تضخم مؤسسات حقوق الانسان في تونس: الهيأة الوطنية للوقاية من التعذيب نموذجا


2013-01-08    |   

تضخم مؤسسات حقوق الانسان في تونس: الهيأة الوطنية للوقاية من التعذيب نموذجا

حظي تقديم وزير العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان بداية 2013 لرئيس المجلس الوطني التأسيسي التونسي مشروع قانون بعث الهيأة الوطنية للوقاية من التعذيب باهتمام إعلامي كبير. حاولت الحكومة أن تبرز بإعلان إيداعها لمشروع القانون أمام المجلس التشريعي أنها ترفض التعذيب وتعمل بشكل جدي على القطع مع ثقافة انتهاك حقوق الإنسان بالمؤسسات الأمنية والسجنية. يؤسس القانون في صورة المصادقة عليه لبعث هيأة عليا تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية تضطلع بدور إجراء الرقابة على المؤسسات السجنية ومراكز الاحتفاظ وإصلاح الأطفال الجانحين لغاية منع ممارسة التعذيب ومختلف أصناف الممارسات المهينة للكرامة البشرية داخلها. كما تتقبل الهيأة الشكاوي التي تدخل في مجال اختصاصها وتقوم بالتحريات في شأنها لتحيلها لاحقا للجهات المختصة سواء كانت إدارية أو قضائية ولها أن تساهم في صياغة التصورات التي ترفع للجهات الرسمية لمقاومة ظاهرة التعذيب كممارسة فردية أو كسياسة عقابية ممنهجة.بدا مشروع القانون الذي تعاضد مجهود الجهة الرسمية في إعداده مع مساهمة أطراف من المجتمع المدني عرفت بنضالها الحقوقي في مقاومة التعذيب طموحا في تصوره لمهام الهيأة التي حرص على ضمان شروط استقلاليتها الهيكلية والمالية عن الدولة وعمل على أن يكون أعضاؤها مستقلين في أعمالهم فجعلهم يعينون لمدة نيابية بانتخاب من السلطة التشريعية وعمل على أن تكون تركيبتها ضامنة لكفاءتهم في المجال .تبدو المبادرة الى إعداد قانون هيأة مقاومة التعذيب محاولة لإعادة الثقة لنزاهة مؤسسات الدولة المكلفة بتنفيذ القانون من خلال إبراز شفافية أعمالها وإخضاعها للرقابة. ويأتي مشروع بعث الهيأة بالتالي بمثابة إعلان عن نهاية عهد كان فيه التعذيب وسيلة تعتمدها المؤسسة الأمنية بشكل منظم ومهيكل في أبحاثها وفي أعمالها. الا أن التفكير في بعث هيأة رسمية مهمتها مكافحة التعذيب فعليا وثقافيا وان كان حدثا هاما، إلا أنه يطرح السؤال حول مدى جدواه فعليا في ظل وجود مؤسسة الهيأة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.كان ينتظر أن تبادر الجهات الرسمية إلى مراجعة هيكلة واختصاصات الهيأة العليا لحقوق الإنسان لتكون مستجيبة في هيكلتها وصلاحياتها لمبادئ باريس المتعلقة بالمؤسسات الوطنية لحماية حقوق الإنسان المرفقة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 134/48 بتاريخ 20 كانون الاول – ديسمبر 1993     خصوصا وان الهيأة المذكورة ذات اختصاص عام في مجال حقوق الإنسان بما يجعلها مختصة بدورها بالنظر في التعذيب ومكافحته. وتطوير الهيأة وتوسيع صلاحياتها يغني عن التفكير في بعث غيرها. إلا أن الحاجة السياسية إلى إعلان القطيعة مع التعذيب كواقع وتهمة تلتصق بالسلطة بدت المبرر الفعلي لإفراد التعذيب بهيأة خاصة في ظل وجود هيأة رسمية أخرى يتداخل اختصاصها مع اختصاص الهيأة المراد بعثها.يستوجب التأسيس الحقيقي لمؤسسات وطنية تحمي حقوق الإنسان البحث عن ضمانات نجاح المؤسسات في تحقيق أهدافها بما يتوفر لها من كفاءة خاصة وإمكانيات بشرية ومادية وتعدد الهيآت وكثرتها يشتت الجهود ويمنع من تطورها وهو ما نصت عليه مبادئ باريس التي دعت الدول إلى جعل المؤسسة الوطنية المكلفة بحقوق الإنسان ذات ولاية عامة.قد يكون التفكير في بعث هيأة وطنية لمكافحة التعذيب أحد مسارات العدالة الانتقالية بما هي إصلاح للمؤسسات إلا أن اختيار الإكثار من اللجان والهيآت دون اعتبار لأهمية تأسيس هياكل كبرى ذات اختصاص شامل اختيار يحتاج لتعميق النظر فيه إذ أن المبالغة في خلق الهيآت قد يؤدي الى آثار عكسية، فيحول المؤسسات على كثرتها إلى هياكل تفتقر للنجاعة الواجبة بما أنه يؤسس لتنازع اختصاصاتها سلبيا وايجابيا كما يستنزف مواردها في إطار ما هو لازم لإدارتها.م.ع.ج 

انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية