تعديل قانوني لضمان سرية بيانات ضحايا التحرش والاغتصاب في مصر


2020-09-09    |   

تعديل قانوني لضمان سرية بيانات ضحايا التحرش والاغتصاب في مصر

 في فيلم » 678  «(2010) قررت “نيللي”[1] الذهاب إلى نقطة الشرطة كي تحرر محضر تحرش ضد الجاني، وكانت صدمتها أمام تعنت أمين الشرطة في تحرير المحضر كي يتناول جريمة الاعتداء بدلًا من التحرش، وذلك لرغبته في حماية نيللي من وصمة » العار « التي ستلاحقها جراء محضر التحرش. إلا أن نيلي قد أبت واستكملت الإجراءات؛ فتم استضافتها فيما بعد على الهواء كأول فتاة تحرر محضر تحرش في مصر، وسط هجوم شديد من المشاهدين، وتعرضت لضغط من أسرتها وخطيبها كي تتخلى عن المحضر درءًا لـ » كلام الناس «.

يعكس هذا المشهد السبب الرئيسي لإحجام الإناث عن الإبلاغ عن حالات التحرش والاستعاضة عنها باللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي[[2]]، وهو الخوف من الوصم الاجتماعي.[[3]]

نظرًا لهذا السياق، وفي ردّ فعل إيجابي تجاه الحوادث الأخيرة، كجريمة الفيرمونت وسواها، وافق مجلس النواب، بتاريخ 18 أغسطس 2020، على مقترح استحداث المادة (113 مكررًا) في قانون الإجراءات الجنائية بضمان سرية بيانات ضحايا التحرش والإغتصاب، وهو ما يستدعي إلقاء الضوء عليه من خلال هذا المقال.

 

الطريق نحو استحداث ضمانة جديدة للمجني عليه في قضايا التحرش

تنص المادة (96) من دستور 2014 على التزام الدولة بتوفير الحماية للمجني عليهم والشهود والمتهمين والمبلغين عند الاقتضاء. وجاءت المادة 113 مكرر المستحدثة لتنفيذ تلك المادة الدستورية، حيث نصت على الآتي: “لا يجوز لجهات التحقيق إثبات بيانات المجني عليه في أي من الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثالث من قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، أو في أي من المادتين (306 مكررًا أ) و (306 مكررًا ب) من ذات القانون، أو في المادة (96) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، إلا لذوي الشأن.”[[4]]

جاء هذا النص نتاج الحراك المجتمعي الناشئ عن جرائم التحرش الراهنة (جريمتي الفيرمونت والطالب أحمد بسام زكي على سبيل المثال). والجدير بالذكر أن النص سالف ذكر يختلف عن المقترح الذي قدمته الحكومة، والذي كان ينص على: “منح جهات التحقيق سلطة جوازية للحفاظ على سرية بيانات المجني عليه/ها في حال طلب الأخير”، بالإضافة إلى تسجيل بيانات المجني عليه/ها في ملف فرعي وليس في محضر التحقيق، وكان من حق المتهم الاطلاع على ذلك الملف إذا طلب ذلك.[[5]]

إلا أن البرلمان لم يوافق على هذا المقترح لعدة أسباب: (1) وجود شبهة عدم دستورية نظرًا لتسجيل البيانات في ملف تحقيق فرعي عوضًا عن المحضر المقدم للمحكمة، إلى جانب (2) عدم ضمانه التام لسرية بيانات المجني عليه/ها، حيث يمكن أثناء تقديم البلاغ، في حال تواجد صحفي، أن يتلقف الأخير نسخة من هذا البلاغ ويذيعه في وسائل الإعلام[[6]].

أما النص النهائي، فهو يعزز حماية سرية بيانات المجني عليه/ها، حيث يمنع جهات التحقيق (أي النيابة العامة أو قاضي التحقيق) أن تفصح عن بيانات المجني عليه/ها، وبالتالي لا يمكن لوسائل الإعلام أن تعلم هويته/ها؛ وهو ما يوفر الحماية اللازمة من أي وصم مجتمعي يحدث عند تناول القضية في وسائل الإعلام.

وعليه، ستتوفر للمجني عليه/ها ضمانة الحفاظ على سرية بياناته/ها منذ لحظة تقديم البلاغ إلى حين صدور الحكم، ما يشجعه/ها على التحرك لنيل حقه/ها، محافظًا على سمعته/ها في وسط تيار غير متعاطف مع مثل هذه القضايا.

 

ولكن ماذا عن ضغط المتهم؟

رغم أن النص النهائي قد أوصد الباب على مجرد إفصاح جهات التحقيق عن بيانات المجني عليه/ها للغير، إلا أنه وارب الباب لـ » ذوي الشأن «، ويمكن أن تُفسر هذه العبارة لإعطاء الحق لدفاع المتهم للاطلاع على تلك البيانات. وهو ما قد يُعرِّض المجني عليه/ها للخطر في حال مواجهته/ها لأفراد ذوي شأن ونفوذ. ونذكر هنا، على سبيل المثال، إغلاق صفحة » Police Assault « على منصة إنستغرام – Instagram، (وهي الصفحة التي كانت تنشر الشهادات في قضية فيرمونت) وما تواتر من أخبار عن رجوع سبب الإغلاق لتلقي القائمين على الصفحة لتهديدات من الشبان المتهمين في سياق جريمة الفيرمونت.[[7]]

ويمكن للمتهم أن يضغط على الضحية للتنازل عن البلاغ، كما يمكن إذا تم تداول عنوان المسكن أن تتعرض الضحية لتهديدات للتنازل، وهو ما لابد أن يلتفت إليه المشرع لتوفير حماية أشمل للضحية.

 

 

[1] والتي قامت بدورها الفنانة ناهد السباعي

[[2]] » فيديو | لماذا يلجأ ضحايا الاعتداء الجنسي للسوشيال ميديا وليس القضاء؟ «، جريدة مصر العربية، نُشر بتاريخ 25-8-2020.

[[3]] ففي دراسة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وُجد أن نسبة 84 بالمائة من النساء اللاتي استُقصين قد أقرت العبارة أعلاه، وكذلك أقرت نسبة 43 بالمائة منهن أن النساء اللاتي يتواجدن في مساحات عامة بالمساء هن اللاتي يلتمسن التحرش بهن، مقابل 74 بالمائة و40 بالمائة من الرجال على التوالي (صـ 84 Understanding Masculinities: Results from the International Men and Gender Equality Survey (IMAGES) – Middle East and North Africa).

[[4]] » البرلمان يقر تعديلان قانون الإجراءات الجنائية في جرائم التحرش رسميًا «، جريدة المال، نُشر بتاريخ 18-8-2020

[[5]] » مصر.. تعديل قانوني لإخفاء بيانات ضحايا التحرش «، قناة سكاي نيوز العربية، نُشر بتاريخ 9-7-2020.

[[6]] » سرية بيانات المجني عليهم في جرائم التحرش تثير الجدل تحت قبة البرلمان «، جريدة البيان، نُشر بتاريخ 16-8-2020.

[[7]] » 8 محطات في قضية واقعة التعدي على فتيات فندق فيرمونت (تسلسل زمني) «، جريدة مصر العربية، نُشر بتاريخ 28-8-2020.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *