تطبيق جديد لاتفاقية حقوق الطفل بالمغرب: زواج الحاضنة لا يسقط حضانتها


2023-10-05    |   

تطبيق جديد لاتفاقية حقوق الطفل بالمغرب: زواج الحاضنة لا يسقط حضانتها
رسم رواند عيسى

أصدرت المحكمة الابتدائية بسلا-ضواحي الرباط العاصمة في تاريخ 01/02/2023 حكما قضى برفض طلب إسقاط الحضانة عن الأم بسبب زواجها، الحكم يأتي بعد أشهر قليلة من صدور حكم مماثل عن المحكمة الابتدائية بميدلت أقر نفس المبدأ. ويدعم هذا الحكم الذي تنشره المفكّرة القانونية تزامنا مع انطلاق ورش تعديل مدونة الأسرة بالمغرب اتّجاها قضائيّا جديدا مؤدّاه أن زواج الحاضن لا يسقط حضانتها إذا كانت المصلحة الفُضلى للطفل تستوجب بقاءه مع أمه.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 30/8/2022 حينما تقدم أب بدعوى في مواجهة طليقته إلى قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بسلا يعرض فيها، بأنه انفصل عن زوجته بموجب حكم بالتطليق للشقاق بتاريخ 24/3/2021، وقد أثمر هذا الزواج عن إنجابه منها 3 أبناء، الأول يبلغ من العمر 16 سنةـ، والثاني يبلغ من العمر 13 سنة، والثالثة تبلغ من العمر 8 سنوات، وأنه فوجئ مؤخرا بأن طليقته تزوجت من جديد، بشخص أجنبي لا تربطه أية علاقة بالأبناء وذلك بتاريخ 4/9/2021، وأنه طبقا للمادة 175 من مدونة الأسرة يكون محقا في طلب إسقاط حضانتها عن الأبناء خاصة وأن سنهم تجاوز 7 سنوات وكونهم غير مصابين بأي إعاقة.

وأرفق المقال بنسخة من زواج الحاضنة ونسخة من رسم الطلاق وعقود ازدياد الأطفال .

وبناء على مذكرة الجواب من المدعى عليها، جاء فيها بأن المدّعي بدوره تزوج من جديد بعد انفصاله عن المدعية، وأن الزوجة الجديدة لن تكون أكثر حرصا على مصلحة الأبناء منها، كما أن الإبن الأكبر قد بلغ سن 15 سنة وأنه يحق له أن يختار العيش مع أحد والديه، وأنها تسند أمر الإبنين الآخرين للمحكمة ملتمسة بأن تراعي مصلحتهما الفضلى. قررت المحكمة إجراء بحث في القضية والاستماع إلى الطرفين. وخلال جلسة البحث المنعقدة بتاريخ 28/12/ 2022 أكد المدعي أنه يتشبث بطلبه الرامي لإسقاط حضانة المدعية عن الأبناء بعدما قررت الزواج من جديد. وأكدت المدعى عليها أن كل ما يشغل بالها هو الحفاظ على مصلحة الأبناء، موضحة بأنها لا تمانع في إسناد الحضانة لطليقها شريطة أن يلتزم بمتابعة الأبناء لدراستهم بنفس المدرسة الخصوصية ويشرف على ذلك بنفس الحرص، موضحة بأن ابنتها تتابع حصصا لتصحيح النطق عند طبيب اختصاصي كما تتلقى دروسا منزلية للدعم بالمنزل بواسطة معلمة خاصة، كما تتابع نشاطا رياضيا كل سبت. 

وأضافت أنها ترغب في أن يبقى الأبناء معها مجتمعين، على أن تمكن طليقها من زيارتهم في أي وقت.

قررت المحكمة عقد جلسة تكميلية للاستماع إلى الأبناء. وبعد تخيير الإبن الأول طبقا للمادة 166 من المدونة أكد أنه يرغب في العيش مع والدته.  وسئل المحضون الثاني  البالغ من العمر 13سنة وصرح أنه يزور والده  في نهاية كل أسبوع، وأنه قليلا ما يبيت معه، وأن زوجة أبيه تعامله معاملة حسنة،  لكنه يفضل العيش مع والدته  وأخوته على أن يزور والده في كل مرة. وصرّحت الإبنة الصغرى أنها تريد العيش مع والدتها ومع أخوتها.

موقف المحكمة

على ضوء جلسة البحت قررت المحكمة رفض طلب المدعي الرامي إلى إسقاط حضانة الأم على الأبناء بسبب زواجها، معتمدة على العلل التالية:

– المادة 3 من اتفاقية لاهاي لسنة 1989 المتعلقة بحقوق الطفل والمصادق عليها من طرف المغرب  تحث على مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، كما أن المادة 186 من مدونة الأسرة تفرض على المحكمة مراعاة مصلحة المحضون بالدرجة الأولى عند تطبيق مواد الباب المتعلق بالحضانة؛

– ثبت للمحكمة أن الإبن البالغ من العمر 13سنة والإبنة البالغة من العمر ثماني سنوات يعيشان مع والدتهما  رفقة زوجها وأخيهما وتحت حضانتها الفعلية منذ صغرهما وأنهما ينعمان باستقرار نفسي ويتابعان دراستهما مع  أخيهما بمدرسة خصوصية،  فضلا عن أنهما رفضا الانتقال للعيش مع والدهما بشكل مطلق عند الاستماع إليهما بجلسة البحث ؛

– من شأن اسقاط حضانة الأم على الطفلين وانتقالهما للعيش مع والدهما وانفصالهما عن أخيهما أن يشكل لهما ضررا نفسيا ناجما عن تغييرهما بيئة حضانتهما خاصة أن أخاهما الأكبر سيبقى بقوة القانون تحت حضانة والدته لأنه بلغ سن الاختيار، وقرر العيش معها.

  وعليه قضت المحكمة برفض طلب اسقاط حضانة الأم رغم زواجها.

تعليق على الحكم

يعتبر هذا الحكم من بين الأحكام القضائية المبدئية الصادرة في قضايا الحضانة بعد الطلاق أو التطليق، فبمقتضى المادة 175 من مدونة الأسرة، فإن حضانة الأم تسقط لزواجها بغير محرم للمحضون الذي تجاوز عمره سن السابعة، ولم يكن له في فراق أمه ضرر، ولا كان مصابا بعلة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير والدته.

استقر العمل القضائي على التطبيق التلقائي لمقتضيات المادة 175 بإسقاط حضانة الأم بسبب زواجها، بمجرد بلوغ المحضون سن 7 سنوات وعدم إصابته بمرض أو إعاقة، من دون التأكد من مدى إمكانية تعرضه لضرر نتيجة فصله عن أمه، وفي هذا السياق جاء في قرار محكمة النقض: “إن المحكمة لما ثبت لها من وثائق الملف وتصريحات الطرفين، أن الطاعنة قد تزوجت بغير قريب محرم للمحضونة ولا نائب شرعي لها، وأن ابنتها أتمت سن السابعة، وليس بها عاهة أو مرض يستلزم بقاءها تحت رعاية والدتها، وقضت بإسقاط حضانتها عن ابنتها، وأسندتها للمطلوب في النقض الذي يليها في ترتيب مستحقي الحضانة، فإنها قد طبقت القانون ولم تخرق المقتضيات المحتج بها، وراعت مصلحة المحضونة الفضلى التي تكمن في إسناد حضانتها لأبيها الذي هو أولى بها من غيره، مادام لم يثبت ما يستوجب إسقاطها عنه”[1].              

تعتبر الجمعيات النسائية هذه المقتضيات تمييزية في حق المرأة الحاضن، لأن زواجها يسقط حضانتها، بينما لا يؤدي زواج الأب الحاضن لإسقاط حضانته، وهو ما يعتبر تمييزا يتنافى مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛

كان لافتا في هذا الحكم أن المحكمة اعتمدت على مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل وقررت الاستماع إلى الطفلين رغم أنهما لم يبلغا بعد سن الاختيار، وقد عللت قرارها بأنه: “مراعاة  للمادة 12 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بحقوق الطفل  لسنة 1989والتي تنص على أنه تكفل الدول الأطراف في هذه الاتفاقية للطفل القادر على تكوين آرائه الخاصة حق التعبير عن تلك الآراء بحرية في جميع المسائل التي تمس الطفل  وتولي آراء الطفل الاعتبار الواجب  وفقا لسن الطفل ونضجه  ولهذا الغرض تتاح للطفل بوجه خاص فرصة الا ستماع إليه في إجراءات قضائية وإدارية تمسه  إما مباشرة أو من خلال ممثل أو هيئة ملائمة بطريقة تتفق مع القواعد الإجرائية للقانون الوطني”، “لذلك أمرت بإجراء بحث تكميلي قصد الاستماع للأطفال الثلاثة”؛

يلحظ أن المحكمة اعتمدت مفهوما موسعا للضرر اللاحق بالطفل، ليشمل أيضا الضرر النفسي المحتمل الناجم عن فراق الطفل لأمه الحاضن وتغييره بيئة حضانته وانفصاله عن بقية إخوته.

من المأمول به أن يسهم نشر هذا الحكم في تدعيم الاتجاه القضائي الجديد الداعم لاعتبار زواج الأم الحاضنة لا يسقط حضانتها متى كانت المصلحة الفضلى للمحضون تقتضي بقاءه معها، إعمالا لاتفاقية حقوق الطفل التي تسمو على التشريع الوطني.

للاطّلاع على حكم المحكمة، إضغطوا هنا

مواضيع ذات صلة

زواج الأم الحاضنة لا يسقط حضانتها: سابقة قضائية تغلب مصلحة الطفلة الفضلى في المغرب

المغرب يفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة بعد 18 سنة من صدورها

النيابة العامة بالداخلة تفعل قانون إلزامية التعليم

أمر قضائي ضد العنف المعنوي في قضايا السفر بالمحضون

محكمة الرباط تمنع سفر المحضون درءا للإصابة بالكورونا: الإذن بالسفر إهدار لمصلحة الطفل الفضلى

الطفل، العنصر المغيّب في قضية الحضانة

الإم بتلمّ”: الحضانة قضية رأي عام

إخلاء سبيل فاطمة حمزة: الحملة مستمرة حتى رفع سن الحضانة

رفع سن الزواج لدى الطائفة السنّية: تطوّر ينتظر عقوبات مشدّدة

المرأة وسن الحضانة: الإصلاح من داخل الطوائف؟

أمّ تدافع عن حقها بالحضانة بعد وفاة زوجها: أي قانون للعائلات المختلطة؟

السلطة الأبوية والحضانة في قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية

الحياة الخاصّة للمتقاضين أمام المحاكم الشرعيّة… ملك الجميع

منعا لظاهرة “خطف الأزواج للأطفال” تعطيلا لحق الحضانة: مساواة بإذن السفر للأطفال بين الأم والأب لغاية 12 سنة فقط

متى ينشر قرار المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى برفع سن الحضانة؟

واخيرا، نشر قرار رفع سن الحضانة


[1] قرار محكمة النقض عدد 2021/387، في ملف شرعي عدد 2019/1/5/1822، صادر بتاريخ 2021-07-27.

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، قرارات قضائية ، حقوق الطفل ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية