تعليقا على الرأي المخالف للقاضية غادة عون في قضية رد النائب العام التمييزي: فلنتبن نظام الرأي المخالف في تونس..


2012-07-27    |   

تعليقا على الرأي المخالف للقاضية غادة عون في قضية رد النائب العام التمييزي: فلنتبن نظام الرأي المخالف في تونس..

قرأت ما نشر في المفكرة القانونية عن تسجيل القاضية اللبنانية غادة عون لرأي مخالف بمناسبة نزاع عرض على الدائرة القضائية التي تباشر بها عملها القضائي. كما اطلعت على تسبيبها لرأيها. تعد الدولة اللبنانية إحدى الدول القلائل التي اعتمدت في قضائها نظام الرأي المخالف، هذا النظام الذي يسمح للقاضي متى خالف رأي الأغلبية في مجلس الحكم أن يدون تحفظه ويبين الرأي الذي يعتقد في صحته ويبرز أسانيد موقفه، دون أن يفيد ذلك امتناعه عن المصادقة على الحكم الذي صدر ودون أن يؤثر في حجيته. تمنيت أن يصل خبر الرأي المخالف وتطبيق القاضية اللبنانية له لقضاة تونس علهم يكتشفون في تفاصيل الحدث علاجات تساعدهم في التأسيس لقضاء يصنع الحرية. يصعب أن نستوعب في تونس أن يحمل حكم القضاء في ورقاته رأيا يناقض مضمونه. إذ أننا عملنا ولا زلنا نعمل بأصول محاكمات ضبطت إجراءات صياغة الأحكام القضائية بسرية مطلقة.
نقدس في تونس سرية المفاوضة (المداولات) ونعتبرها من ركائز العمل القضائي في الهيآت الجماعية. ونظن أن إبراز القاضي للرأي المخالف الذي قد يكون أبداه أثناء المفاوضة خطيئة كبرى. ويعلم القضاة أن سرية المفاوضة كانت في عديد تطبيقاتها أداة لتمرير استبداد أغلبية برأيها. فقد استغل بعض رؤساء الدوائر القضائية هذه السرية الصارمة ليمارسوا إقصاء ممنهجا على زملائهم الذين يخالفونهم الرأي فكانوا في بدايات كل سنة قضائية يتخيرون قضاة لهم عليهم سلطة أدبية أو يعرفون بضعف شخصيتهم واصطلح على تسميتهم في الأوساط القضائية التونسية ب”القضاة المنسجمين” ليكونوا الجزء المكون في دوائرهم للأغلبية اللازمة لتمرير الأحكام التي يريدون أو تلك التي تفرضها عليهم السلطة السياسية في إطار منظومة قضاء التعليمات. ويقبلون في المقابل بعمل القضاة ذوي النفس الاستقلالي معهم مع ضمان عدم قدرتهم في التأثير في مجريات الأحكام.
كانت المفاوضة في النظام القانوني التونسي في ظاهرها مسارا يحترم قواعد الديمقراطية ويضمن إبراز القضاة لمواقفهم وينتهي بالاحتكام لرأي الأغلبية العددية. وكشفت الممارسة أن هذه الديمقراطية تحولت بفعل الانحراف بإجراءاتها إلى أداة قمع للأصوات القضائية الحرة. يتحدث عديد من القضاة في مجالسهم الخاصة عن ضغوطات تعرضوا لها أثناء جلسات المفاوضة كما يتبرأ عدد منهم من أحكام صدرت في دوائرهم ويذكرون أن قناعاتهم تتعارض مع مضامينها. ولا يجد الباحث أثرا لمقالهم.
ينعدم الأثر الدال على صدق المقال أو المفند له بفعل صرامة التصور التشريعي لسرية المفاوضة. إذ أن القاضي التونسي يؤدي قبل مباشرته لمهامه قسما يلتزم بمقتضاه بالحفاظ على سرية المفاوضة. وتبين القوانين الإجرائية مدى السرية فتحجر على القضاة ترك أي اثر كتابي يدل على المواقف التي أبدوها أثناء جلسات المفاوضة. كما تمنع عليهم التصريح بما من شأنه أن يكشف عن مختلف المواقف التي برزت أثناءها. ويكون جزاء السهو وترك أثر يدل على المفاوضة إبطال الحكم أما تعمد القاضي الخروج عن سرية المفاوضة فيجعله عرضة للمؤاخذة التأديبية. ويذكر شراح القانون أن سرية المفاوضة مزية تريح القاضي من الضغط الذي قد يمارسه عليه من حكم ضده.
وبينت التجربة أن الحماية التي توفرها سرية المفاوضة لسلامة القاضي كانت شعارا مفرغا من مضمونه ومنعت القضاة النوعيين من إبراز آراء قانونية تخالف قناعة الأغلبية ويمكن أن تكون ركيزة تحقق تحولا في فقه القضاء. كما أعاقت صرامة سرية المفاوضة مقاومة القضاء التونسي لمنظومة الاستبداد. فسرية المفاوضة وتحكم إدارة القضاء في تركيبة الدوائر الحكمية أدى الى تهميش التيار الاستقلالي في القضاء التونسي ومنعه بالتالي من صناعة رموزه وتطوير أدائه وابراز مواقف جريئة.
اعتاد جزء من القضاة أن يخضعوا لرأي رؤسائهم في العمل القضائي عند مباشرتهم لعملهم لما خبروه من عدم جدوى معارضتهم. ولم يكن القضاة الفاسدون يتورعون عن إصدار أحكام مخالفة للقانون ومحرفة للوقائع لكونهم كانوا يعون جيدا أن سرية المفاوضة تمكنهم من دفع التهمة عنهم متى أثيرت ليلصقوها بالأغلبية. وأدى الأمر في كثير من الأحيان إلى تحول المفاوضة في مجالس الحكم الثلاثية إلى مفاوضة بين رئيس الدائرة والعضو المقرر يتخذ فيها القرار ويكتفي العضو الثالث بإمضاء الأحكام التي حرر مسوداتها زميله دون أن يطلع أصلا على ملف القضية .
تبين الحفاوة التي استقبلت بها المفكرة القانونية الرأي المخالف الذي أبدته القاضية غادة عون أن نظام الرأي المخالف الذي اعتمد في القضاء اللبناني تولدت عنه حيوية داخل مجالس الحكم نفتقدها نحن في تونس. فالقاضية عون تمكنت من معاينة أثر لاجتهادها في إعداد ملفاتها القضائية وحفظت موقفها القانوني بمعزل عن منطوق الحكم الذي صدر بمحضرها. وبذلك تطابقت قناعاتها مع ما حكمت به. واكتشف الحقوقيون فيها القاضية المستقلة التي تحرج مواقفها القانونية زملاءها وتكشف ما قد يعتري أحكامهم من خلل.
بينما تؤدي السرية المطلقة للمفاوضة في القضاء التونسي إلى إحباط القضاة الذين يتميزون في آرائهم، فيخالفون قناعة الجماعة إذ أنهم يمنعون أولا من توثيق موقفهم ثم يجبرون ثانيا على تحرير لوائح أحكام تنطق بغير ما يعتقدون. يشجع نظام الرأي المخالف الاجتهاد الفردي للقاضي ويذكي فيه الرغبة في البروز في أدائه المهني بينما تؤدي سرية المفاوضة كما تبين من التجربة التونسية إلى وأد الطاقات القانونية والقضائية وجعلها خاضعة لمنطق الجماعة.
تركز حديث إصلاح القضاء في تونس على مسألتي تطهير القضاء وإصلاح القانون الأساسي للقضاة بدعوى أن تخليص القضاء من القضاة الفاسدين وتوفير الشروط الموضوعية والإجرائية لاستقلال القضاء هما ما نحتاجه لتحقيق بناء قضاء مستقل. وقد تكون المسألتان بالفعل المدخل الأساسي لأي اصلاح فعلي للقضاء لكن هذا لا يعني كفايتهما لتحقيق قيام القضاء المستقل النزيه. فاستبعاد القضاة الفاسدين من الجسد القضائي لا يؤدي  بالضرورة لبروز القضاة الأكفاء واستقلال القاضي لا يحقق وجوبا إلزامه بالعمل الجدي وتحري الحق والعدل في أحكامه.
ويمكن التفكير هنا في إدراج مبدأ الرأي المخالف في المفاوضة الحكمية كسند للإصلاحات المذكورة يغير في رتابة الموروث القضائي ويزرع روحا جديدة في المحاكم تمنح فرصة للقضاة الأكفاء ليبرزوا وتخلق عامل ضغط على زملائهم يلزمهم بمزيد التحري والتدقيق في أحكامهم لكي لا يحرجهم الموقف المخالف لزميلهم ويكشف ضعف موقفهم القانوني.
خصوصا وأن إبراز الرأي المخالف في المفاوضة سيسمح بتوثيق مختلف الآراء القانونية التي توصل لها اجتهاد القضاة الذين تداولوا في ملف القضية بما يثري ملف القضية في بقية أطوارها ويمكن الجهة التي تنظر فيها عند الطعن من تخير المواقف والترجيح بينها. وما كان رأيا مخالفا مؤسسا ومسببا قد يصلح كسند يطور آراء القضاة وشراح القانون في مستقبل الإشكاليات القانونية التي تعرض عليهم. كما يوفر إرساء مؤسسة الرأي المخالف للأقلية في مجالس الحكم فرصة لعب دور الضمير الحي للمحكمة الذي يدفع الأغلبية لمزيد من الاجتهاد ويمنعها من التعسف في أحكامها على القانون والوقائع تحت غطاء الأغلبية المبهمة هي التي حكمت وذاك كان اجتهادها. يمكن للقانون الاجرائي التونسي أن يستلهم من نظام الرأي المخالف علاجا يقوي روح البذل عند القضاة وينزع عنهم سلطة الرأي الغالب فيكون في تغيير قواعد العمل تغيير للعقليات من شأنها أن يكسر الرتابة والجمود.

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية