تعليقاً على “فيديو” دار الأيتام الإسلامية في لبنان: شهادات من سكّان الحيّ


2015-07-01    |   

تعليقاً على “فيديو” دار الأيتام الإسلامية في لبنان: شهادات من سكّان الحيّ

بتاريخ 29حزيران 2015، انتشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي "فيديو" لأصوات صراخ مرعبة، ناجمة عن ضرب وتعذيب قيل أن مصدرها إحدى المباني التابعة لدار الايتام الإسلامية، في طريق الجديدة. وقد أكد الشاب الذي قام بتسجيل "الفيديو" (والذي طلب عدم ذكر اسمه)، أنها ليست المرة الأولى التي يقوم بها بهذا الأمر بل هي الثالثة. ولكن هذه المرة نجح برصد أصوات الصراخ بشكل أوضح. كما أكد للمفكرة أن دافعه لتصوير الفيديو ونشره هو إسماع أصوات الأطفال وإنقاذهم، فضلا عن التخفيف عن الإزعاج الذي تتسبب به هذه الأصوات المدوية ليلا، أو عند انبلاج الفجر.

الفيديو الذي لاقى تفاعلاً كبيراً لدى رواد مواقع التواصل الإجتماعية لاسيما الفايسبوك، شكل علامة استفهام كبيرة حول شروط حياة الأطفال في دار الأيتام الاسلامية. وكالعادة، فور انتشار الخبر، سارع المسؤولون عن هذا الدار الى انكار حصول أي صراخ داخل الدار. وقد ذهبت مديرة العلاقات العامة في دار الأيتام الاسلامية رانيا زنتوت الى الادعاء بأن "الدار أجرت تحقيقاتها الخاصة ورأت أن الفيديو مفبرك. ومن قام بإلتقاطه وترويجه يهدف الى تشويه سمعة الافطارات التي تقيمها مؤسسات الرعاية الاجتماعية في شهر رمضان". وفي مكان آخر، قالت بأنه "يوجد نظام رقابة وكاميرات في الدار، وتمت مراجعة جميع التسجيلات غير أن شيئاً من هذا التعنيف لم يظهر".

اذا يستمر المسؤولون في دار الأيتام بإعتبار ان أي محاولة للإضاءة على انتهاكات تطال أطفالا مودعين لديهم، هي حملات هجوم عبثية لتشويه صورتهم والسعي الى قطع سبل تمويل الدار المتمثل بالتبرعات الضخمة التي يحصلون عليها، بالاضافة الى الأموال الطائلة التي يتلقونها من وزارة الشؤون الاجتماعية.

"أصوات الفيديو مفبركة"، مقولة دفعت "المفكرة القانونية" الى التوجه الى الحي الذي تتواجد فيه دار الأيتام. وأول ما يطالعك هنالك هي يافطات عملاقة رفعتها الدار بمناسبة الشهر الفضيل جاء فيها: "للأمانة حافظون وبالخير مستمرون". وهنالك، بدأت المفكرة جولة للاستماع الى سكان المنطقة حول مدى صحة الأصوات التي تنبعث من الدار. فكانت النتيجة بان جميع من سئل عن الموضوع حاضر ليشهد ليس فقط تعاطفا مع الأطفال الأبرياء ورغبة في حمايتهم وانما أيضاً لانهم ضاقوا ذرعاً بالأصوات التي تجعل ليلهم فيلم رعب طويل لا ينتهي.

"ولا نايم… ولا يلا"

ليست هذه المرة الأولى التي تسمع فيها هذه الأصوات. هذا ما تؤكده الحاجة "فاطمة" التي منذ ان سكنت في الحي اعتادت على سماع الصراخ لا سيما عند الفجر. وقالت:"كل يوم بعد أداء صلاة الفجر، عندما آتي لأنام يبدأ الصراخ وأصوات الأطفال يضربون. وهناك إمرأة يتكرر صوتها في كل ليلة هي التي تصرخ عليهم اسمعها تقول "ولا بعدك نايم ولا يلا" لدرجة أشعر وكأنها تتكلم في أذني وتجلس الى جانبي، "يامحلا" العيش مع البقر على الوجود في الدار".

ويبدو ان المرأة صاحبة الصوت الرنان معروفة لدى الجميع فبدورها "باسمة" ذكرتها في حديثها قائلة:"لو بيصحلي اكمشها لخنقتها" أسمع صوتها الى غرفة نومي على الرغم من ان الغرفة بعيدة ولا تطل. ويبدو الصوت واضحاً عندما أصعد عند السابعة صباحاً الى سطح البيت لأنشر الغسيل، حينها "ياحرام صراخ الأطفال نتيجة الضرب الذي يتعرضون له حتى من قبل هذا التوقيت" أما تلك المراة فأسمعها تقول لهم "يا حمير… يا بهائم" فهذا هو أسلوب كلامها معهم ولا يتبدل. نأمل أن يقوم أحد بمساعدتهم فهؤلاء أطفال أيتام بحاجة الى العطف والرعاية".

شهادتان من سكان الحي، شكلتا إشارة مبدئية بأن هذه الأصوات لا تبدو مفبركة، فصار لزاماً البحث فيما اذا كان أحد الأشخاص قد حاول الشكوى لدى المعنيين في الدار، واعلامهم بما يجري.
 
"معك حق.. تكرم عينك"

ليس الصراخ والأصوات الناتجة عن الضرب والتعذيب وليدة الأمس. فعمرها يقاس بالسنين. هذا ما يؤكده أحد الجيران الذي لم يحاول مرة الشكوى لا عند المعنيين بالدار او عند الدرك وقال:"نشفق على الأطفال ولكن لم ولن نشتكي فنحن أناس عاديون الله بيعيننا".

هذا الجار وان كان يستنكر المعاملة السيئة التي يتعرض لها الأطفال الا انه يرى ان المسؤولية لا تقع برمتها على المربيات والمربين المولجين برعاية الأطفال وقال:"الاولاد في الداخل ليسوا ملائكة وهم يحتاجون الى التربية ومساعدة المسؤولين عنهم وعدم دفعهم لفقدان قدرتهم على الإحتمال".

تابع:"لنكن منصفين، فاحيانا قد يكون للضرب والصراخ خيوط مخفية، فصحيح ان من واجب المربيات الاهتمام بالأطفال ولكن يجب البحث في خلفية هؤلاء والأوضاع التي يعيشون فيها والضغط الذي يتعرضون له. ولنكن واضحين، في لبنان من النادر العثور على دار رعاية نموذجية. في أميركا يحضرون متخصصين للاهتمام بالأيتام. هنا دار الأيتام تملك الإمكانات المادية لذلك ولكنها لا تفعل. وأنا أجد بانه لو تحسنت ظروف المربيات المادية فإن أسلوبهم بالتعاطي مع الأطفال سيتغير".

يعمل "أبو بسام" ك"إسكافي" امام مبنى دار الأيتام. كما يسكن هناك أيضاً. ومن المعروف بحسب جيرانه بأنه على علاقة طيبة بالعاملين بالدار، يتحدث اليهم، يقوم بركن سيارتهم ويتواصل معهم. وعلى الرغم من العلاقة الجيدة التي تربطه بهم، يقر بسماعه لأصوات الصراخ ويقول:"الأصوات تسمع عند الصباح بالدرجة الأولى، انا لا أسمع صوت الأولاد وانما فقط صوت المعلمات. أقدر الوضع الذي هن فيه، فكل واحدة تكون مسؤولة عن ضبط 20الى 30ولد. اليوم المرء يعجز عن ضبط ولدين له فكيف بهكذا عدد؟"

لم يفكر :ابو بسام" بالاستعانة بالدرك، لوضع حد للصراخ الذي يكون أحيانا مزعجاً وقال:"لم أشتكِ حرام هذه دار للأيتام. ولكنني تحدثت اليهم مرار ويكون الجواب دائما "عراسي… وتكرم عينك"، وفي كل مرة تتوقف الاصوات يومين ثم تعود من جديد".

في المقابلة التي أجرتها "المفكرة القانونية" مع الشاب صاحب الفيديو ذكر ان والده قام بتقديم شكوى الى الدار عدة مرات. وفي حديث الى والد الشاب قال:"كل مرة لا يدعونني أقابل المديرة الا بعد حفلة من السباب والشتائم، نزلت اليهم نحو أربع مرات وكنت أقابل مسؤولة تدعى وفاء البابا. احدى المرات كنت أزور أهلي يسكنون في الطابق التاسع ومنزلهم يكشف جيدا على الدار فرأيت معلمة تمسك برأس طفل وتخفضه أرضاً ثم تقوم بتدويره فنزلت مسرعا الى الإدارة ولكن لا شيء يتغير".

وبالسؤال، ان كان حاول ابلاغ الدرك عن الموضوع، أجاب:"ليش حدا بيسترجي يشتكي على الدولة للدولة؟ في احدى المرات، قامت جارتنا بركن سيارتها على نحو جعل باص الدار يعجز عن الدوران. وعلى الرغم من أن الجارة تضع رقم هاتفها على السيارة، لم يتصلوا بها انما سارعوا الى إخبار الشرطة، فجاء الدراج واتصل بها وعند مجيئها، سطر ضبط بحقها".

ليس والد الشاب وحده من توجه الى دار الرعاية للشكوى. فأحد الشبان من سكان شارع نظيرة جنبلاط اشتكى ايضاً. وعن هذا الأمر، قال: "قبل ان أتزوج، كنت أسكن مع أهلي هنا. وعلى الرغم من أن غرفة نومي بعيدة عن الناحية المطلة، كنت أسمع صوت تلك المرأة في الطابق الأخير. لا أعرف شكلها ولكنني أستطيع أن أميز صوتها من بين كل الأصوات. وقد سبق أن تشاجرت معها  وكانت ترد عليّ من بناية لأخرى، حتى ضقت ذرعاً في احدى المرات وتوجهت الى الإدارة. فقالوا لي "انني مخطئ وان الأصوات ليست من الدار وعندما أخبرتهم عن تلك المرأة ردوا "خلص تكرم عينك استاذ" ولكن لا شيء غير ذلك".

وبسؤاله ان حاول ابلاغ الدرك أجاب:"أحيانا عندما يقع اشكال ما ونتصل بالدرك لا يأتون. هل سيفكرون بالمجيء الى دار الأيتام؟ هل أشتكي على الدولة للدولة".

ان هذا الفيديو مرفقاً بشهادات الناس يشكل دون ريب إخباراً للنيابة العامة التي لم تحرك على ما يظهر حتى الآن ساكنا. كما انه إخبار لقضاة الأحداث في بيروت الذين بإمكانهم التحرّك عفوا. والأهم من ذلك، يفترض أن يكون إخباراً لوزارة الشؤون الاجتماعية المدعوة الى اتخاذ اجراءات الرقابة والحماية فورا. فهي الممول الأساسي للدار وفق دفتر شروط أنيط بموجبه بالدار مهمة القيام بخدمة عامة في ايواء الأطفال من العائلات ذات الأوضاع الصعبة. لكن كعادته، سارع وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الى اعطاء براءة ذمة شاملة. وهذا ما نقرأه بوضوح كلي في حديثه الى جريدة الديار بتاريخ 1 تموز 2015 لفت فيه الى أن "الاتهامات لدار الأيتام الإسلامية غير راقية" وأن "الاعلام فقط يسعى وراء السكوب"، معتبراً أن"دار الأيتام الإسلامية والتي بدأت بـ20 موظفاً وأصبحت اليوم من أهم دور الرعاية في لبنان ومن أهم ما هو في تاريخ لبنان، وهناك من يشترك في حملة لتحطيم الدار العريقة". لا بل أن الوزير ذهب الى حد اتهام شاب يدعي أنه تعرض للاغتصاب على طول سنوات في هذه الدار بأنه هو وراء الفيديو من باب الابتزاز. وعليه، وكالعادة، لم يجد الوزير حرجا في التخلي عن مسؤولياته في ضمان حسن سير المرفق العام وحقوق الأطفال في سبيل المحافظة على سمعة دار الأيتام الاسلامية.

وفي كل الاحوال عادت هذه الحادثة لتؤكد مرة أخرى ضرورة اعادة النظر في سياسة الرعاية برمتها، وتحديدا في ضمان ابقاء الأطفال ضمن بيئاتهم العائلية. فلا يودع في مؤسسات الرعاية إلا من يستحيل بقاؤهم في هذه البيئات. بالطبع، موقف وزير الشؤون الاجتماعية لا يدعو الى التفاؤل بقرب هذا الاصلاح. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية