تعاضدية “الأيادي المتضامنة”: طوق نجاة للنساء ضحايا العنف ا قتصادي في قطاع النسيج


2020-11-17    |   

تعاضدية “الأيادي المتضامنة”: طوق نجاة للنساء ضحايا العنف ا قتصادي في قطاع النسيج
من التهميش إلى الإدماج

تتعرض النساء العاملات في مجال النسيج والملابس واللواتي يمثلن 86% من إجمالي العاملين في هذا القطاع، إلى العديد من الانتهاكات تحت تأثير نموذج التشغيل الهش الذي فرضه المنوال التنموي الحالي. وتصنف هذه الانتهاكات ضمن صنفين تحت غطاء ما يسمى بمرونة التشغيل، للتغطية على العنف الاقتصادي المسلط على هذه الشريحة من العاملات.
يهمّ الصنف الأول انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال المسار المهني والمقدر بحوالي عشرين سنة وتشمل الانتهاكات ظروف العمل والعلاقات الشغلية في خرق واضح لمجلة الشغل والاتفاقية المشتركة لقطاع النسيج والملابس. وهذا ما بيّنته دراسة أصدرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2014، ضمّت عينة من 28 مؤسسة صناعية مختصة في مجال الخياطة التصديرية وموزعة جغرافيا في أغلب المعتمديات التابعة لولاية المنستير و260 امرأة عاملة في قطاع النسيج وأساسا قطاع الخياطة. فقد بين البحث أن أكثر من 42% من العاملات في هذا القطاع يمثلن المعيل الوحيد للعائلة التي تتكون في المتوسط من أكثر من 5 أشخاص، ويفاقم تدني مستوى الدخل الفردي في هذا القطاع من أزمتهنّ، حيث يبلغ متوسّط الأجور حوالي 300 دينار شهريا. كما تُحرم 26% من العاملات من التغطية الصحية نظرا لعدم تمتعهن بالتغطية الاجتماعية في انتهاك واضح للقوانين المعمول بها. وفي كثير من الأحيان تفاجأت العاملات بعدم انخراطهن في منظومة الضمان الاجتماعي وهن عموما لا تتفطّن إلى ذلك إلاّ بعد انقطاع العلاقة الشغليّة. يلحظ أنّ أغلب العاملات في هذا القطاع في تلك الجهة ينتمين إلى أوساط اجتماعية فقيرة ومتوسطة وهنّ في الغالب يعانين من تدني الظروف الصحية والغذائية والسكنية مما ينعكس على مردودهن في العمل.
أما الصنف الثاني فيتمثل في الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي الذي تتعرض له العاملات عادة بعد سن الأربعين تحت ذريعة تراجع المردودية والقدرة التنافسية ووضعهن الصحي والصعوبات الاقتصادية وغيرها. وعادة ما يتم التخلص منهن بطريقتين:
الأولى، عدم تجديد عقودهن محددة المدة والتي تشتغل ضمن إطارها القانوني حوالي ثلاثة أرباع العاملات في هذا القطاع حيث يطردن من العمل بهدوء بعد سنوات طويلة من دون أن يملكن الحق في المطالبة بالتعويضات، كما توصد أمامهن أبواب المصانع بتعلة التقدم في السن ووضعهن الصحي المتردي.
الثانية، وهي تهم العاملات المترسمات، ويمثلن حوالي ربع العاملات في هذا القطاع، حيث يتم التخلص منهن عن طريق الغلق الفجائي للمصانع والطرد التعسفي، فتلتجئ العاملات إلى المحاكم من أجل ضمان حقوقهن المشروعة التي نصت عليها مجلة الشغل. لكن بعد مسار قضائي طويل ومعقّد، لا يحصلن إلا على المستحقات والتي يتكفل بها في الغالب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعدما يتم التفريط في المصنع بأرخص الأثمان. ومهما كانت طريقة التخلص من العاملات، فإن النتيجة النهائية لأغلب المشتغلات في هذا القطاع بعد عشرين سنة من العمل في المعدل هي الإقصاء الاقتصادي (رفض المصانع تشغيل النساء عادة بعد سن الأربعين ) والإقصاء الاجتماعي (تتعرض النساء في إثر الطرد إلى التفقير والتهميش ويحرمن من التغطية الصحية والاجتماعية). وتدفع بهن الظروف إلى الهشاشة الاجتماعية.

تزامن بعث التعاضدية مع طرح قانون الاقتصاد التضامني والاجتماعي الذي خصص نسبة من الصفقات العمومية لفائدة للمؤسسات المنضوية تحته

العمل الهش في قطاع النسيج قضية مركزية في أنشطة المنتدى
ضمن هذا الإطار، بادر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فرع المنستير منذ تأسيسه في 2012 إلى تبني قضية النساء العاملات في قطاع النسيج والملابس وذلك عبر انجاز الدراسات والبحوث والأشرطة الوثائقية لتوثيق الانتهاكات وهشاشة العمل التي يعانين منها أو من خلال الإحاطة بهن وتوجيههن ومساندة نضالهن ومرافقتهن في المحاكم ولدى صندوق الضمان الاجتماعي وتنظيم حملات المناصرة لقضاياهن (حملة الحق في الصحة، التصدي لانتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الغلق الفجائي للمؤسسات) والضغط على الأطراف المتداخلة في هذا القطاع داخليا وخارجيا من أجل تحسين ظروف العمل والتصدي للانتهاكات وغيرها. وقد مكّن كل ذلك من الحدّ من الاستغلال وتحقيق مطالب الضحايا. وتدريجيا، تحوّل فرع المنتدى بالمنستير إلى مرجع في هذا المجال، حيث أصبح قبلة للباحثين والناشطين والمتربصين والمسؤولين للتفاوض والاستئناس بتجربته في هذا المجال. كما سعى المنتدى إلى تكوين النساء في مجالات أخرى للمساعدة على إعادة إدماجهن في الدورة الاقتصادية خاصة النساء اللواتي يعانين من الأمراض المهنية حيث نظم المنتدى دورات تكوينية في الحرف بفضلها تحصلت النساء على مؤهل مهني وشهادة حرفي مما مكنهن من الاستفادة من تمويل بنك التضامن وفتح مشاريعهن الخاصة. كما عمل على تنظيم المعارض لتسويق منتوجاتهن. وضمن هذا التوجه، بادر المنتدى إلى التعريف بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني لدى النساء ضحايا الطرد التعسفي وتشجيعهن على الانخراط فيه من خلال بعث مشاريع تثمن خبراتهن التي راكمنها في المصانع.

من الاحتجاج والمناصرة إلى طرح البدائل والحلول
لتجاوز منطق المساندة نحو تقديم الحلول، طرح المنتدى فكرة بعث تعاضدية صناعية للنسيج لفائدة العاملات المسرحات كبديل وحل عملي لواقع الهشاشة الذي أجبرن على العيش فيه. وقد تزامن ذلك مع طرح قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من قبل الإتحاد العام التونسي للشغل والذي يقترح تخصيص نسبة من الصفقات العمومية لفائدة مؤسسات هذا القطاع وهو ما يمثل فرصة حقيقية لدعم مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وبعد مرحلة من التكوين والتنسيق والفرز وفق مقاييس دقيقة (العمر، الحالة الاجتماعية، الاختصاص، الخبرة…) تراعي الأحقية والأهلية، تمّ تجميع خمسين منخرطة ومنخرط، أكثر من 90% منهن نساء تتراوح أعمارهن بين 40 و55 سنة، وجلّهن يعشن في الوسط الحضري لقرى ومدن معتمديات قصر هلال وصيادة وقصيبة المديوني من ولاية المنستير. وفي 25 جانفي 2020، تمّ عقد الجلسة العامة التأسيسية ووقع الاتفاق على تسميتها “الأيادي المتضامنة” كما تمّت المصادقة على قانونها الأساسي وانتخاب مجلس إدارتها من بين النساء المتعاضدات. وبعد إجراءات إدارية طويلة وصعوبات عديدة باعتبار افتقار القوانين المنظمة للتعاضد في المجال الصناعي ونقص تكوين الإدارات المحلية والجهوية وعدم معرفتهن للتعاضديات الصناعية (اضطررنا إلى التوجه إلى الوزرات لإتمام الإجراءات القانونية) وقع تسجيل هذه المؤسسة في السجل الوطني للمؤسسات في 6 مارس 2020 وبذلك أصبحت مؤسسة قانونية.
تموقعت التعاضدية في آخر سلسلة الإنتاج الخاصّة بالمنسوجات ذات العلاقة بالتنظيف من مسّاحات وفوط ومناديل وغيرها. كما اختارت النساء المنخرطات في هذه التعاضدية نظام المرونة في الإنتاج منذ البداية ليتلاءم مع وضعهن العائلي والصحي. حيث ينجزن في منازلهن جزءا من مراحل الإنتاج وتقوم التعاضدية بالتسويق وتوفير المواد الأولية التي يقع اقتناؤها من السوق المحلية. ونظرا لتفشي وباء كوفيد 19 في تونس منذ بداية شهر مارس 2020، تأجلت عملية الانطلاق. إلاّ أنه وبعد رفع الحجر الصحي الذي دام لثلاثة أشهر تقريبا، انطلقت التعاضدية في شراء مستلزمات العمل من مواد خام ومعدّات وينتظر أن تبدأ أولى مراحل الإنتاج والتسويق خلال شهر أكتوبر من سنة 2020.
إذن، يمكن تعريف “الأيادي المتضامنة “بكونها مشروعا أو طوق نجاة لفائدة النساء ضحايا العنف الاقتصادي الذي ولّده الواقع الاقتصادي والاجتماعي التونسي الناتج عن المنوال التنموي المعتمد من قبل الدولة. وتكمن أهميته في قدرته على توفير بديل للعمل الهش الذي كنّ يزاولن نشاطهنّ فيه. كما أنّ هذا المشروع يملك مقوّمات الاستمرارية والاستدامة والاستفادة من الفرص المتوفرة في المنطقة على مستوى التزود بالمواد الخام وتسويق المنتجات والاندماج في الدورة الاقتصادية. مثال يؤكد أن التضامن والتكاتف بين الفئات المتضرّرة ضروريان من أجل التصدي لسياسات التهميش والإقصاء والاستغلال. كما يسلّط الضوء على ضرورة استغلال الفرص التي يمنحها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كجزء من الحلول في مواجهة البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية.

 

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، تونس ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *