تعطيل القرارات القضائية باسم الدبلوماسية


2015-11-09    |   

تعطيل القرارات القضائية باسم الدبلوماسية

ذكر وزير الخارجية التونسي الطيب البكوشفي 08/11/2015 في تصريح لإذاعة شمس اف ام التونسية  "أنه أعطى تعليماته بأن لا يتم إيقاف أي ليبي مطلوب للقضاء تفاديا لعمليات المقايضة التي تتعرض لها الدولة التونسية وتجنبّا لعمليات الاختطاف التي تطال التونسيين في ليبيا عند إيقاف أي ليبي". وأضاف الوزير  "أي ليبي مطلوب للقضاء يتم إرجاعه إلى بلاده من الحدود أو من المطار".

انطلق الوزير من معطى أن عمليات الاختطاف التي تعرض لها تونسيون بليبيا كانت جميعها على خلفية إيقاف القضاء التونسي لمواطنين ليبيين يتهمون بالإنتماء لجماعات إرهابية. وانتهى إلى أن منع إيقاف الليبيين بتونس حل أسهل من حماية التونسيين في ليبيا من الاختطاف. بدا منع إيقاف الليبيين بتونس شكلا من أشكال الإدارة الإستباقية لديبلوماسية الإختطافات.

نهض الحل الاستباقي على إقرار بالعجز في التعاطي مع الواقع الليبي بتفاصيله وعلى نجاح الجماعات التي تلجأ للإختطاف في تحقيق غايتها في الضغط على الدولة التونسية. وبدا واضحاً أن الحكومة التونسية فشلت في تصوّر آليات تحرك ديبلوماسي في الغرب الليبي تستجيب لتوزيع النفوذ والسلطة هناك بين القبائل والجماعات المسلحة.  فغطى وزير الخارجية فشله بالتدخل في عمل القضاء الذي قدر أن قراراته باتت مصدراً للمشاكل. وقد حصل تدخل الوزير في عمل القضاء على مستويين إثنين: أولهما قراره تعطيل نفاذ الأوامر القضائية فيما تعلق بإيقاف وإحضار الليبيين أمام المحاكم وثانيهما أنه استبدل تلك الأوامر بقرار إداري بترحيل الليبيين لبلدهم.

خرق الوزير دون أدنى تحرج الفصل 102 من الدستور التونسي الذي يحجر كل شكل من أشكال التدخل في عمل القضاء من خلال تصديه العمدي لتنفيذ القرارات القضائية. كما اتخذ الوزير قرار ترحيل جماعي لكل الليبيين المطلوبين للعدالة بتونس لبلدهم حيث قد يواجهون خطر التعذيب أو الاختطاف والاختفاء القسريفي ظل غياب الدولة وسيطرة المجموعات المسلحة.

يحتاج تقييم الحلّ الذي لجأ اليه وزير الشؤون الخارجية دبلوماسيا لانتظار قراءة المجموعات التي استعملت ديبلوماسية الاختطاف بليبيا لتصريحاته وتقديرها لكيفية تعاملها مع نجاحها في فرض إرادتها وان كانت ستتوجه نحو تطوير استعمال الاختطاف ليشمل  مطالب أخرى. ويتبين دون كبير عناء أن تدخل الوزير في عمل القضاء وإن كان شعاره حماية الرعايا التونسيين بليبيا، فإنه يهدد بتقويض مقومات الجمهورية الثانية في تصورها لاستقلالية القضاء كدعامة أساسية للبناء الديموقراطي، بما يطرح السؤال حول مكانة الدستور في الممارسة السياسية الحكومية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية