تشريع زراعة القنّب الطبّي في لبنان وآثاره على الأوضاع المعيشية لمزارعي الهرمل


2023-07-04    |   

تشريع زراعة القنّب الطبّي في لبنان وآثاره على الأوضاع المعيشية لمزارعي الهرمل
غلاف الدراسة- تصميم علي نجدي

يقدّم هذا التقرير دراسة استكشافية للآثار الاجتماعية والاقتصادية لقانون تشريع زراعة نبتة القنّب الطبّي في لبنان، الصادر في نيسان عام 2020، في سبيل إجراء تقييم استباقي لتداعياته على الأوضاع المعيشية لمزارعي الهرمل. يبحث التقرير في الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها أن تسمح مستقبلًا باستغلال ميزة هذا القطاع الناشئ الذي لا يزال في مهده اليوم في ظلّ غياب المراسيم التطبيقية وانعدام أيّ رؤية واضحة لتفعيل التراخيص والاستثمارات، والإنتاج والتوزيع.

يراهن هذا البحث على أنّه يمكن لتشريع زراعة القنّب للاستخدام الطبّي أن يشكّل، في المستقبل، فرصة فريدة لتنمية المناطق الأكثر حرمانًا في البلاد، وإتاحة فرص توظيفية للسكّان الأكثر فقرًا، شرط أن تترافق سياسات تشغيل قطاع القنّب الطبّي مع ابتكارات اجتماعية تسمح بتمكين المُنتِجين المحلّيين من الحفاظ جماعيًّا على مصادر إنتاجهم، مع استنباط شروط شفّافة وعادلة لتوزيع الإنتاج والربح، على مستوى الأفراد والعائلات والعشائر.

وتستند دراستنا إلى بحث ميداني في جرود الهرمل، يهدف إلى معالجة مسألة أساسية قد تكون أقرب إلى الشرط المُسبَق لأيّ تخطيط جدّي لتطوير قطاع القنّب الطبّي، ألا وهو التفكير الاستباقي في الشكل الاجتماعي الأكثر ملاءمة للمجتمعات المحلّية التي قد تحضُن مستقبلًا تلك المنشآت الإنتاجية، وفي النماذج الإنتاجية التي تعكس في آن واحد المصالح القطاعية، من زراعة وصناعة ودواء، وسوى ذلك، والمصالح الماكرو-اقتصادية، من استقطاب للاستثمار الأجنبي ونقل التقنيّات العلمية وتحفيز الصادرات.

(ننشر هنا الملخّص والمقدمة والفصل الأول من الدراسة على أن ننشر لاحقًا الفصول الأخرى والملحقات. كما نرفق الدراسة بنسخة PDF في ختام هذا النص.)

خلاصات متعلّقة بمستقبل قانون تشريع القنّب الطبّي

يقومُ جميع مزارعي الحشيش في الهرمل بأنشطة زراعية موازية لزراعة الحشيش، فيخصّصون الزراعات البديلة للاستهلاك الشخصي أو للبيع، وهم، في أكثر الأحيان، لا يحصّلون أيّ مردود مادّي من استثمارهم فيها. لذا تبقى زراعة الحشيش بمثابة شرط مُسبَق ليختبر المزارع تنويع زراعته البديلة، بحيث تشكّل الحدّ الضامن لوجود حقول تجريبية في زراعات مغايرة، تتّصف بكونها متقلّبة، غير أكيدة، محفوفة بالمخاطر، ومُرتبطة بتكاليف أعلى وبربحيّة مشكوك فيها.

لذا، ينبغي للدولة اللبنانية، في حال أرادت أن يتوقّف المُزارعون عن زراعة الحشيش، ألّا تكتفي بتقديم الزراعات البديلة، إنّما أن توفّر البديل النقدي، أو التعويض المادّي عن الدخل الذي تؤمّنه زراعة الحشيش التي تعدّ المصدر الأكثر أهمّية من مصادر الدخل. ففي ظلّ الظروف القاسية التي يشقى فيها المزارع الجردي لتأمين قوته، تشكّل زراعة الحشيش الضمانة لاستمراريّة الأسرة اقتصاديًّا، وبهذا يكون اعتماد زراعات بديلة منها، وإن كانت مربحة جدًّا، تحوّلًا من حالة دخل مؤكّد إلى حالة دخل غير مؤكّد.

يُمكن من فشلِ التجارب في اعتماد الزراعة البديلة استخلاصُ العبر لإنجاح الاستثمار الزراعي في الهرمل، من ناحية ضرورة تأمين التدريبات اللازمة، وبشكل مُستدام، للمزارعين المحلّيين، من خلال أطر تعاونية فاعلة نابعة من حاجات المزارعين، ومن خلال تقديم الخدمات الأساسية التي يفتقر إليها معظمهم، كالمعدّات والآلات وتقنيّات الريّ، بالإضافة إلى مهارات استصلاح الأراضي لزراعة بديلة أو ناشئة قد يفتقد الأهالي اليوم حسنَ الاعتناء بها.

 تُعَدّ تكاليف إنتاج الحشيش في الهرمل منخفضة جدًّا إذا ما قورنَت بمُنتجات زراعية أخرى. بشكل عام، يسمح كلّ دونم بإنتاج ما يقارب 256 كلغ من نبات الحشيش الأخضر، وهي الشتلات الخضراء التي يتمّ حصدها في شهر أيلول؛ تُباع أحيانًا “بأرضها”، أي كنباتٍ أخضر غير مُعَدّ للاستخدام، وهذا ما يشبه الإنتاج الخام لنبتة الحشيش. يعطي كلّ قنطار من الحشيش الأخضر، أي 256 كلغ، “هؤة” واحدةً من حشيشة الكيف تقريبًا، تُباع بأسعار تفوق بنسبة 30% تقريبًا أسعار النبات الأخضر، نظرًا إلى صغَر حجمها وسهولة نقلها.

أخيرًا، يُجمِع المزارعون على أنّ التجّار يحدّدون سعر المبيع بشكلٍ موحّد، أي إنّ سعر المبيع مُتعارفٌ عليه وثابتٌ في كلّ موسم، إذ يفرضه التجّار موسميًّا. بشكل أصحّ، يمكن توصيف بنية السوق تلك على أنّها احتكار الشاري على البائع، وهي خاصّية الأسواق التي تتميّز بتعدّد البائعين مقابل انحِصار الطلب بمستهلك واحد أو بقلّة من المستهلكين المتّفقين فيما بينهم. ويعرّف الاقتصاد الميكروي بنية السوق تلك بأنّها حالة قصوى من المنافسات الاحتكاريّة التي توصف بكونها من اقتصاديات الكارتل أو الترست، وتصل في حدودها القصوى إلى المونوبسوني. ممّا لا شكّ فيه أنّ بنية السوق الأخيرة نادرة، لكنّها تتمثّل في حالة زراعة التبغ في لبنان، حين ينحصر الطلب بالشاري الوحيد والمحتكر، أي الريجي.

يبدو مُزارع الهرمل، مقارنةً ببقيّة مُزارعي لبنان، في الحالة الأضعف من حيثُ التحكّم في سلاسل إنتاج القيمة المضافة، إذ لا يتعدّى دوره إنتاجَ المحصول الأخضر، وطبخَه في بعض الأحيان، قبل أن يسلكَ هذا الإنتاج طريقه من الجرود نحو الأسواق عبر الوسطاء والتجّار والمهرّبين، في الوقت الذي يخشى فيه المزارع عبور حواجز الجيش اللبناني في الجرد والمناطق المجاورة نحو مستشفى قريب مخافة التوقيف.  

وعليه، تشكّل قوانين تجريم زراعة الحشيش مع تقييد حركة المزارعين حالةً من ارتهان المزارع المقيّد بأرضه وزراعته الممنوعة لمصلحة الكارتيلات العابرة الحواجزَ والحدودَ، والمتحكّمة، بشكل شبه مطلق، في آليّات التسويق والتصدير والتسعير.

القنّب الطبّي كخطوة رمزيّة نحو الاعتراف بمشروعية الزراعة

أرسى قانون تشريع القنّب الطبّي أجواءً من الارتياح لدى المزارعين، فرفع معظمهم مستوى إنتاجهم، كما لوحظ انضمام عدد جديد من المزارعين في السنة الماضية، يستصلحون بغالبيّتهم أراضيَ صغيرة الحجم. يأمل كثيرٌ منهم في أن يتماشى تفعيل القانون وتنفيذه من خلال مراسيمه التطبيقيّة مع العفو العام عن المزارعين، ويذهب بعضهم أيضًا إلى المطالبة بالتعويض عن الضرر المادّي المعنوي الذي لحق بهم وبمنطقتهم جرّاء سياسات التجريم والمكافحة والتلف في العقود الماضية. إلّا أنّ أكثر ما يخشاه المزارعون هو منعهم من المشاركة في زراعة القنّب الطبّي وإنتاجه بحجّة عدم استيفائهم شروط الترخيص، إمّا بسبب غياب صكوك الملكيّة في بعض الأحيان، وإمّا بسبب مذكّرات التوقيف الصادرة بحقّهم في أغلب الأحيان.

يجب أن يكون مبدأ عدم تجريم التعاطي شرطًا مُسبقًا لتفعيل قانون تشريع القنّب الطبّي. ففي ظلّ غياب قانون يشرّع استخدام القنّب، تبقى الحاجة أوّلًا إلى تفعيل القانون الذي تقدّم به ائتلاف من الجمعيات اللبنانية العاملة في الميدان، ومنها جمعيّة “سكون” لإعادة تنشيط المبدأ المتمثّل في “العلاج كبديل للمقاضاة والعقاب”، وبشكل أعمّ، محاربة النهج العقابي السائد في الخطاب العام والقضائي. 

كما أنّه يتعيّن أن تلحظ المراسيم التطبيقية، في حال هدفت إلى المحافظة على حقوق أهل المنطقة في ما خصّ التراخيص والمساهمة في الإنتاج، أولويّة المزارعين الحاليين بالترخيص، وإمهالهم فترة زمنية كافية لإصلاح أوضاعهم القانونية، قبل البدء بإعطاء التراخيص لمُزارعين جدد.

من هنا، ترتسم أيضًا ضرورة تفعيل التنظيم التعاوني في توزيع الرخص، وذلك لقدرته على حلّ عقدة التقسيم الفردي للأراضي والتراخيص، فيتخطّاها نحو تنظيم جماعي للإنتاج، بما يتلاءم مع البنية الاجتماعية العشائرية، نظرًا إلى ما يتخلّل التنظيم العشائري من أوجه شبه مع التنظيم التعاوني، من تعاضد اجتماعي وشدّ الإزر بين أبناء العشائر من ناحية، ومن تغليب المصلحة الجماعية على الفردية من ناحية أخرى.

وبالفعل، يبدو المسار التعاوني ضروريًّا لاختبار نموذج بديل يضمن إشراك العدد الأكبر من المعنيين بصنع القرارات والتحكّم في سير الأعمال باستقلالية عن النفوذ السياسي أو الحزبي. كما من شأنه أن يضمن أن يصبّ القطاع الناشئ في مصلحة الاقتصاد الوطني من خلال آليّات ديمقراطية قادرة على المحافظة على المنفعة العامة. ويتحقّق هذا الهدف من خلال حصر التراخيص بالتعاونيات، مع إلزام شركات التصنيع أو التصدير بشراء المُنتَجات الزراعية حصرًا من التعاونيات الزراعية، إذ يضمن هذا الإجراء عدم خضوع المزارعين لاحتكار الشاري أو المونوبسوني، كما هي الحال مثلًا مع الريجي، كذلك يضمن عدم اعتماد كارتيلات شرعية من شركات عالمية أو محلّية أو مجهولة المصدر كبديلٍ للكارتيلات الحالية من شبكات التهريب والتجارة غير الشرعية.

مقدّمة

تشكّل الأزمات المتعدّدة التي تصيب لبنان منذ الانهيار النقدي والمالي عام 2019 فرصةً لإعادة النظر في الشكل الحالي والمستقبلي للزراعة اللبنانية، بغية مواجهة التحدّيات الظرفية والبنيوية التي يعيشها السكّان المقيمون، من انخفاضٍ في الناتج المحلّي الزراعي وتهديد للأمن الغذائي. وفي حين كَثُر الكلام الإعلامي والسياسي عن ضرورة النهوض بالزراعة اللبنانيّة، انحصرت المبادرات التي تبنّتها الدولة اللبنانية بالتصويت على قانون تشريع زراعة القنّب للغايات الطبّية في شهر نيسان عام 2020، من دون اتّخاذ أيّ مفاعيل أو إجراءات عملية منذ ذلك الحين. 

وبالفعل، في ظلّ احتدام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحّية مطلع عام 2020، وبعد مرور أسابيع قليلة على توقُّف الدولة عن تسديد سندات اليوروبوند في شهر آذار عام 2020، أصدر رئيس الجمهورية السابق ميشال عون في تاريخ 28/5/2020 القانون الرامي إلى الترخيص بزراعة نبتة القنّب (النبتة التي يُستخرج منها الحشيش) للاستخدام الطبّي والصناعي. وكان مجلس النوّاب قد أقرّ هذا القانون في تاريخ 21/4/2020، انطلاقًا من الاقتراح الذي كان قد تقدّم به النوّاب ميشال موسى ومصطفى الحسيني وبولا يعقوبيان ومحمّد مصطفى خواجة وسليم عون وهنري حلو وأكرم شهيّب ونقولا نحّاس وألبير منصور وجهاد الصمد.

من خلال هذا القانون، يحذو لبنان حذوَ العديد من الدول المُنتِجة لحشيشة الكيف، والتي تراهن اليوم على التشريع لقطاع ناشئ ذي قيمة مضافة عالية، أي القنّب الطبّي، على أمل تطوير قطاعات الزراعة وصناعة الأدوية والصناعات الغذائية، أو على الأقلّ بهدف العبور من الإنتاج الزراعي غير الشرعي نحو زراعات شرعية ذات قدرة تصديرية.

وفيما تسرع بعض هذه الدول حاليًّا، ومنها المغرب، لحجز مكان لها ضمن تقسيم العمل الدولي في هذا المجال، يتقاعس المعنيّون في لبنان عن وضع هذا القانون موضع التنفيذ بالرغم من أنّه سبق المغرب في التصويت عليه. 

انطلاقًا من وجهة النظر هذه، يشكّل القانون الصادر في نيسان عام 2020 بشأن ترخيص تشريع زراعة القنّب للاستخدام الطبّي فرصةً لإعادة النظر في إمكانات الاقتصاد الزراعي في لبنان، وإعادة التفكير في بنية نظام الإنتاج اللبناني، من ناحية التخصُّص الاقتصادي وتقسيم العمل على المستويَين الدولي والإقليمي.

لذا، يهدف هذا التقرير إلى دراسة الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها أن تسمح مستقبلًا باستغلال ميزة هذا القطاع الناشئ، والذي ما يزال في مهده اليوم في ظلّ غياب المراسيم التطبيقية وانعدام أيّ رؤية واضحة لتفعيل التراخيص والاستثمارات والإنتاج والتوزيع. 

ومن المهمّ هنا ملاحظة تبنّي إستراتيجية وزارة الزراعة للفترة 2020-2025، وبشكلٍ صريح، مشروع استغلال قطاع القنّب الطبّي بوصفه ركيزة لسياسة تنمية القطاعَين الزراعي والتعاوني. ويؤكّد التقرير الصادر عن الوزارة أنّ الهدف النهائي لهذه الإستراتيجية يكمن في تطوير شركات الأعمال الزراعية اللبنانية، وتحديد قنوات تصدير جديدة، والسماح بمزيد من الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، على وجه الخصوص، من خلال تنظيم التعاونيات في أنشطة ريادة الأعمال وتحفيز تطوير المُنتَجات المُبتكرة المناسبة للصناعة الغذائية، بما يترافق مع “تعزيز الاستثمارات في سلاسل القيمة الزراعية الواعدة وتوفير إطار قانوني مناسب وبنية تحتية مناسبة مثل النباتات الطبّية – القنّب وغيرها، تربية الأحياء المائية البحرية، المحاصيل المحميّة، إلخ“.  

كيف بالإمكان اليوم مُتابعة مثل هذه الإستراتيجية في سياق الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة العميقة التي تمرّ بها البلاد حاليًّا؟ ما الإصلاحات والإجراءات اللازمة للسماح للنموذج الإنتاجي اللبناني بالنجاح في ترسيخ نفسه في القطاع الجنيني لصناعة القنّب الطبّي؟ ما خطط العمل التي ستضمن فتحَ هذا القطاع إمكاناتِ التنمية للمُنتِجين والمجتمعات المحلّية في المناطق الريفية فضلًا عن فرص التسويق والتصدير لصناعة الأدوية اللبنانية؟

يراهن كثيرون في لبنان على إمكانيّات استغلال تشريع زراعة القنّب للاستخدام الطبّي لتأمين مصادر إضافية لاستقطاب الرساميل الأجنبية. إلّا أنّ المشرّع لم يستند إلى أيّ دراسة اقتصادية على عكس ما يروَّج له4]، كما نلحظ أيضًا غياب أيّ بحث تجريبي في علم الزراعة للقنّب الطبّي في لبنان، من حيث ملاءمته للأرض والمناخ أو من ناحية إنتاجيّته.

لا يهدف التقرير إلى ملء هذا النقص الذي يستوجب إجراء تجارب علمية تتخطّى حدودنا المعرفية، من دراسة التربة والمناخ وملاءمتهما مختلف أنواع الغرس وتقنيّات الريّ والإنتاج بما يتوافق مع المعايير الطبّية، إنّما تراهن هذه الدراسة الاستكشافية على أنّه يمكن لتشريع زراعة القنّب للاستخدام الطبّي أن يشكّل، في المستقبل، فرصة فريدة لتنمية المناطق الأكثر حرمانًا في البلاد، وخلق فرص توظيفية للسكّان الأكثر فقرًا، شرط أن تترافق سياسات تشغيل قطاع القنّب الطبّي مع ابتكارات اجتماعيّة تسمح بتمكين المُنتِجين المحلّيين من الحفاظ جماعيًّا على مصادر إنتاجهم، مع استنباط شروط شفّافة وعادلة لتوزيع الإنتاج والربح، على مستوى الأفراد والعائلات والعشائر. 

وتباعًا، يسعى هذا البحث إلى معالجة مسألة أساسية سابقة، قد تكون أقرب إلى الشرط المسبق لأيّ تخطيط جدّي لتطوير هذا القطاع، ألا وهو التفكير الاستباقي في الشكل الاجتماعي الأكثر ملاءمة للمجتمعات المحلّية التي قد تحضن مستقبلًا تلك المنشآت الإنتاجية، وفي النماذج الإنتاجية التي تعكس في آن واحد المصالح القطاعية، من زراعة وصناعة ودواء، وسوى ذلك، والمصالح الماكرو-اقتصادية، من استقطاب للاستثمار الأجنبي ونقل التقنيات العلمية والإنتاجية وتحفيز الصادرات بهدف تحديد التحدّيات الأساسية التي يجدر النظر فيها قبل أيّ تفعيل لقانون قطاع القنّب الطبّي.

ينقسم التقرير إلى ثلاثة أجزاء. يقدّم الجزء الأوّل منهجية البحث، لما لها من أهمّية على المستويَين المعرفي والميداني، ونظرًا إلى خصوصية هذا البحث في ظلّ التجريم الحالي لزراعة الحشيش. يبحث الجزء الثاني في الشروط الحالية لزراعة القنّب في جرود الهرمل، وهي المنطقة الأساسية لإنتاج حشيشة الكيف في لبنان، مستعرضًا التحدّيات والخيارات التي يواجهها المزارعون في ظلّ التجريم الحالي للإنتاج واحتكار المروّجين والمهرّبين عمليّةَ التوزيع. أخيرًا، يبحث الجزء الثالث في آثار قانون تشريع القنّب لغايات طبّية على منطقة الهرمل وعلى شروط التنمية المحلّية، مع إعطاء الحيّز الأساسي لوجهة نظر المزارعين أنفسهم، بالإضافة إلى النظر في الشروط الفضلى لتفعيل القانون وتطبيقه بما يتلاءم مع مصالح المجتمعات المحلّية الحاضنةِ تلكَ الزراعات.

الفصل الأول: منهجية البحث

اعتمدَت هذه الدراسة على مراجعة مكتبية موسّعة لمجالات متعدّدة من البحث العلمي، في مجالَيْ الاقتصاد والاجتماع، بالإضافة إلى مراجعة مصادر من علوم الزراعة أو الطبّ، والعلوم القانونية. وبالإضافة إلى المصادر البحثية، تمّ إجراء بحثٍ ميداني في جرود الهرمل تخلّلتهُ مقابلات حيّة مع المزارعين، اعتُمِدَتْ فيه منهجية المراقبة الميدانية لأوضاع مزارعي الحشيش. امتدّ هذا العمل على ثلاثة أيّام أجرِيَت خلالها 16 مقابلة مع مزارعين، 12 منهم يزرعون حشيشة الكيف زمن إجراء العمل الميداني، و4 منهم يكتفون بزراعات بديلة. وبالتالي تسمح هذه المقابلات مع مزارعين مُنتمين إلى 6 عشائر مختلفة – أي ما يوازي تقريبًا 60% من العشائر المضطلعة بشؤون زراعة الحشيش – بتكوين صورة منوّعة وغنيّة عن أوضاع مزارعي الجرود.

كذلك اعتمدنا في دراستنا على استشارات من الأطراف المعنية، من خلال إجراء مقابلات معمّقة مع عيّنة من ثمانية خبراء باحثين أو أخصائيين، استغرقت بين نصف الساعة كحدّ أدنى والساعتَين كحدّ أقصى.   

اعتمد اختيار هذه العيّنة من الخبراء على تنويع مصادر المعلومات بين معنيين بالشأن العام أو ممثّلين عن مراكز الأبحاث المحلّية والدولية، الخاصّة أو العامّة. كما شملت العيّنة أخصائيين في البحث الزراعي وخبراء ومعنيين بالقطاع التعاوني، بالإضافة إلى باحث في مجال العلوم الطبّية. أجرى الباحث الرئيس تلك المقابلات كلّها، باستثناء اثنتَين، وقدْ أُثبِتَ ذلك في الجدول رقم 1.

جدول رقم ١ – المقابلات مع خبراء باحثين أو أخصائيين

نائب في البرلمان اللبناني. أجرت المقابلة الباحثة المساعدة ليا دبّاسأنطوان حبشي
مديرة برامج، منظمة الأغذية والزراعة (فاو)ماري لويز الحايك
مدير المركز اللبناني للأبحاث والدراسات الزراعيةرياض سعادة
باحث في كلية الزراعة، الجامعة الأميركية في بيروتمحمد فرّان
طبيب أمراض نفسية، مستشفى “أوتيل ديو” بيروترامي بو خليل
مهندس زراعي، أستاذ النبات والتربة، الجامعة اللبنانية. أجرى المقابلة الباحث المساعد إيلي الحايكحسان مخلوف
معهد البحوث الزراعية اللبناني (لاري)رند سليمان
جهاد البناء، رئيس مجلس إدارة الاتحاد التعاوني الإقليمي في البقاع، أجرى المقابلة الباحث مع فريق العمل إيلي الحايكخضر جعفر

وأخيرًا، اعتمدنا في دراستنا على استشارات قانونية قدّمها المحامي كريم نمّور، من المفكّرة القانونية، وقد شملت قراءته قانون تشريع القنّب الطبّي والقوانين المتّصلة به، وأُرفِقَت هذه الدراسة ضمنَ ملحق لهذا البحث.  

المساحات المحلّية في جرود الهرمل: بين التقسيم العشائري والحدود الطبيعية

يعتمد هذا التقرير على منهجيّة البحث الاستكشافي، للتفكير في مدى صوابية تنظيم قطاع القنّب الطبّي الناشئ وهيكلته، وذلك في إطار تطوير نموذج عادل وقابل للحياة في مجال إنتاج وتسويق وتصدير المُنتَجات الطبّية أو شبه الطبّية ذات القيمة المضافة العالية. 

يهدف هذا النهج الاستكشافي إلى تقييم قدرة القطاع على تحفيز التنمية المحلّية في بعض المناطق الريفية الأكثر حرمانًا في البلاد (البقاع وبعلبك الهرمل) حيث تسود الزراعة غير المرخّصة، والتي يبدو النموذج التعاوني فيها، راهنًا، أضعفَ نسبيًّا مقارنةً ببقيّة المحافظات.

تمّ إجراء البحث الميداني في جرود الهرمل في أواخر شهر أيلول سبتمبر عام 2021، وهي الفترة التي يحصد فيها المزارعون نتاجهم السنويّ، وامتدّ العمل الميداني طيلة ثلاثة أيّام، خُصّصت لإجراء 16 مقابلة فرديّة مع مزارعين في أراضيهم في الجرود ينتمون إلى ستّ عشائر مختلفة، وهي العشائر المعنية بزراعة الحشيش، والتي تشكّل 60% من عشائر جرود الهرمل. 

سمحت هذه المقابلات بمقارنة الإنتاجية بين 13 أرضًا زراعية مختلفة، بعضها في الوادي، كوادي مرجحين، وبعضها في أعلى التلال. تنقسم الأراضي التي تسنّت لنا زيارتها إلى ثلاث أراضٍ قاحلة مخصّصة لزراعات البعل، أي الزراعة التي لا تعتمد على ريّ مُنتَج زراعي أو سقيه، وإلى 10 مشاريع زراعية في أراضٍ مُستصلحة ومرويّة بالآبار وبمياه أنظمة الريّ الحديثة.

تنقسم الأراضي الجردية بين العشائر بحسب تقسيم عامودي وعشائري متعارف عليه تاريخيًّا فيما بينهم. وينقسم كلّ جرد إلى مساحات زراعية مختلفة تملك كلّ منها خصوصيّتها الطبيعية، تتعدّد فيها ميكرويًّا المناخات المحلّية، فتتنوّع المناخات الجزئية بين أراضٍ قاحلة في التلال، نزولًا نحو الوادي المعروف بمرجحين، وهو عبارة عن أرض سهلية في قعر الوادي، غنيّة بالماء، بما يشبه مصغَّرًا عن سهل البقاع [8].

تنقسم هذه المناخات المحلّية التي تمكنّا من دراستها إلى سبع مساحات أساسية.

أولًا: منطقة جباب الحمر، وهي تلال مرتفعة قاحلة تدرج فيها زراعات البعل.

ثانيًا: وادي الرطل، وهو أرض سهلية بين جبلَين، غنيّة بالماء والآبار.

ثالثًا: السّوح، وهي منطقة تلال تعتمد على استصلاح الجلال وعلى مصادر مياه جوفية نادرة ومُكلفة جدًّا، تصل فيها الآبار أحيانًا إلى عمق يتخطّى الـ 400 متر.

رابعًا: منطقة مزرعة سجد ومنطقة مرد الياس ومنطقة البعول، وهي مناطق غنيّة بزراعات بديلة غير القنّب.

خامسًا: منطقة جوار الحشيش ومنطقة جورة الجوز.

سادسًا: منطقة سهل المسطاح.

سابعًا وأخيرًا: مناطق سهل مرجحين، وهو الوادي الذي يتمّ هجره بشكل تامّ في فترات الشتاء، نظرًا إلى صعوبة العيش فيه من جرّاء البرد والثلج الذي يتسبّب في انقطاع طرقاته.

قبل أن نختم، لا بدّ من أن نشير إلى أنّه تبيّن لنا، بعد مقابلاتنا التي شملت اثنَي عشر مزارعًا ناشطًا في إنتاج الحشيش، أنّ ثلاثةً منهم فقط يملكون جرّارات أوتوماتيكية أو تراكتور، وهم من كبار المزارعين الذين يستثمرون أراضي تفوق مساحتها 200 دونم، في حين يعمد سائر المزارعين إلى استئجار الآليّات موسميًّا وعند الحاجة. كذلك تبيّن أنّ مزارعًا واحدًا يعمد إلى تطوير الأرض الزراعية بمنهجية علمية لترشيد الريّ وتحسين إنتاجية الأرض من خلال الاعتماد على خبرات علمية، ومن خلال التقنيّة المتعارف عليها بتسمية النقطة، في الوقت الذي يلجأ فيه الآخرون إلى التقنيّات التقليدية الموروثة بحسب توافر المياه الجوفية والآبار.

العمل الميداني في الهرمل

تمّ إعداد المقابلات بالاستناد إلى دليل منهجي لمقابلات شبه منظّمة. إلّا أنّ شروط العمل الميداني فرضت تباعًا الانتقال إلى مقابلات غير منظّمة بسبب غياب شروط المقابلة الفردية، وبسبب إشراك شبه دائم لأفراد الأسرة والجيران في كلّ المقابلات كما سنوضّح أدناه.  

أجرِيَت المقابلات كلّها من دون أيّ تسجيل صوتي، ومن دون أيّ استخدام لتقنيّات التدوين أو التوثيق المباشر، وذلك بهدف المحافظة على سرّية البحث؛ واكتفى الباحثون بتدوين بعض الملاحظات وإعادة صياغة الخلاصات في نهاية البحث الميداني.

تمّ إجراء كلّ مقابلة خلال فترة ساعة من الزمن، وغالبًا ما كانت تُنجَز في الأرض الزراعية التي يتمّ فيها حصاد المحصول الزراعي، ممّا سمح بزيارة الحقول ومراقبة العمّال الزراعيين والشاويش والمسؤولين عن تنفيذ العمل، كما سمح بتوثيق التكلفة الإنتاجية وحجم المحصول الزراعي في مختلف مناطق الجرد.

اعتمد العمل الميداني على 16 مقابلة في جرود الهرمل، 12 منها مع مزارعي الحشيش من 6 عشائر مختلفة، و4 منها مع فعاليات أو مزارعين لا يُعنون بزراعة الحشيش، وذلك وَفقَ التوزيع الآتي:   

  • عشيرة رقم 1: 5 مقابلات مع 5 مزارعين يستصلحون أراضي زراعية مرويّة، ومنهم مزارع واحد يستثمر أراضي (بعل) غير مرويّة.
  • عشيرة رقم 2: مقابلتان مع مزارع يستصلح أراضي زراعية مرويّة، ومزارع واحد يستثمر أراضي (بعل) غير مرويّة.
  • عشيرة رقم 3: مقابلة واحدة مع مزارع يستثمر أراضي (بعل) غير مرويّة.
  • عشيرة رقم 4: 4 مقابلات مع 4 مزارعين يستصلحون أراضي زراعية مرويّة، منهم مزارع واحد هو مهندس زراعي عمل كموظّف حكومي سابق في برنامج الزراعة البديلة في مناطق الهرمل بين كانون الثاني وأيلول عام 2000.
  • عشيرة رقم 5: مقابلتان مع مزارعَين سابقَين للقنّب يستصلحان أراضي زراعية مرويّة مخصّصة لزراعات بديلة.
  • عشيرة رقم 6: مقابلتان. الأولى مع أستاذ مدرسة، وأخرى مع خبير محلِّي في قطاع التعاونيات في مناطق الهرمل والبقاع، وكلاهما يناهضان زراعة القنّب.

وبالتالي تسمح هذه المقابلات مع ممثّلين عن مُزارعي أهمّ العشائر (60% من العشائر) المعنيّة بزراعة القنّب بتكوين صورة منوّعة وغنيّة عن أوضاع مُزارعي الجرود. كما تمتاز هذه العيّنة بتنوّع الأراضي الزراعية، ممّا يسمح لنا بمقارنة الإنتاجية بين مختلف المزارعين، ووَفق مختلف تقنيّات الزراعة وأنواع الأراضي الجردية المتمايزة بين سهول وجبال وأودية.

سمح البحث الميداني بتقييم إنتاجية ومردودية الأراضي بمساعدة صاحب الأرض والمعنيين بها، وهم كثر، من أبناء، جيران وأصدقاء، وبشكل أعمّ، أبناء العشائر.

وبالفعل، أتاحت المقابلات مع صاحب الأرض الفرصة لمقابلة أبنائه وأصدقاء العائلة، على عكس ما قد يتوقّع الباحث القادم من بعيد، والذي يفترض مسبقًا أنّ شروط العمل الميداني في مناطق مماثلة قد تحتّم السرّية والتكتّم. وعليه، شكّلت هذه المقابلات حالات مثيرة للاهتمام أنثروبولوجيًّا، من ناحية فرادتها في شروط الإفصاح والتكتّم، أو حتّى من ناحية معايير الإسهاب أو التحفّظ في مشاركة المعلومات. وقد سعى المزارعون تباعًا إلى إشراك الحاضرين في سردهم، إمّا بحثًا عن تأكيد لما يقولون، أعني بمثابة شهود على صحّة إفصاحاتهم، وإمّا كشركاء يتقاسمون المصير نفسه، بمحاولات لإضفاء طابع عامّ على مشاكلهم الخاصة. كأن يقول على سبيل المثال “جاري هنا حصل معه الأمر نفسه من سنتَين”، أو كأن يذكّر بتجربة مشتركة بين العائلتَين.

شكّلت بعض المقابلات، التي جمعت صدفة أكثر من 5 أشخاص من أقرباء وجيران في آن واحد، ما يشبه الشروط المثالية لمجموعة تركيز ارتجاليّة، أدّت بحكم شروط التخاطب إلى مقابلة وجهات النظر بين المزارعين. كان لهذه الشروط في تنفيذ المقابلات دور كبير في مساعدتنا على تقديرٍ أكثرَ دقّة لحجم المحاصيل السنويّة والمداخيل التي يؤمّنها الإنتاج الزراعي، بحيث أتاحَتْ فرصًا للمقارنة بين المزارعين باختلاف تقنيّات إنتاجهم وطبيعة أرضهم.خلاصةً، يمكن تقسيم الأشخاص الستّة عشر الذين أجرِيَت معهم المقابلات في أراضيهم إلى ثلاث مجموعات: ضمّت المجموعة الأولى مقابلات فردية مع ثمانية مزارعين ناشطين في زراعة القنّب؛ وضمّت الثانية مقابلات جماعيّة مع 4 مزارعين معنيّين بزراعة القنّب انضمّ إليهم أفراد من عائلاتهم أو من أصدقاء العائلة، ممّا شكّل مجموعات تركيز ارتجاليّة. في حين ضمّت الثالثة مقابلات فردية مع 4 أشخاص لا يزرعون القنّب، انتقل اثنان منهم مؤخّرًا إلى زراعة بديلة، في حين أنّ الآخرَين يناهضان زراعة القنّب.

للاطلاع على الدراسة بنسخة pdf

انشر المقال



متوفر من خلال:

استخدام المخدرات ، لبنان ، مقالات ، دراسات ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية