تعطيل مجلس إدارة صندوق الضّمان: أو الحق في الصحة ضمن البازار السياسيّ


2023-09-11    |   

تعطيل مجلس إدارة صندوق الضّمان: أو الحق في الصحة ضمن البازار السياسيّ

أمام الانهيار الحاصل في التقديمات الاجتماعية والطبية، وجد موظّفو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أنفسهم في القارب نفسه مع بقية المضمونين. حتى الميزة الوحيدة التي كانوا يملكونها سقطت. ففي الماضي، عندما كان الضمان يغطي 90% كلّ المضمونين في المستشفيات، كان يدفع الفروقات المالية للموظفين فيه. كانت تقدر الفروقات حينها بـ 10%، لكن أحدًا لا يعرف كم أصبحتْ اليوم، ومجلس الإدارة يرفض تحديد هذه النسبة أو الإقرار بها. لكن تلك ليست المشكلة الوحيدة بين مجلس الإدارة والموظّفين. المشكلة الأكبر، والتي لا يزال الموظّفون في حالة إضراب بسببها تتعلّق برفض مجلس إدارة الضمان الموافقة على تسديد المنحة التي أقرّها مجلس الوزراء إلى كل الإدارات الرسمية والمصالح المستقلة ذاكرًا الضمان بالاسم. تلك المنحة المقدّرة بـ 4 رواتب والتي تقدّر بالنسبة لأغلب الموظفين بنحو 100 دولار فقط، رفض مجلس الإدارة الموافقة على صرفها بالرغم من قرار مجلس الوزراء (المرسوم رقم 11227 الصادر في 18/4/2023)، وبالرغم من توجيه رئاسة الحكومة كتابًا إلى الضمان طلب فيه التقيّد بمضمون الزيادة (الكتاب رقم 1073/ ص). وفي أكثر من اجتماع، سقطت الزيادة بالتصويت بحجة عدم جواز الازدواجية انطلاقًا من أنّ للضمان نظامه الخاص للزيادات.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التّصويت في مجلس إدارة الضمان (المكوّن من 26 عضوًا) يتمّ على مرحلتيْن: المرحلة الأولى قطاعية بمعنى وجوب حصول أيّ بند على النصف زائد واحد من الأعضاء الممثلين لكلّ من العمال وأصحاب العمل والدولة. وإذا لم يتحقّق ذلك، يعرض الموضوع مجدّدًا على المجلس ويُفترض حينها أن يحصل على 14 صوتًا. عندما كان عدد أعضاء مجلس الإدارة مُكتملًا، كان هذا الرقم يشكّل النصف زائد واحد من عدد الأعضاء. لكن بعد وفاة واستقالة وتقاعد 10 أعضاء لم يبقَ في المجلس سوى 16 عضوًا، ومع ذلك بقي نصاب الإقرار 14 صوتًا، لأنّ قانون الضمان أشار إلى الأكثرية المطلقة من عدد الأعضاء. وهذا بالنظر إلى العدد المتبقي في مجلس الإدارة يُعبّر عن شبه إجماع إذ يكفي تغيّب 3 أعضاء حتى يسقط النصاب ويكفي معارضة 3 أعضاء ليسقط أي قرار. وهو تمامًا ما حصل بالنسبة للبند المتعلّق بالزّيادة المقرّرة من مجلس الوزراء، والذي عارضه كلّ من غسان غصن وفضل لله شريف (ممثلان عن العمال) ورفيق سلامة (ممثل عن أصحاب العمل). أما مسألة التقسيم القطاعي لعضوية مجلس الإدارة، فتبدو أشبه بمزحة ثقيلة. الانتماءات الطائفية والسياسية وحدها هي التي تحدّد مسار أي قرار. ولهذا لن يكون مستغربًا تصويت ممثلين عن العمال مع قرارات تضرّ بمن يمثّلون، فيما ممثلو الدولة والقطاعات الاقتصادية ليسوا بحاجة إلى من يرشدهم إلى مصلحة أصحاب العمل. الاستثناءات قائمة دائمًا لكنها محدودة.

أصاب هذا الوضع مجلس الإدارة بالعجز، وهو كان السبب المباشر في عدم إقرار الموازنة التشغيلية منذ العام 2018 وهو السبب في عدم إقرار الكثير من الاعتمادات، ما أدى عمليًا إلى حرمان الصندوق من أدنى مقوّمات الاستمرارية. إذ يكفي أن يقرّر فريق سياسيّ تعطيل العمل حتى يتحقّق ذلك. وقد كانت النتيجة كارثية على الموظفين الذين يعملون في ظروف سيّئة تمنعهم من خدمة المضمونين. فلا ورق ولا حبر ولا كهرباء ولا مازوت، فضلًا عن عدم قدرة أغلب الموظفين بسبب الكلفة المرتفعة للنقل مقابل الانخفاض الكبير في الرواتب والذي يصل، بحسب المدير العام للضمان، إلى 95%، على الوصول إلى مراكز عملهم.

في العام 2003، جرى تعيين مجلس الإدارة (المرسوم رقم 10340 تاريخ 24/6/2003) لمدة 4 سنوات انتهت في حزيران 2007. ولم يتمكّن مجلس الوزراء منذ ذلك التاريخ من تعيين مجلس إدارة جديد واستعاض عنه بالتمديد لأعضاء المجلس وهيئة مكتبه إلى حين تعيين بدائل عنهم أصولًا. وبناءً عليه، استمرّ الأعضاء الـ 26 في مراكزهم. لكن في تواريخ متلاحقة استقال عضوان ثم تبعهما ثالث بسبب رئاسته لإحدى البلديات. كما تخلّف عضوان عن الحضور لسنوات طويلة، وكذلك اضطرّ رئيس مجلس الإدارة لأسباب صحية إلى البقاء خارج لبنان، كما توفّي 4 أعضاء، ليبقى في المجلس 16 عضوًا وهو ما جعل تأمين النصاب المحدّد بـ 14 عضوًا عملية شاقّة وتتطلّب الكثير من التسويات.

من جهته، وجّه وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم كتابًا إلى مجلس الوزراء في تاريخ 28/4/2022 عرض فيه “الخطّة الإنقاذيّة للصندوق الوطنيّ للضّمان”. وإذ ضمّن بيرم خطته مشاريع مراسيم بتعيين مجلس إدارة جديد، أفاد أنّ “جمع مرشحي الهيئات الأكثر تمثيلًا للعمال وأصحاب العمل (استغرق) نحو 7 أشهر”. إلّا أنّ مجلس الوزراء لم يوافق على تصديق نتائج انتخاب أعضاء مجلس إدارة الصندوق من قبل الهيئات الأكثر تمثيلًا ولم يعيّن مندوبي الدولة.

أمام هذا الواقع، “وفي ظلّ استحالة استمرار مجلس الإدارة مع النقص في عدد أعضائه، بحيث أصبح تأمين النصاب يحتاج إلى معجزة والتوافق على القرارات يحتاج أكثر من ذلك ومنعًا لتعطل المؤسسة وعملًا باستمرارية المرفق العام”، تدخّل وزير العمل وأصدر قرارًا (رقم 1/57 تاريخ 12/5/2022) حدّد فيه نصاب جلسة مجلس الإدارة وفق عدد الأعضاء العاملين فعليًا، على أن تتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين. لكن لم يكد يمرّ يوم واحد حتى أصدر بيرم قرارًا استردّ بموجبه قراره الأول تحت تأثير الضغوط التي قيل إنّه تعرّض لها. علمًا أن المُصرّين على استمرار مجلس الإدارة في حالة الموت السريريّ يستندون إلى الاستشارة الصادرة عن هيئة الاستشارات والتشريع، في 22/9/2021، والتي أكّدت على أنّ النصاب القانوني للانعقاد هو 14 عضوًا. وقد أسندتْ هيئة الاستشارات والتشريع رأيها إلى المعطيات الآتية:

  • قانون الضمان الاجتماعي في المادة الثانية منه ينصّ على أن “تتخذ القرارات في المجلس بالأكثرية المطلقة”، التي تعني بحسب هيئة الاستشارات “نصف الأعضاء الذين يتكوّن منهم المجلس زائد واحد. أي الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونًا وليس نصف عدد الأعضاء العاملين فقط أو الحاضرين في الجلسة، إذ ليس من شأن شغور مركز ما لأيّ سبب كان، أن يؤثّر على النصاب المفروض لقانونيّة اتخاذ القرارات في المجلس والذي من البديهي ألّا يكون النصاب المشترط لانعقاد الجلسات أقلّ منه”.
  • النظام الداخلي للضمان في المادة 13 منه، والصادر في العام 1999، ويشير إلى أنّه “لا تعتبر مناقشات المجلس قانونيّة إلّا بحضور أكثريّة الأعضاء على أن لا يقلّ العدد عن 14 عضوًا”.

وعند هذا الحدّ، بدا أنّ بيرم قرر الانسحاب من كلّ ما له علاقة بالضمان، لا سيّما معالجة أزمة النصاب، بالرغم من صدور أكثر من رأي قانوني يدعم موقفه الذي تراجع عنه. من هذه الآراء، الرأي الاستشاري الذي صدر في 13/6/2022، عن لجنة الاستشارات القانونية والإدارية في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية. وخلص إلى أمور عدّة أبرزها:

  • إنّ مبدأ عدم جواز تعطيل الهيئات الإدارية يوجب استمرارية الهيئات حتى تعيين بديل.
  • إنّ قرار مجلس الوزراء قد مدّد ولاية المجلس كهيئة جماعية وليس الأعضاء المنفردين، ولا يصحّ تبعًا لذلك التعيين الجزئي لمراكز شاغرة، إنّما يتوجّب تعيين المجلس بكامل أعضائه.
  • إلى حين تعيين المجلس، يجب تفسير الفقرة الثامنة من المادة الثانية من قانون الضمان الاجتماعي بما يتلاءم مع الواقع الذي فرضه قرار مجلس الوزراء وذلك كالآتي: استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء رقم 199-2008 تتخذ القرارات في المجلس وفي هيئة المكتب بالأكثرية المطلقة من أعضاء المجلس الفعليين.

كذلك كان المستشار القانوني لمجلس الإدارة المحامي ميشال قليموس قد رأى في دراسة أعدّها في 6/6/2022، أنه كحلّ واقعي ومؤقت ومواز للحل الدستوري الذي سار عليه سابقًا المجلس النيابي وللعرف المتّبع حاليًا في مجلس النوّاب لجهة عدم احتساب المتوفين ضمن النصاب وتبعًا للظرف الاستثنائي، فإنّه يمكن اعتماد هذه النظرية الاستثنائية بتأمين سير المرفق العام بحيث يكون النّصاب على أساس الأعضاء الأحياء من مجلس الإدارة بانتظار تعيين مجلس إدارة جديد من قبل مجلس الوزراء.

ولأنّ كل العمل في المجلس معطّل، عاد رئيس مجلس الإدارة بالإنابة إلى توجيه كتاب إلى وزير العمل في 9/3/2023، يطلب مجددًا اتخاذ ما يلزم من إجراءات لحلّ مشكلة نصاب انعقاد الجلسات وإمكانية السماح لمجلس الإدارة الحالي كتدبير مؤقت واستثنائي من تحديد نصاب الغالبية المطلقة لأعضاء مجلس الإدارة الفاعلين وعددهم 16 عضوًا ليستطيع تنفيذ القانون من دون إعاقته.

تجدر الإشارة إلى أنّ المجلس معنيّ عمليًا بكلّ ما يتطلب رفعه إلى مجلس الوزراء، فيما القرارات الأخرى يمكن تنفيذها من قبل المدير العام. وهذا ما حصل بالنسبة للتعريفات التي أعدّها المدير العام. 

بالنتيجة، فإنّ المضمونين هم المتضرّر الأوّل من هذا الخلاف، الذي يحيله موظف كبير في الضمان إلى الأزمة الرئاسية، مشكّكًا في السعي إلى جعل الضمان جزءًا من التسوية الشاملة أو بشكل أدقّ جزءًا من البازار الشامل. وهذا يتطلّب، بحسب المصدر، تحويل الضمان إلى مؤسسة شبه منهارة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مؤسسات عامة ، قرارات إدارية ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية