تعديل آليات تعيين رؤساء الهيئات القضائية: مسعى لإحكام السيطرة على القضاء


2017-05-05    |   

تعديل آليات تعيين رؤساء الهيئات القضائية: مسعى لإحكام السيطرة على القضاء

في مساء يوم الخميس الموافق 27 إبريل وفيما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يشارك في أعمال المؤتمر الوطني للشباب بالإسماعيلية، تبين أنه يصادق على القانون رقم 13 لسنة 2017، المعروف إعلاميا باسم قانون تعيين رؤساء الهيئات القضائية، والذي اقره البرلمان في اليوم السابق مباشرة. وبذلك اغلق السيسي الباب أمام آخر الحلول المطروحة لمواجهة هذا القانون والتي طرحها كلا من نادي قضاة مجلس الدولة ونادي قضاة مصر حيث اقترحا إرسال خطابات لرئيس الجمهورية تطالبه بعدم التصديق على مشروع القانون. لتنتهي المواجه بين الهيئات القضائية الأربع (المجلس الأعلى للقضاء- مجلس الدولة- هيئة قضايا الدولة- هيئة النيابة الإدارية) التي شمل القانون تعديل طريقة تعيين رؤسائها، والبرلمان الذي أاقر القانون بالفعل، وتنتقل من كيفية عرقلة القانون إلى كيفية التعاون معه. وهو ما ستفصح عنه الأيام المقبلة.

 كيف مر القانون؟

في 27 مارس 2017 وافقت اللجنة التشريعية لمجلس الدولة على مشروع قانون بإدخال تعديلات على كلا من قانون السلطة القضائية وقانون مجلس الدولة وقانون هيئة قضايا الدولة وقانون النيابة الإدارية. وبموجب هذا لتعديلات، يعلق العمل بنظام الأقدمية المطلقة في تعيين رؤساء الهيئات القضائية الأربعة ويعتمد بدلا منه على أن تتقدم الهيئات الأربع بترشيحات لرئيس الجمهورية تتضمن ثلاثة أسماء يتم اختيارهم من أقدم سبعة نواب لرئيس الهيئة، على أن يسمي رئيس الجمهورية إسم رئيس الهيئة من بين هذه الأسماء الثلاثة. ويجب إبلاغ رئيس الجمهورية بأسماء المرشحين قبل نهاية مدة رئيس المحكمة بستين يومًا على الأقل. ورتب مشروع القانون جزاء في حال عدم تسمية المرشحين قبل انتهاء الأجل المذكور، أو ترشيح عدد يقل عن ثلاثةـ أو ترشح من لا تنطبق عليه الضوابط المذكورة في الفقرة الأولى، ففي هذه الحالة يحق لرئيس الجمهورية أن يسمي رئيس الهيئة من بين أقدم سبعة من نواب رئيس الهيئة القضائية.

واجه القانون اعتراضات واسعة حيث اتفق شيوخ القضاء والهيئات القضائية، يوم الثلاثاء الموافق 28 مارس على رفض مشروع قانون قواعد تعيين رؤساء الهيئات القضائية الذي أقره البرلمان بشكل مبدئي.[1]

وفي 22 ابريل، أحال البرلمان مشروع القانون مرة أخرى لقسم التشريع بمجلس الدولة بعدما أدخل عليه تعديلات طفيفة. وفي نفس اليوم وبعد ساعات قليلة من الإحالة، اجتمع المجلس الخاص- أعلى سلطة إدارية بمجلس الدولة- برئاسة المستشار محمد مسعود، رئيس مجلس الدولة وقرر رفض مشروع القانون الذي وافق عليه مجلس النواب بصفة مبدئية، الخاص بتغيير طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، ليكون هذا الرفض الثاني بعد الرفض الذي تم في مارس.

في اليوم التالي 23/ابريل، أرسل كلا من هيئة قضايا الدولة ومجلس القضاء الأعلى خطابا للبرلمان برفض مشروع القانون. وأكد الخطابان رفض مشروع القانون بتعديلاته الجديدة التي تمنح رئيس الجمهورية سلطة تقديرية في تعيين رئيس مجلس الدولة وباقي الهيئات القضائية من بين 3 من أقدم 7 أعضاء بكل هيئة، بالإضافة لمنح الرئيس سلطة تقديرية مطلقة في تعيين رئيس الهيئة إذا أرسل المجلس الأعلى للهيئة أو جمعيتها العمومية قائمة مرشحين تضم أقل من 3 أسماء، أو في غير المواعيد المنصوص عليها في المشروع.

في يوم الأربعاء الموافق في 26 أبريل، انعقد البرلمان وأقر القانون بأغلبية الثلثين. كما قاموا بالتصويت على مشروع القانون وقوفا وجلوسا وليس برفع الأيدي، ليتم تمرير القانون رغما عن اعتراضات الهيئات القضائية المختلفة. وبرر البرلمان ذلك بأن الدستور أوجب عليه أخذ رأي الجهات فقط، وليس الإتزام أو التقيد بهذا الرأي.

الإعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات

ينال القانون من قوام النظام السياسي المصري القائم على الفصل بين السطات طبقا لنص المادة 5 من الدستور. وتنص هذه المادة على أن "يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤئولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته، على الوجه المبين في الدستور." كما ينال القانون من مبدأ استقلال القضاء والمنصوص عليه في نص المادة 94 من الدستور "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.  وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات."

كما ينال كذلك من مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة 184 "السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون، ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم."

كما يخالف القانون نص المادة 185 من الدستور والتي أوضحت معايير هذا الإستقلال فنصت على أن "تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شؤونها، ويكون لكل منها موازنة مستقلة، يناقشها مجلس النواب بكامل عناصرها، وتدرج بعد إقرارها في الموازنة العامة للدولة رقماً واحداً، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها." ليحدد المشرع الدستوري ضمانات استقلال القضاء بداية من إدارة شئونها الداخلية ومرورا بالتأكيد على استقلالية موازنتها، ليحميها بذلك من تدخلات السلطة التنفيذية. ثم نص على ضرورة أخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها ليحميها من أي انحراف تشريعي يقود هذا الإستقلال وهي القواعد التي أطاح بها القانون إطاحة كاملة.

كما خالف القانون نص المادة 190 من الدستور والتي منحت  مجلس الدولة الاختصاص بمراجعة، وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، ليضرب البرلمان عرض الحائط بمبدأ الفصل بين السلطات، ويتعامل كذلك مع نصوص الدستور باعتبارها إجراءات شكلية يتبعها دون إعمال مضمونها، فأرسل لكافة الهيئات القضائية طالبا رأيها في التشريع ومن ضمنهم مجلس الدولة اعمالا لنص المادة 185، ثم ارسل لمجلس الدولة مشروع القانون لأخذ رأيه فيه طبقا لنص المادة 190. وفي النهاية صدر القانون مخالفا لكافة الآراء التي أرسلتها له الجهات القضائية وكذلك مخالفا لرأي مجلس الدولة.

على خطى البرلمان الرئاسة تصدر القانون

من البيّن أن اقتراح القانون يؤدي إلى إعطاء رئيس الجمهورية إمكانية إحكام السيطرة على الهيئات القضائية والنيل من استقلال القضاء الذي كان عطل عدداً من أعماله وعلى رأسها اتفاقية تيران وصنافير التي أبطلها القضاء الإداري، وكذلك إلغاء عدد من أحكام الإعدام التي أصدرتها دوائر الارهاب وألغتها محكمة النقض. وعلى العكس من توقعات القضاة الذين اعتادوا على إمكانية اعتراضه على القانون، صادق الرئيس السيسي على القانون فور وصوله لرئاسة الجمهورية.

وتجدر الإشارة إلى أن صدور هذا القانون حدث في وقت سريع جدا مقارنة بخطوات وإجراءات التشريع المعتادة، والتي تأخذ وقتا أكثر من ذلك. ومن الأمثلة الفاقعة على ذلك هو انقضاء ما يزيد عن ثمانية أشهر منذ موافقة مجلس النواب في شهر أغسطس الماضي على إدخال بعض التعديلات التشريعية على قانون مجلس الدولة المصري، وهي التعديلات التي اقترحها مجلس الدولة نفسه، من دون أن يصادق رئيس الجمهورية عليها. وقد تمثل هذا القانون في اقتراح إضافة مادة جديدة تحت رقم 50 مكرر والتي نصت على اختصاص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بالنظر في إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة عنها، للحد من مخالفة محكمة الأمور المستعجلة (التابعة للقضاء العادي). ولا يعلم أحد مآل هذا القانون الذي وافق عليه البرلمان، وفيما إذا كان التعطيل متأتيا عن البرلمان أو من رئاسة الجمهورية.

وفي النهاية يبقي سؤال كيف استطاع البرلمان والرئاسة النيل من السلطة القضائية دون أي مقاومة تذكر؟ وهل ممثلو القضاء الذين طالما خاضوا صراعات ضد السلطة التنفيذية في مراحل عدة من تاريخها، أصبحت دون أنياب تدافع بها عن نفسها أم أنها أسهمت في ذبح نفسها بطريقة أو أخرى؟

 


[1]  http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=28032017&id=9a5df969-e890-4b62-9495-26be87ab44fa

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية