تكون القوة: "عسكرية" متمثلة في استخدام السلاح، وقد تتمثل القوة في بعض صور العنف المادي كتنظيم المظاهرات الشعبية وتسييرها كوسيلة من وسائل الضغط على الحكومة".[9]

وبالتالي، يمكن اعتبار "الإضراب، التظاهرات السلمية" على سبيل المثال، من قبيل الجرائم الإرهابية. كونها تهدف إلى إجبار الحكومة أو سلطات الدولة على التراجع عن قرار قد اتخذته، أو إرغامها على اتخاذ قرار كان يجب عليها أن تتخذه.

علاوة على ذلك، فقد عدل المشروع في الفقرة الثانية من المادة (2) عن الركن المادي للعمل الإرهابي، المتمثل في "القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع"، بالنسبة لبعض الجرائم مع الاكتفاء فقط بتحقق الركن المعنوي، والتي تتمثل في (كل سلوكمن شأنه الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو بالنظم المالية أو البنكية، أو بالاقتصاد الوطني أو بمخزون الطاقة أو بالمخزن الأمني من السلع والمواد الغذائية والمياه أو بسلامتها أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزماتإذا ارتكبت بقصد تحقيق أحد الأهداف المبينة في هذا القانون).

إن ابتداء المشروع هذه الفقرة بعبارة "كل سلوك"، مفاده عدم اشتراط استخدام "القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع" كأساس وشرط مفترض لوصف العمل بالإرهابي. بل أجاز في أفعال إجرامية معينة أن يتخذ السلوك الإجرامي صورًا غير التي تضمنتها الفقرة الأولى. ومن ثم يكون المشروع قد خرج في الفقرة الثانية عن الشروط اللازم توافرها في لإسباغ السلوك وصف الإرهاب عليها.
مثال آخر على عدم انضباط النص العقابي، "جريمة الإضرار بالاتصالات" لا يمكن بحال تحديد المقصود بالاتصالات، هل يُقصَد منها وسائل الاتصال أم مرفق الاتصالات بوجه عام؟

فقد عرفت "الاتصالات" على أنها "أية وسيلة لإرسال أو استقبال الرموز أو الإشارات أو الرسائل أو الكتابات أو الصور أو الأصوات، وذلك أيًا كانت طبيعتها، وسواء كان الاتصال سلكيًا أو لا سلكيًا".[10] أما إذا كان المقصود هنا، مرفق الاتصالات بوجه عام، فمن ثم يكون الإضرار "بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات" باعتباره هيئة قومية منشأة لإدارة مرفق الاتصالات.

إن السواد الأعظم يكمن في أن يكون المقصود بمصطلح "الاتصالات" المفهوم الوارد بقانون تنظيم الاتصالات السابق الإشارة إليه. ذلك لأنه سوف يُدخِل الكثير من الأفعال -إنشاء أو تشغيل شبكات الاتصالات أو تقديم خدمات الاتصالات دون حصول على ترخيص، استخدام أو المساعدة على استخدام وسائل غير مشروعة للقيام بالاتصالات- فهذه الجرائم تدخل في نطاق الجرائم المضرة بالاتصالات، ومن ثم يجوز إدراج هذه الجرائم تحت مظلة الجريمة الإرهابية وفقًا للمشروع. ذلك على الرغم من أنها جرائم بسيطة قد قرر لها قانون تنظيم الاتصالات الحبس أو الغرامة بحسب نوعها.
 
· الركن المعنوي للعمل الإرهابي
إن المصطلحات المكونة للركن المعنوي لا تختلف عن تلك المكونة للركن المادي، ذلك لما يشوبها من الغموض والتجهيل وعدم الانضباط، ومن ثم ولا تصلح أن تستخدم كهدف للجريمة الإرهابية أو معيارًا يمكن على أساسه اعتبار الجرم الواقع جريمة إرهابية. فقد اتفق كلا من القانون والمشروع على أن يكون الهدف من الجريمة الإرهابية "الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر….".
إن هذه العبارة فضلًا عن الغموض الكامن فيها. إلا أنها جديرة بوضع كافة الجرائم الواردة في قانون العقوبات تحت مظلة الجريمة الإرهابية. ذلك لأن أية جريمة أيًا كانت من شأنها تحقيق هذا الهدف. ذلك لأن السلوك الإجرامي في حد ذاته هو سلوك ماس بأمن المجتمع، ونظامه القانوني العام، ومصالحه، وسلامته. وهذا سيتضح أكثر في السطور القادمة.

إن فكرة "النظام العام" في أساسها فكرة نسبية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن إقليم إلى أخر داخل الدولة ذاتها، كما أنه يختلف من زمن إلى أخر. وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية بأن "فكرة النظام العام هي فكرة نسبية، فالقاضي في تحديد مضمونها مقيد بالتيار العام السائد بشأنها في بلده وزمانه، مما تعتبر معه مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض، وفي ذلك ضمانة كبرى لإقامة هذا التحديد على أسس موضوعية"[11].

فالنظام العام يمثل الأساس السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو القانوني أو الأخلاقي في المجتمع الواحد، وبالتالي فإن أية جريمة -بصرف النظر عن مدى خطورتها- تشكل إخلالًا بالنظام العام داخل الدولة. ومن الأمثلة على الجرائم المخلة بالنظام السياسي للدولة، اعتناق بعض المواطنين للفكر الاشتراكي والمناداة بتطبيقه، ذلك لأن النظام السياسي للدولة تغير منذ 1980 بعد التراجع عن النظام الاشتراكي التي كانت مصر قائمة على أساسه منذ ثورة يوليو 1952. وهذا يظهر جليًا من خلال التعديل المدخل على المادة الأولى من الدستور المصري الصادر في 1971، والتي كانت تنص قبل تعديلها على أن "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة". والتي أصبحت بعد تعديلها "جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة".

ومن الأمثلة على الجرائم المخلة بالنظام الاقتصادي المطالبة بعودة النظام الاقتصادي الاشتراكي عوضًا عن اقتصاد السوق الحر المعمول به منذ 1980 وحتى الآن.

كما لا يختلف مفهوم "تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر" عن سابقه المتمثل في "الإخلال بالنظام العام"، في أنه مفهوم مطاط وغامض، فضلًا عن أنه يتحقق عند ارتكاب أية جريمة منصوص عليها في قانون العقوبات.

فالمثير للاستياء -ونحن بصدد التعليق على هذا المشروع متطرقين إلى نصوص القانون 97 لسنة 1992- استخدام المشرع الجنائي لمثل هذه المصطلحات الفضفاضة التي تفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكنها عادة المشرع الجنائي المصري، التي دأبت على الزج بهذه المصطلحات في التشريعات المصرية، وقد نكاد نجزم بعدم خلو الدساتير المصرية والتشريعات العقابية من هذه المفاهيم، وهذا ما ينم عن رغبة أكيدة لدى مقترحي المشروع –وهو ما ينسحب أيضًا على المشروعات السابقة عليه والقانون الساري- في إلصاق صفة الإرهاب على أي سلوك إجرامي، وبالتالي فإنه يجوز محاكمة مرتكبي الجرائم أيًا كان نوعها لكونها مخلة بالنظام العام، ومن ثم يعتبر العمل الإرهابي ليس جريمة في حد ذاته. بل ظرفًا مشددًا للعقوبة، أي أن هذه الصفة من شأنها زيادة الحدين الأقصى والأدنى للعقوبة.

ثانيًا: المعاقبة على الأعمال التحضيرية بعقوبة الجريمة التامة
تعد الأعمال التحضيرية للجريمة أو الإعداد لها الخطوة التالية للتفكير والتصميم على ارتكابها، وتتمثل في الإعمال التي من خلالها يستعد الجاني لتنفيذ جريمته، بعد أن عقد العزم على ذلك. كأن يشترى الجاني السلاح الذي سيرتكب به الجريمة.

فالتشريعات العقابية لم تعتبر أعمال (الإعداد للجريمة أو التحضير لارتكابها) من الأعمال المعاقب عليها، وهذا ما قررته المادة 45 من قانون العقوبات من أن "الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لسبب خارج عن إرادة الفاعل فيها. ولا يعتبر شروعًا في الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك".

ويرجع عدم العقاب على الأعمال التحضيرية هو أنها أعمال قابلة للتأويل، أي أنها لا تدل بذاتها على اتجاه حتمي لارتكاب الجريمة. فمن يشتري سلاحًا قد يشتريه لارتكاب جريمة، أو للدفاع به عن نفسه. بالإضافة إلى أنها لا تدل على خطورة حالة –أي واقع بالفعل- لبعدها عن الهدف الإجرامي. ثم أن عدم العقاب على الأعمال التحضيرية يشجع مرتكبها على إعادة النظر في أمر الجريمة، وبالتالي عدم ارتكابها، وبخلافه يكون حافزًا للجاني على المضي في إتمام الجريمة.[12]

جدير بالذكر أن العديد من الأعمال التحضيرية قد تكون جريمة بذاتها، كحيازة سلاح دون ترخيص على سبيل المثال جريمة معاقب عليها وفقًا لقانون الأسلحة والذخائر، إلا أنه لا يجوز معاقبة شخص الجاني على اعتبار أن هذا السلاح كان يمكن استخدامه في جريمة قتل مثلًا.
إلا أن المشروع قد خرج على القواعد العامة للمشروع، عندما نص في المادة 98 على أن "يعاقب بالسجن كل من قام بأي عمل من أعمال الإعداد أو التحضير لارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب، ولم يتعد عمله هذا الإعداد أو التحضير".[13]

لم يكتف المشروع عند حد الخروج على القواعد العامة بشأن الأعمال التحضيرية، بل قرر في الفقرة الثانية من هذه المادة، عقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من علم بوجود جريمة من جرائم الإرهاب أو الجرائم المرتبطة بها أو بالإعداد أو التحضير لها، ولم يقم بإبلاغ السلطات المختصة.

خامسًا: العصف بحرية التجمع السلمي والتعبير عن الرأي
إن حرية التعبير عن الرأي وحرية التجمع السلمي، من الحريات المكفولة بموجب الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فقد نصت المادة 65 على كفالة حرية الفكر، والتعبير عن الرأي بأي وسيلة من الوسائل، كما نصت المادة 73 التي أكدت على حق المواطنين في التجمع السلمي وتنظيم جميع أشكال الاحتجاجات السلمية. إلا أن المشروع الحالي انتهج ذات الفلسفة التي انتهجها كل من القانون الساري[14] والمشروع السابق عليه[15]، مقررًا الافتئات على هذه الحريات ومحاربة كافة الأشكال التنظيمية.

فقد قررت المادة 86 مكررًا عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لكل من "أنشأ أو أسس أو أدار جماعة إرهابية أو تولى زعامة أو قيادة فيها". كما أضافت عقوبة السجن المؤبد لكل من "أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار، على خلاف أحكام القانون، جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها، أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات العامة التي كفلها الدستور والقانون، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي". هذا فضلًا عن تقرير عقوبة السجن المشدد لكل من "تولى زعامة، أو قيادة ما فيها، أو أمدها بمعلومات أو دعمها بأي صورة مع علمه بالغرض الذي تدعو إليه".

فهذه المادة تعاقب كافة أشكال التنظيم حتى لو استخدمت الوسائل السلمية في المطالبة بعض الإصلاحات التشريعية أو غيرها، ومن ثم يجوز معاقبة –مثلُا- المنظمات النقابية سواء المهنية منها أو العمالية عند تنظيمها تظاهرة بغية الحصول على بعض المطالب للفئات التي تحميها، سواء كانت على المستوى التشريعي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى السياسي. ذلك لأن المظاهرات تشكل وسيلة من وسائل العمل الإرهابية المتمثل في استخدام القوة. ومن ثم يعاقب جماعة المؤسسين والأعضاء الداخلين في عضويتها بالعقوبات المشار إليها أنفًا.

كما أن منظمات المجتمع المدني –المحلية والدولية- يمكن معاقبتها بهذه العقوبات، كونها تطالب بإلغاء تشريع أو تعترض على نص ورد في الدستور وترغب في تعديله، لأن هذه الأفعال تندرج تحت "تعطيل أحكام الدستور أو القوانين".

إن هذه المادة قررت عقوبات مختلفة على ذات الفعل، فقد قررت في الفقرة الأولى "عقوبة أو السجن المؤبد لكل من أنشأ أو أسس أو أدار جماعة إرهابية أو تولى زعامة أو قيادة فيها". كما قرر في الفقرة الثانية "عقوبة السجن المؤبد لكل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار، على خلاف أحكام القانون، جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة". هذا بالإضافة إلى، تقرير عقوبة السجن المشدد في الفقرة الثالثة "لكل من تولى زعامة، أو قيادة ما فيها، أو أمدها بمعلومات أو دعمها بأي صورة مع علمه بالغرض الذي تدعو إليه".

فمن مطالعة الفقرات الثلاث التي تضمنتها المادة 86 مكررًا، نجد أولًا أن كافة الأشكال التنظيمية المعاقب عليها بالسجن المؤبد التي عددتها الفقرة الثانية، تندرج في عداد الجماعات الإرهابية التي تضمنتها الفقرة الأولى. كما أن ما تضمنته الفقرة الثالثة من تقرير عقوبة السجن المشدد لتولي زعامة أو قيادة داخل هذه الأشكال التنظيمية، قد أفردت لها الفقرة الأولى عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وهذا بلا شك يخالف الأصول العامة للتجريم، والتي تقضي أن تتعدد العقوبات بتعدد الجرائم المرتكبة وليس العكس. أي أنه لا يمكن أن يتم تقرير أكثر من عقوبة على ذات الفعل.[16]



[1]الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته (المادة 1 بند 3)، اتفاقية مجلس أوروبا لمنع الإرهاب (المادة 1 بند 1)، اتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي (المادة 1 بند 2،3)، الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب (المادة 2 بند 1/أ)"، ومن مطالعة هذه المواد نجد أنها تباينت واختلفت فيما بينها عند تحديدها لمفهوم الإرهاب أو العمل الإرهابي أو الجريمة الإرهابية.
[2]تضمنت المادة 86 من قانون العقوبات –المراد تعديلها- الجرائم الإرهابية في إطار تعريف القانون للإرهاب، وذلك عندما نصت على أن "يقصد بالإرهاب في تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع, يلجأ إليه الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي, بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر, إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر, أو إلحاق الضرر بالبيئة, أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها, أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح". ومن ثم يكون المشروع قد أضاف جرائم "الإضرار بالوحدة الوطنية، إلحاق الضرر بالموارد أو الآثار أو بالأموال، منع أو عرقلة الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو المستشفيات أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية من القيام بعملها". هذا بالإضافة إلى إضافة الجرائم الواردة في المادة 86 فقرة 2 من المشروع.
 
[3]المادة 86 فقرة 1 من مشروع القانون.
[4]المادة 86 فقرة 1 من مشروع القانون.
[5] طعن رقم 105 لسنة 12 قضائية – جلسة 12 فبراير 1994.
[6] د/ محمود صالح العادلي – موسوعة القانون الجنائي للإرهاب – الجزء الأول – المواجهة الجنائية للإرهاب – دار الفكر الجامعي – 2003 – صـ 41.
[7] يذكر أن الكاتب ذكر أمثلة للأسلحة البيضاء لسنا بحاجة إلى مثلها.
[8] د/ محمود صالح العادلي – المرجع السابق – صـ 42.
[9] د/ أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون العقوبات "القسم الخاص"- الطبعة الرابعة 1991 – دار الطباعة الحديثة بالقاهرة – صـ 85.
[10] بند 3 من المادة 1 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.
[11] نقض رقم 10132 لسنة 78 قضائية – جلسة 11 مايو 2010.
[12] د/ على حسين الخلف، د/ سلطان عبد القادر الشاوي- المبادئ العامة في قانون العقوبات – صـ 158.
[13]كان المشروع السابق يقرر عقوبة الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات على الأعمال التحضيرية (المادة 29).
[14]المادة 86 مكرر من قانون العقوبات.
[15]المادة 10، 11 من المشروع.
[16]مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان – الانقلاب الثاني على الدستور "قوانين تعزيز الإرهاب والدولة البوليسية" – مذكرة قانونية إلى رئيس الجمهورية،صـ 14 –  شارك الكاتب في إعدادها.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية