تعليقا على قرار المطبوعات بشأن تغريدات مسيئة لرئيس الجمهورية اللبنانية: التغريد ليس جرم مطبوعات


2014-04-07    |   

تعليقا على قرار المطبوعات بشأن تغريدات مسيئة لرئيس الجمهورية اللبنانية: التغريد ليس جرم مطبوعات

بتاريخ 12/2/2014 أصدرت محكمة المطبوعات في بيروت المؤلّفة من الرئيس روكس رزق ومن المستشارتين نوال صليبا ومايا ماجد، قراراً وجاهياً برقم 170/2014، قضى بتجريم المدعى عليه جان الياس عاصي بجنحة المادة 23 من المرسوم الإشتراعي رقم 104/77 المعدّل وإنزال عقوبة الحبس به لمدّة شهرين.

وفي وقائع القضيّة أن المدعى عليه المذكور،نشر على صفحة Twitter  خاصته تعليقين يمسّان برئيس الدولة. فجرى التحقيق الأولي معه من قبل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي. وبنتيجة التحقيقات وبتاريخ 2/6/2013، ادعت عليه النيابة العامة الإستئنافية في بيروت أمام محكمة المطبوعات في بيروت وفقاً للمواد 20 و21 و22 و23 من المرسوم الإشتراعي رقم 104/77 والمادتين 384 و388 عقوبات. وقد تقدّم المدعى عليه بمذكرة دفوع شكلية بتاريخ 30/10/2013 أمام المحكمة المذكورة تضمنت، من نحو أوّل، وجوب رد الدعوى لعدم اختصاص محكمة المطبوعات للنظر فيها كون موقع التواصل الإجتماعي /تويتر/ لا يعد مطبوعة وفقاً لتعريف قانون المطبوعات، ومن نحو ثانٍ وجوب رد الدعوى لبطلان التحقيقات الأولية المجراة لدى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية لانحصار صلاحيات هذا الأخير بالأمور الفنية والتقنية دون توسعها نحو التحقيق والإستجواب. الا أن هذه المذكرة قد اقترنت بالرد بتاريخ 6/11/2013، فما كان من المدعى عليه إلا أن استأنفها أمام محكمة التمييز التي أصدرت قرارها بتصديق القرار المستأنف بتاريخ 9/1/2014، فجرى استجواب المدعى عليه وصدر الحكم المنوّه عنه أعلاه.

وما إن صدر هذا الحكم حتى التهبت الشبكة العنكبوتية بتعليقات مستنكرة حيناً ومتسائلة حيناً آخر. وقد عمدت المفكرة القانونية إلى نشر الحكم المذكور مع تعليق مقتضب على مضمونه حيث دعت قراءها للتعليق عليه، وذلك في سبيل إغناء النقاش حول هذه القضية بشكل خاص وجرائم المطبوعات بشكل عام، لتعِد بأنها ستسعى الى تكوين ملف كامل بهذا الشأن تنشره قريباً لتسهيلا لمجمل المهتمين به([1]). وتلبية لدعوة المفكرة سنعمد إلى التعليق على القرار المذكور وفقاً للآتي:
 
في اختصاص محكمة المطبوعات للنظر في القضية:
من الثابت أن محكمة المطبوعات قد أعلنت اختصاصها للنظر في القضية موضوع تعليقنا وقد أيدت محكمة التمييز هذه الوجهة. 
وفي هذا المجال لا بد من العودة إلى نص المادة 28 من قانون المطبوعات الصادر بموجب المرسوم الإشتراعي رقم 104 تاريخ 30/6/1977 وتعديلاته المتعلّق بجرائم المطبوعاتوالتي تحدد اختصاص محكمة المطبوعات بنصّها:«تنظر محكمة الإستئناف بالدرجة الأولى في جميع القضايا المتعلّقة بجرائم المطبوعات وتخضع أحكامها للمراجعة أمام محكمة التمييز بصفتها مرجعاً استئنافياً».وعليه فإن اختصاص محكمة المطبوعات لا ينعقد إلا في القضايا المتعلّقة بجرائم المطبوعات أي تلك الجرائم المرتكبة بواسطة المطبوعات،ما يفرض علينا استعراض التعريف القانوني للمطبوعة ومن ثم التدقيق فيما إذا كان هذا التعريف يصدق على وسائل التواصل الإجتماعي ومنها /التويتر/.

وفي هذا السياق تنص المادة الثالثة من قانون المطبوعات على أنه:«يعنى بالمطبوعة وسيلة النشر المرتكزة على تدوين الكلمات والأشكال بالحروف والصور والرسوم، ويجب أن يذكر في كل مطبوعة إسـم المؤلف وإسم المطبوعة والنـاشر، وعنوانه وتـاريخ الطبع».
وانطلاقاً من هذا التعريف فقد وجد القاضي المنفرد الجزائي في كسروان جوزف بو سليمان في قراره الصادر بتاريخ 19/9/2012([2])أن:«موقع الفيسبوك لا يعد مطبوعة بالمفهوم المنصوص عنه في قانون المطبوعات إذ أنه مجرّد وسيلة تخاطب إلكتروني خاصّة بصاحبها،ولا تحتوي على الهيكلية الخاصّة بالمطبوعات كإسم المؤلف والناشر….فيرد الدفع بعدم الإختصاص».

وهذا ما ينطبق بدوره على موقع التويتر،وسائر مواقع التواصل الإجتماعي، وقد عبّر المحامي د. شربل القارح في تعليقه على القرار أعلاه،عن تأييده لهذه الوجهة،مشيراً إلى أن نص المادة الثالثة من قانون المطبوعات موضوع عام 1977 حيث لم يكن المشرّع ليفطن إمكانية وجود لشبكة الإنترنت وبالتالي ليلحظ تشريعات خاصّة بها([3]).

ومن هنا يقتضي القول، أن محكمة المطبوعات من خلال إعلان اختصاصها للنظر في الدعوى موضوع تعليقنا تكون قد خالفت نية المشرّع،وتوسّعت في إعمال أحكام اختصاصها على الرغم من كونها محكمة استثنائية يجب تفسير النصوص المتعلّقة بها في أضيق الحدود. كما أنها خالفت مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يفرض تفسير الشك لمصلحة المدعى عليه وتطبيق النص الأرحم على هذا الأخير، إذ في حال قيام الشك بين صلاحية محكمة المطبوعات وصلاحية القضاء العادي تكون الصلاحية للأخير على اعتبار أنه يؤمن للمدعى عليه مجالاً  للطعن بطريق النقض الأمر غير المتوافر لدى محكمة المطبوعات.
 
في تشريع المحكمة عمل مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية:
من الواضح أن محكمة المطبوعات ومن بعدها محكمة التمييز لم تستجب للدفع ببطلان التحقيقات المجراة لدى هذا المكتب رغم الملاحظات العديدة المثارة حول مشروعية عمله.

وفي هذا المجال نرى أن مجرّد تسمية المكتب المذكور،تنمّ عن مخالفة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عنه في المادة الثامنة من الدستور اللبناني. فمن البديهي أن المشرّع اللبناني لم يضع حتى تاريخه،أي قانون يعاقب على الجرائم المعلوماتية، بحيث تبقى وسيلة التعبير هذه غريبةً عن الشريعة الجزائية اللبنانية.

وهنا يقتضي التعليق أن مدى التقدم الحضاري للمجتمع من النواحي كافّة،لا يمكن أن يُعكس فقط من خلال العناوين والتسميات الرّنانة ما لم تُواكب هذه التسميات بثورة تشريعية ملازمة لها،بما يؤمن الضمانات الأساسية لحريات الأفراد وحقوقهم،لا سيما لجهة احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

ومن هنا وبالنظر للملاحظات المبداة سابقاً على عمل المكتب، والتي نتبناها، فإننا لن نكررها([4])، إنما يحلو لنا أن نسلّط الضوء على جانب هام من الخطورة ينطوي عليه عمل المكتب ويتمثّل بعدم احترامه لأحكام القانون رقم 140 تاريخ 27/10/1999 وتعديلاته الذي يحدد أصول اعتراض المخابرات الجارية بواسطة أية وسيلة من وسائل الإتصال ومنها الوسائل الإلكترونية المحمية صراحة بموجب أحكام المادة الأولى من القانون المذكور. وهذا ما يدعونا إلى القول بضرورة تطبيق أحكام المادة 17 من القانون 140/99 التي تعاقب كل اعتراض غير قانوني للمخابرات الجارية بواسطة وسائل الإتصال، عند الإقتضاء.
 
في تقييم العقوبة المقضي بها:
من البديهي بعد ما أوضحناه أعلاه لجهة عدم انعقاد صلاحية محكمة المطبوعات،أن تضحي أحكام قانون المطبوعات غير مستوجبة التطبيق على المدعى عليه،خاصة لجهة المادة 23 منها التي تعاقب على تعرّض المطبوعة لرئيس الدولة بما بعتبر مساً بكرامته. وعليه لا بد من الرجوع إلى احكام القانون العام أي قانون العقوبات اللبناني الصادر عام 1943 وتعديلاته.

وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة كانت قد ادعت بحق المدعى عليه بجرائم المواد 384 و388 من قانون العقوبات إضافة إلى بعض المواد المنصوص عنها في قانون المطبوعات ما يبين التخبط الواضح في الأساس القانوني الذي اعتمدته النيابة العامة.
وبالإطلاع على نص المادة 384 من قانون العقوبات يتبين أنها تنص:«من حقّر رئيس الدولة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنة».فيما تنص المادة 388 من نفس القانون على أن:«القدح بإحدى الوسائل المبيّنة في المادة 209يعاقب عليه:بالحبس من شهر إلى سنة إذا وقع على رئيس الدولة…».
 
وهنا لا بد من التنويه،وبالنسبة للنص الثاني أن جريمة القدح الواردة فيه هي من جرائم الوسيلة أي تلك الجرائم التي لا تقوم إلا إذا ارتكبت بالوسائل المحددة قانوناً. وهذه الوسائل نصت عليها المادة 209 من قانون العقوبات التيلم تُعدّل منذ إقرار قانون العقوبات اللبناني بتاريخ 1/3/1943،حيث لم يكن المشرّع ليفطن،في ذلك التاريخ، أي إمكانية لوجود شبكة الإنترنت،ما يعني أن المشرّع لم يلحظ الوسائل الإلكترونية من بين الوسائل التي تقوم بها جريمة المادة 388 عقوبات،وذلك عملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات،الذي يفرض تفسير النص الجزائي بصورة حصرية وضيقة.

وما يؤكد هذه الوجهة،أن اقتراح قانون المعاملات الإلكترونية الذي عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة في مجلس النواب، ولم يقرّ في الهيئة العامة بعد،قد نص في المادة 178 منه على تعديل البند (3) من المادة 209 من قانون العقوبات بحيث تضاف إليها عبارة"بما فيها الوسائل الإلكترونية" ،ما يشكّل إقراراً صريحاً من المشترع بوجود نقص على هذا الصعيد في التشريع الجزائي،وإلا لانتفت الغاية من التعديل المقترح أعلاه.

أما لجهة القضاء بعقوبة سجنية،فهو أمر مستهجن،لكون المحاكم اللبنانية قد عمدت منذ مدة طويلة وعند الإدانة بجرائم الرأي إلى الحكم بعقوبات مالية وحتى إلى وقف تنفيذ العقوبة في حالات عديدة. وقد استندت في مقاربتها لهذه المسألةعلى ما صبغ ثقافة اللبنانيين بشكل عام من جنوح إلى الحدة في إطار ممارستهم لحرية إبداء الرأي([5]).

وفي  ختام هذا المقال، نأمل أن نكون قد أضأنا على أهم ما اعترى القرار موضوع تعليقنا من ثغرات متمنين تعديل القانون الجزائي في سبيل استبدال عقوبة السجن بالغرامة في جرائم الرأي كافة.



[1]))- يراجع مقال علاء مروة، المنشور على الموقع الإلكتروني للمفكرة بتاريخ 14/2/2014، بعنوان"المطبوعات تحكم على مغرد بعقوبة مانعة للحرية لإهانة رئيس الجمهورية"
[2]))- منشور في مجلّة العدل،العدد 1،العام 2013، ص. 512.
[3]))- المرجع السابق نفسه، ص. 514.
[4]))-يراجع في هذا المجال: «مكتب جرائم المعلوماتية» يتجاوز مهامه: «المفكرة القانونية» تدين المسّ بحريّة التعبير،مقالة منشورة على الموقع الإلكتروني لجريدة السفير،http://www.assafir.com/Article/324415
وما ورد في هذا الشأن في مقال الأستاذ علاء مروة ،بعنوان"المطبوعات تحكم على مغرد بعقوبة مانعة للحرية لإهانة رئيس الجمهورية"،مرجع سابق.
[5]))-  تراجع لطفاً: أحكام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت،تاريخ 25/5/2007،الحق العام/هيثم شمص ورفاقه،منشور في مجلة العدل،العدد 3،العام 2007،ص:1462 وما يليها؛وتاريخ 25/6/2007،الحق العام/عبد الحميد سفر ورفيقيه،منشور في مجلة العدل العدد 3،العام 2008،ص:1364 وما يليها؛وتاريخ 11/1/2008،الحق العام/حبيب يونس ورفيقه،منشور في مجلة العدل،العدد 2،العام 2008،ص:895 وما يليها.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية