تعثّر الإصلاح القضائي: حذرٌ يكشف الخوف من القاضي المستقلّ

تعثّر الإصلاح القضائي: حذرٌ يكشف الخوف من القاضي المستقلّ

تنتهي سنة 2023 ولا يزال المجلس النيابي عاجزًا عن إقرار اقتراحيْ قانون لتكريس استقلال القضاء العدلي والإداري، بما يكشف حذرًا من فقدان الهيمنة السياسية على القضاء. وقد اقترن الحذر إزاء الإصلاحات القضائيّة باستمرار تعطيل العمل القضائي في مجمل القضايا الهامّة بفعل تعطيل التشكيلات القضائية وعمليًا تمكين أيّ مدعى عليه من تعطيل أيّ تحقيق ضدّه من دون أن يستتبع ذلك أي قلق أو اهتمام من السلطات العامّة أو أيّ من القوى السياسية الوازنة. وكان الاقتراح الأوّل بشأن القضاء العدلي قُدّم في أيلول 2018 فيما قُدّم الاقتراح الثاني بشأن القضاء الإداري في آذار 2021 وقدّم عدد من نوّاب “التغيير” اقتراح قانون معجّل مكرّر لتجاوز التعطيل القضائي في آذار 2023 من دون أن يدرج هذا الاقتراح على جدول أعمال المجلس.  

وقد شهدت أواخر السنة الماضية إدراج اقتراح قانون القضاء العدلي على جدول أعمال الهيئة العامّة للمجلس النيابي، ولمّا يزال مشوبًا بثغرات تجعله أداة قابلةً للتحوّل إلى أداة سياسيّة لاستتباع القضاة أكثر ممّا هو ضمانة لاستقلاليّتهم. إلّا أنّ رئيس مجلس النوّاب قرّر بناء على طلب رئيس الوزراء نجيب ميقاتي إرجاء البحث في هذا الاقتراح من دون أي تبرير. وقد اتّضح فيما بعد أنّ رئيس لجنة الإدارة والعدل كان بدوره طلب إرجاء النظر في الاقتراح كونه وكتلته ملتزمين بعدم مناقشة أيّ قانون في ظلّ الفراغ الرئاسي.

وتحضيرًا لإعادة إدراج هذا الاقتراح على جدول أعمال الهيئة العامّة، ننشر هنا أبرز الملاحظات التي نشرها ائتلاف استقلال القضاء اعتراضًا على اقتراح القانون في صيغته الأخيرة.  

ملاحقة القضاة وتقييمهم في عهدة هيئات تتحكّم السلطة التنفيذية في تعيينها

تتيح مراجعة نصّ الاقتراح، ملاحظة أنّه ينشئ هيئة جديدة “هيئة التقييم القضائي” إلى جانب هيئة التفتيش القضائي، علمًا أنّ السلطة التنفيذية تتولّى تعيين كامل أعضائِهما، ممّا يخوّلها التحكّم بمجمل الأعمال المتّصلة بملاحقة القضاة أو تقييم أدائهم، ويمنحها تاليًا مجالًا واسعًا لمحاباة القضاة الذين يوالونها أو يوالون القوى السياسية التي تتكوّن منها وابتزاز القضاة الذين يحرصون على استقلاليّتهم.

الفشل في تحرير مجلس القضاء الأعلى من قبضة الحسابات السياسية

تضمّن الاقتراح أنّ مجلس القضاء الأعلى يتكوّن من عشرة قضاة: ثلاثة حكميّون (هم رئيس محكمة التمييز ورئيس هيئة التفتيش القضائي والنائب العام التمييزي) وسبعة منتخبون يمثلون سبع فئات مختلفة من القضاة. وفي حين يشكّل هذا الأمر تحوّلًا هامًّا بالنسبة إلى الوضع الحالي حيث تعيّن السّلطة التنفيذية 8 من أعضاء المجلس العشرة، فإنّ النظر في كيفية انتخاب هؤلاء يجعل الصورة أقلّ وردية ويظهر خيارات غير مبرّرة من شأنها منح السلطة السياسية هامشًا واسعًا للتأثير في نتائج الانتخابات وتاليًا في تكوين المجلس. فالاقتراح عمد إلى تقسيم القضاة إلى فئات سبع مصطنعة تتمثّل كلّ فئة منها بقاض منتخب، علمًا أنّ أربعًا من هذه الفئات (الفئات الأهم) تتكوّن من قضاة تمّ تعيين معظمهم بناء على حظوتهم لدى القوى السياسية التي تحكّمت في تشكيلات 2017. عدا عن أنّ من شأن ذلك أن يمهّد لإعطاء هامش واسع لهذه القوى بالتحكّم بنتائج الانتخابات، أقلّه بالنسبة إلى هذه الفئات الأربع، ويؤدي في الآن نفسه إلى تضخيم تمثيلية القضاة من الفئات العليا مقابل تهميش القضاة من الفئات الشبابية أو حصر تمثيليّتهم بعضو واحد من أصل 10. وليس أدلّ على ذلك من أنّ إحدى تلك الفئات (رؤساء غرف محكمة التمييز) والمكوّنة من 10 قضاة فقط تتمثّل بعضو واحد فيما يتمثّل أكثر من 140 قاضيًا من الفئة الشبابية بعضو واحد.

تمّ استحداث وظيفة قاضي المهمّة الذي يُخشى تحوّله إلى جوكر للقوى السياسية داخل العدليّة. 

وبالنسبة إلى أعضاء المجلس الحكميين (وهم 3 يصبحون أعضاء في المجلس بفعل تولّيهم منصبًا قضائيًا عاليًا من دون انتخاب)، عمد  الاقتراح بداية إلى تضييق سلطة الحكومة في تعيينهم من ضمن قوائم من 3 أسماء يضعها مجلس القضاء الأعلى، إلّا أنّه سرعان ما خوّل وزير العدل إضافة أسماء أخرى وإن اشترط موافقة مجلس القضاء الأعلى عليها، على أن يكون لمجلس الوزراء حسم التعيين.

وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو أنّ لجنة الإدارة والعدل أعلنت أنّ كيفية التعيين لم تحسم في اللجنة تاركة للهيئة العامّة لمجلس النوّاب النظر مجددًا فيها. بمعنى أنّ أي تحسين ورد في هذا الاقتراح يبقى وجهة نظر بانتظار الموقف النهائي للهيئة العامّة الذي قد يقلب عضوية المجلس رأسًا على عقب في اتجاه التقليل من الأعضاء المنتخبين أو تعديل الفئات التي يحصل الترشيح على أساسها وبالنتيجة تعزيز نفوذ القوى السياسية في تعيين أعضائه.

عدم تنزيه التشكيلات القضائية عن التدخّلات

تشكّل التشكيلات القضائيّة إحدى أهمّ المناسبات للتدخّل في القضاء وبناء الولاءات السياسية. وكان يتوقّع من الاقتراح أن يُقدّم جوابًا على الإشكالات المطروحة من خلال تكريس معايير دولية أهمّها آليّة تعيين محايدة، وإرساء مبدأ عدم جواز نقل القاضي إلّا برضاه، وفتح باب الترشيح للمراكز الشاغرة، فضلًا عن اعتماد معايير النزاهة والكفاءة. إلّا أنّ الحلول الواردة في الاقتراح أتتْ غير كافية بل وهميّة في أكثر من جانب وفي تعارض تامّ مع المعايير الدولية وفق ما نبيّنه أدناه.

وأهمّ ما لفت إليه الائتلاف هو اشتراط أكثرية مضخّمة لأعضاء المجلس (7 من أصل 10) لتجاوز اعتراض وزير العدل على أيّ من التعيينات، ما يعزز قدرة الأخير في فرض إرادته. فنظرًا إلى أنّ السلطة التنفيذية صاحبة القرار في تعيين القضاة الـ 3 الحكميين داخل المجلس، يكفي أن يشغر أحد مراكز المجلس أو أن ينحاز أحد المنتخبين للحكميّين ليصبح من غير الممكن تحقيق غالبية حسم، وبخاصّة أنّ المجلس غالبًا ما يحصل فيه شغورات تنقص من عديده. وعليه، رأى الائتلاف أنّ أي تعديل جدّي هنا يوجِب تخفيض غالبية الحسم إلى غالبية نسبية وإلّا سيكون بإمكان القوى السياسية تعطيل التشكيلات القضائية من خلال وزير العدل.

كما تساءل الائتلاف عن الإصرار على صدور التشكيلات بـ “مرسوم” رغم تحوّل هذا الإجراء إلى أداة تمنح أيّا من المسؤولين الذين يفترض توقيعهم عليه (آخرهم وزير المالية) ممارسة حق الفيتو على التشكيلات وتاليًا تعطيلها. وإذ سجّل الائتلاف إيجابًا إعلان نفاذ التشكيلات في حال لم يصدر المرسوم في غضون شهر من ورود المشروع إلى ديوان وزارة العدل، تخوّف من نشوء ممارسات غير قانونية لتعطيل ورود مشروع التشكيلات إلى ديوان وزارة العدل بطريقة أو بأخرى، منعًا لسريان مهلة الشهر.

إنشاء فئة قضاة المهمّة أو الجوكر في العدلية

تمّ استحداث وظيفة قضائية هجينة هي وظيفة قاضي المهمّة وهو قاضٍ لا يُعيّن في مركز محدّد بل يكون من الممكن انتدابه لأيّ وظيفة عند الحاجة. ويشير الاقتراح إلى إمكانية أن يبلغ عدد قضاة المهمّة 5% من القضاة. ومن شأن كلّ ذلك أن يجعل استقلاليّة القضاء في هذه المراكز بالغة الهشاشة. وأكثر ما يُخشى منه هنا هو استخدام قضاة هذه الفئة بمثابة “جوكر” لخدمة مصالح القوى النافذة في القضايا التي تهمّها، وذلك من خلال تنصيبهم في هيئات تعاني من شواغر وهيئات يتنحى أو يُنحَّى أعضاء منها بفعل ضغوط سياسية وإعلامية.

عدم الاعتراف بالمساواة بين القضاة وإبقاء أبواب الإغراء والمحاباة مفتوحة

يرشح الاقتراح عن نفَس تمييزي بين كبار القضاة والفئات العمرية الشبابية، وأيضا بين رؤساء الغرف والمستشارين فيها، كما أنه يترك الطريق مفتوحا أمام تعيين القضاة في لجان لقاء بدل خاص بها من دون ضوابط. كما أنه يسمح بانتداب قضاة إلى بعض الإدارات (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والهيئة العليا للتأديب) مخوّلًا إياهم في هذه الحالات تلقّي راتبًا من الجهة التي انتدبوا إليها بالإضافة إلى راتبهم الأساسي في القضاء. وهذا ما حذرت منه أيضًا لجنة البندقية.

عدم الاعتراف بالحريات الأساسية والضمانات الذاتية للقضاة

يُجافي الاقتراح العديد من الضمانات الأساسية المكرّسة دوليًّا للقضاة. وأبرز الثغرات في هذا المجال الآتية:

  • أنّه لا يضع أي قواعد ضامنة للاستقلاليّة المالية أو للحقوق الأساسية (صحة، تعليم، سكن وإلخ)،
  • أنّه لا يقر مبدأ عدم جواز نقل القضاة إلّا برضاه إلّا بصورة لفظية غير صحيحة،
  • أنّه يضيّق حرية القضاة في إنشاء جمعيات والذي يشكل ضمانة لاستقلاليّتهم. فقد اشترط الاقتراح ألّا يكون موضوع الجمعية متعارضًا مع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى. هذا الأمر خطير وغير مبرّر ومن شأنه حصر حرّية تأسيس جمعيات للقضاة بإنشاء نوادٍ ترفيهية أو ثقافية.
  • أنّه يخوّل مجلس القضاء الأعلى عزل قاضٍ (من خلال إعلان عدم أهليته) من دون تعريف عدم الأهلية ومن دون تمكين القاضي من الدفاع عن نفسه.  
  • أنّه يترك القاضي عرضة لملاحقة تأديبية على أساس نصوص مطّاطة خلافًا لمبدأيْ شرعية العقوبة ومدى تناسب العقوبة مع خطورتها.
  • أنّه لا يقرّ للقضاة في القضايا التأديبية ضمانة المحاكمة العادلة باللجوء إلى محاكمة على درجتين.

الفشل في تحقيق المساواة في الدخول إلى معهد الدروس القضائية مقابل إبقاء “خط عسكري” موجز لدخول القضاء من خارج المعهد

سعى الاقتراح الأساسي الذي أعدته “المفكرة القانونية” إلى ضمان المساواة بين المرشّحين لدخول القضاء أو معهد الدروس القضائية من خلال حظر استبعاد أي مرشّح بناء على معايير غير موضوعية ووضع شروط عادلة للمباراة.

إلّا أنّ اقتراح لجنة الإدارة والعدل ذهب للأسف إلى العكس تمامًا بحيث انتهى إلى إعطاء المجلس الأعلى للقضاء فرصًا إضافية لاستبعاد مرشّحين بقرارات غير مبنيّة على معايير موضوعية وبناء على مقابلة شفهية ومن دون أن يكون لهؤلاء أيّ حق في الطعن فيها.

أخطر ممّا تقدم، أنّه في مقابل تمديد مهلة دخول القضاء من خلال المعهد إلى ما يقارب 4 سنوات، عاد الاقتراح ليفتح طريقًا سريعًا أمام تعيين قضاة أصيلين من بين محامين ومساعدين قضائيين وذلك بموجب مباراة، ومن دون وضع ضوابط لانتقائهم. ويُخشى أن يؤدي هذا الأمر إلى إدخال عشرات القضاة الجدد من المحسوبين على الفئات السياسية بما يعوّض عن الاستقالات الحاصلة داخل القضاء حاليًا.

نشر هذا المقال في العدد 71 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

لقراءة العدد بصيغة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المهن القانونية ، قضاء ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مجلة لبنان ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية