تطوّرات إيجابية في تنظيم مجلس شورى الدولة: تعليق تكاليف القضاة بمهام استشارية تدريجياً وانخراط في ورشة الإصلاح التشريعي للقضاء الإداري


2020-11-18    |   

تطوّرات إيجابية في تنظيم مجلس شورى الدولة: تعليق تكاليف القضاة بمهام استشارية تدريجياً وانخراط في ورشة الإصلاح التشريعي للقضاء الإداري

بتاريخ 12 تشرين الثاني 2020، أصدر رئيس مجلس شورى الدولة فادي الياس تعميماً تضمّن عدداً من الخطوات، التي يؤمل أن يكون لها انعكاسات هامّة على أداء القضاء الإداري ككلّ. أهمّ هذه الخطوات هي الآتية: 

  • إعلان الإنخراط في الورشة التشريعية:

أحد أهم الخطوات التي تضمنها التعميم، هو إعلان المجلس إنخراطه في الورشة التشريعية والتعميم على قضاته أنه يتم العمل حاليا على إعداد مشروع قانون لاستقلال القضاء (يفهم القضاء الإداري) مع دعوتهم إلى تزويد رئاسة المجلس بما لديهم من ملاحظات واقتراحات في هذا الخصوص. يشكّل هذا الأمر تطوُّرا إيجابيّا هامّا، قوامه إقرار المجلس بأن نظامه الحالي لم يعد مناسبا للاستجابة مع مطلب العدالة المتزايد. يلحظ أن القانون المعمول به حاليا والناظم لعمل مجلس شورى الدولة يعود إلى 1975 وأنه لقي آخر تعديل عليه في سنة 2000، أي منذ 20 سنة وأن العقدين الأخيرين شهدا محاولات بإدخال تعديلات طفيفة، اتصلت باعتبارات التوازن الطائفي أكثر مما اتصلت باعتبارات العدالة. 

وكانت “المفكرة القانونية” قد أنهَتْ في تشرين الأول 2020 مسودة اقتراح قانون حول استقلال القضاء الإداري بعد عمل استمرَّ قرابة سنتين تخلله حلقات نقاش حول مضمونه، بحضور قضاة من مجلس شورى الدولة، آخرها حصل في تشرين الثاني 2019. وقد تمّ إرسال هذه المسودة ابتداء من 2 تشرين الثاني إلى مراجع وقضاة عدة (منهم مجلس شورى الدولة). كما عقدت عددا من الجلسات الحوارية مع الأحزاب والقوى المشاركة في ثورة 17 تشرين، والمحامين والمنظمات الحقوقية. وستقوم قريبا بنشر المسودة الأخيرة على موقعها الإلكتروني، مع دعوة من يرغب إلى إبداء الملاحظات عملا بمبدأ التشاركية في التشريع. كما كانت نشرت عددا خاصا عن مجلس شورى الدولة استعرضت فيه أبرز إشكاليات تنظيم هذا المجلس وأدائه، انتهاء إلى وضع قائمة ب 20 سببا موجبا لوضع تشريع جديد. 

وتأمل “المفكرة القانونية” أن تؤدي رغبة مجلس شورى الدولة المعلنة في الإنخراط في الورشة التشريعية إلى أوسع تلاقٍ ممكن حول معايير استقلال القضاء والمحاكمة العادلة ومعالجة مجمل جوانب الخلل فيها، بما يستجيب لمطالب الناس وانتظاراتهم ويُعيد بعض الأمل في مستقبل أكثر عدالة. فمع التسليم أن ورشة الإصلاح القضائي تستوجب أوسع مشاركة للقضاة فيه ليكونوا فاعلا فيه وليس مجرّد متلقّ، فإن تنظيم القضاء يبقى تحدّيا اجتماعيا أساسيا ذات أبعاد هائلة بالغة الخطورة، وهو تحدّ يفرض أوسع انخراط اجتماعي وحقوقي فيه. وهذا ما نعمل به لمصلحة القضاء والمجتمع على حد سواء.  

  • مسعى لمعالجة مسألة التكاليف 

بما لا يقلّ أهمية، تضمَّن التعميم بنوداً عدّة أمكن وضعها في خانة معالجة الاشكاليات الناجمة عن تكليف القضاة بمهام استشارية في الإدارات العامّة سندا للمادة 15 من نظام المجلس، وإن بقيت هذه المعالجة مؤقّتة ومجتزأة. ويجدر التذكير هنا أن “المفكرة القانونية” كانت حذّرت إزاء هذه التكاليف بانتظام، وفق ما نشرته في عددها الخاصّ أو مؤخّرا تبعا للعقود الموقعة مع عدد من القضاة والتي أثارها وزير التربية الوطنية طارق مجذوب.

البند الأوّل اتّصل بتجميد العمل مؤقّتا بأحكام المادة 15 من نظام المجلس اعتبارا من بداية 2021، مع مراعاة مدّة السنة المحدّدة لانتهاء كلّ تكليف على حدة. وهذا البند إيجابي إذ أنّه يؤدّي إلى إنهاء ممارسة مخلّة بمبدأ الفصل بين السلطات قوامها تواجد القاضي صباحا في المحكمة ومساء في إحدى الوزارات، فضلا عن تضارب المصالح لديه ما بين المصلحة في إرضاء قوى الحكم للحصول على عقود مجزية ومهمته في النظر في الطعون المقدمة ضد القرارات الصادرة عن هذه القوى. ورغم إيجابية هذا البند، يلحظ أنه استثنى بشكل غير مفهوم التكاليف لرئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، رغم أنها التكاليف الأكثر خطورة بالنظر إلى محورية هذين المرجعين في السلطة التنفيذية ويؤمل تاليا أن يعاد النظر بهذا الإستثناء الذي لم يتضمن التعميم أي توضيح حول مبرراته. 

البند الثاني في هذا الخصوص، اتصل في تكليف القضاة بالإفادة عما إذا كانوا معينين مستشارين أو رؤساء أو أعضاء لجان في أي من الوزارات أو الإدارات العامة وفي حال الإيجاب تحديدها والإفادة عن التعويضات التي يتقاضونها عن المهام المذكورة ويوضع في ظرف مختوم في القلم. 

وهذا البند بالغ الأهمية فهو يعكس قناعة لدى رئيس المجلس بأن ثمّة تكليفات وتعيينات تحصل لعدد من قضاة المجلس من دون أن تكون صادرة عنه أو حتى أن يكون على علم بها، بدليل مطالبة القضاة إفادته بشأنها. وهذا أيضا يؤكد ما كانت المفكرة القانونية حذرت منه لجهة تنامي ممارسة التكليف على التكليف، أي أن يحصل القاضي على قرار من رئيس مجلس شورى الدولة بتكليفه بمهام محددة لدى إدارة معينة، فتقوم هذه الإدارة من ثم بتكليفه بمهام أخرى يأخذ بعضها شكل عقود استشارية، من دون إعلام رئاسة المجلس بها. 

كما أن تكليف القضاة بالإفصاح عن التعويضات العائدة لهم، إنما يعالج جانبا آخر لا يقل أهمية وهو نشوء ممارسات تمييزية بين القضاة بفعل هذه التكاليف والفوائد المالية الناجمة عنها، بما يمكّن بعض القضاة من مضاعفة رواتبهم. وفيما كانت هذه الممارسة المناقضة لمبدأ استقلالية القاضي تتم تحت غطاء المادة 15 من نظام المجلس، فإنها باتت غير قانونية بفعل قانون الموازنة لسنة 2019 حيث حدد الحد الأقصى للبدلات المالية التي يمكن أن يتقاضاها قاضٍ نتيجة أعمال استشارية بالإضافة إلى راتبه بثلاث مرات الحد الأدنى للأجور أي ما يقارب مليوني ليرة لبنانية. وتاليا يرجى أن يتم استتباع هذا البند بوضع آلية للحؤول دون تجاوز النص القانوني في هذا الخصوص. وهذا ما كانت “المفكرة القانونية” قدّمت طلبا رسميا بشأنه لدى وزارة العدل بتاريخ 2 تشرين الثاني 2020، فجاءها جواب من وزيرة العدل ماري كلود نجم بأنها “تقوم بإحصاء القضاة المكلفين بتقديم استشارات لإدارات عامة واتخاذ الخطوات على ضوء ذلك”. ولم نتمكن من معرفة مدى التنسيق الحاصل بين مجلس شورى الدولة ووزارة العدل في هذا الصدد. 

  • مبادرة لتقييم أعمال القضاة 

إلى ذلك، تضمن التعميم بندا يمكن إعتباره خطوة أولى وضرورية يستشف منها نية في مباشرة تقييم العمل القضائي لقضاة المجلس، وهو الأمر الذي ما يزال مفقودا. وعليه، تم تكليف القضاة ب “بيان الملفات المسلمة إليهم والتي لم تنظم تقارير فيها بعد، مع بيان تاريخ تسليم كل منها إليهم وبيان أسباب التأخير في إصدار التقرير. 

ورغم إيجابية هذا البند كخطوة أولى، فإنه يقتضي استكماله من خلال إرساء منظومة تقييم متكاملة للأداء القضائي، تبدأ بإنشاء ملف لكل قاضٍ تودع فيه جميع المعطيات الخاصة به والأهم تسمح بتقييم أدائه ليس فقط كميا ولكن أيضا نوعيا مع مراعاة حقه بإبداء رأيه والطعن في تقييمه عند الإقتضاء. 

وكانت “المفكرة القانونية” ضمنت مسودة اقتراح القانون أحكاما واسعة في اتجاه إرساء آلية تقييم القضاة، وهي آلية تراعي مسؤولية القضاة واستقلاليتهم على حد سواء. 

  • ضبط ساعات التدريس: 

فضلا عما تقدم، تضمن التعميم تكليف القضاة الذين يدرسون في الجامعات بإبراز إفادة صادرة عن الجامعة التي يجري فيها التدريس تبين أوقات الدوام وعدد ساعات التدريس. وهنا أيضا نلحظ تطورا إيجابيا يؤمل ان يؤدي إلى إنهاء ممارسة قوامها تجاوز عدد كبير من القضاة العدليين والإداريين الأحكام القانونية  التي تشترط الحصول على ترخيص مسبق للتدريس في أي جامعة وتضع حدا أقصى لساعاته. ومن شأن هذا التطور في حال استتباعه بخطوات فعلية، أن يحدّ من هدر طاقات القضاة في التعليم ويحصرها في الحدود التي يسمح بها القانون من دون تجاوز. وكانت “المفكرة القانونية” قد حصرت في مسودة الاقتراح المقدم منها الترخيص للقضاة بالتدريس بالذين يحصلون على تقييم جيد لأعمالهم. 

  • السرية المصرفية والتصريح عن الثروة: 

أخيرا، وإذ ذكّر المجلس بمهل تقديم تصريح عن الثروة سندا للقانون الجديد للإثراء غير المشروع رقم 189/2020 والصادر في 16/10/2020، فإنه ذهب أبعد من ذلك في اتجاه مطالبتهم بالتوقيع على نموذج يتعلق برفع السرية المصرفية علما أن التعميم ذكر أن النموذج يوزع لاحقا بما يشير أنه لم يتم إعداده بعد. وفيما يهدف البند الأول إلى تذكير القضاة بواجب قانوني، فإن الثاني يرشح عن طلب غير ملزم ويعكس رغبة للمجلس في تعزيز الشفافية المالية لدى قضاته. وكان من الحريّ أن يذهب تعميم المجلس أبعد من ذلك في اتجاه مطالبة القضاة بإجراء تصاريح علنية عن ثرواتهم بالنظر إلى محدودية التصاريح السرية التي يفرضها قانون الإثراء غير المشروع، وبخاصة أن التنازل عن السرية المصرفية يفترض أن يحصل حصرا لصالح مكتب مجلس شورى الدولة، بما يمنع المواطنين من امكانية الاستفادة منه عند الاقتضاء. 

ختاما، وفي الاتجاه نفسه، يُسجّل تغيّر آخر في موقف مجلس شورى الدولة في اتجاه إعلان التزامه بتطبيق قانون الوصول إلى المعلومات، بالمقارنة مع مواقفه السابقة والتي كانت أشارت إليها منظمة غربال في تقريرها حول مدى التزام المجلس بهذا القانون. فإذ تقدمت “المفكرة القانونية” من المجلس بطلب للحصول على جميع قرارات تكليف قضاة مجلس شورى الدولة للقيام بأعمال استشارية سندا للمادة 15 من نظام المجلس سندا لقانون حق الوصول للمعلومات، سارع المجلس إلى الاستجابة للطلب. وهذا أمر يسجل إيجابا ويُبنى عليه.

تعميم مجلس شورى الدولة رقم ٩٨٤٥/٢٠٢٠

جواب مجلس شورى الدولة على طلب وصول للمعلومات

انشر المقال

متوفر خلال:

أطراف معنية ، استقلال القضاء ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم إدارية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *