“ترويقة” استرداد الزيتونة: “باللبنة البلدية استرجعنا الأملاك البحرية”


2019-11-13    |   

“ترويقة” استرداد الزيتونة: “باللبنة البلدية استرجعنا الأملاك البحرية”

جلس الأصدقاء والعائلات على العشب الأخضر حيث تم توزيع وتقديم المناقيش والكنافة والقهوة بين الأحبّاء والغرباء على حدّ سواء. فضّل البعض التمتّع بمشهد السمك والمشاركة في إطعامها فتات خبز من سندويشات اللبنة. أمّا البعض الآخر فأراد أن يستفيد من الطقس الصيفي وغطس في البحر ليسبح بعض الوقت. وعمد المشاركون على خلق نوع من الـ"بوفي" شارك الجميع في تخزينه باللبنة البلدية والمكدوس والعصير ضامنين توفَر الطعام والمشروب لمئات الموجودين كافةً، حتّى الذين لم يتسنّ لهم الوقت لإحضار "ترويقتهم". هذه هي المشاهد التي يصعب تصديقها بعد عقود من سياسات تهمش المساحات العامة في لبنان، هي المشاهد التي استيقظت عليها مدينة بيروت صباح الأحد 10 تشرين الثاني 2019. نتحدّث هنا عن أكبر فطور جماعي شهدته المعاصمة في السنوات الأخيرة والذي تمّ في الموقع الأنسب للاستمتاع بالطقس الحار والمنظر الصافي للبحر، ألا وهو خليج مشروع الـ"زيتونة باي". وتأتي هذه المبادرة بعدما فرض الشعب نفسه في الفضاء العام والمساحات العامة.

 

من الزيتونة إلى "الزيتونة باي"

خلال الستينات وأول السبعينات، كانت تعرف الزيتونة كقلب الحياة الليلية في العاصمة تحضن الملاهي الليلية وملاهي الـكاباري مثل الـ"كيت كات". وسرعان ما أُطلق مشروع "سوليدير" بعد انتهاء الحرب، تغير النسيج العمراني والإجتماعي لوسط المدينة، ومن ضمنه منطقة الزيتونة، ليتحول إلى مدينة أشباح حيث الأبراج تلمع فيها ليلاً عاكسةً الثقافة النيولبرالية التي أدخلتها السلطة الحاكمة بعد 1990. وفي العام 2004 نشأت شركة "إنماء واجهة بيروت البحرية"، وهي شراكة 50/50 بين شركة "سوليدير" (حريري) و"Stow" (الصفدي)، حيث يتم استئجار المتر المربع من الأملالاك البحرية بأسعار زهيدة ليتم تأجير هذه المساحة نفسها لمستثمرين بقيمة آلاف الدولارات بالمتر المربع شهرياً. يشير تحول التسمية اللغوية من الزيتونة إلى "زيتونة باي" إلى تحول المساحة المعنية الحاصل على نسيجها العمراني والإجتماعي والنشاطات القائمة فيها. أصبح الزيتونة باي عبارة عن رمز للمشروع النيولبرالي واللامساواة في لبنان، تقف فيه الأبراج بحسب البعض كنوع من دليل على "مواكبة لبنان للحداثة" بينما يؤكد البعض الآخر أن الزيتونة دليل على تجريد العاصمة من هويتها المعمارية والثقافية.

 

مساحات "عامة" في أملاك "خاصة"؟

لا يزال هناك إلتباس في تعريف المساحة العامة بحيث تختلف التفاصيل والمقاربات في الدوائر الأكاديمية. ولكن تمّ الإتفاق على بعض المبادئ التي تقتضيها هذه المساحات، من معايير فتحها للجميع إلى طبيعة النشاطات المتاحة فيها. نجد في وسط المدينة العديد من المساحات التي يتم تسويقها كـ "عامة"، من حدائق إلى ساحات بالرغم من أن معظمها هي أملاك خاصة وأبرزها أسواق بيروت (ملك شركة "سوليدير) وخليج الزيتونة (مستملكة للوقت الراهن من قبل شركة "إنماء واجهة بيروت البحرية"). فخصخصة المساحات العامة تتنافى مع مبدأ "العام" من حيث يكون للمالك الخاص حق رقابة على هذه المساحات على من يقصدها ويتواجد فيها. شهدنا في العقد السابق الرقابة التي شنّها أمن "سوليدير" على الأفراد الموجودين في هذه الأماكن "العامة" حيث يتم طرد الذين لا ينتمون، أو حتى الذين يبدو أنهم لا ينتمون، إلى فئة إجتماعية "رائقة". هكذا تتعارض المقاربة هذه مع مبدأ توفر المساحات العامة للجميع على اختلاف الطبقات الإجتماعية والطائفة والجنسية. أبعد من ذلك، عمدت الجهات الخاصة إلى تحديد نطاق المسموح والمحظر للنشاطات التي يمكن القيام فيها. أي فرد يقصد الزيتونة باي يجد حتى قبل الدخول إلى المشروع لائحة نشاطات محظرة تحت عنوان "ملك خاص" من ركوب الدراجات والزلاجات الدوارة إلى حتى وضع ضوابط على ارتفاع الصوت. ومن أبرز المحظورات، إحضار الطعام والمشروبات من جهة وجلب الحيوانات الأليفة من جهة أخرى، وهذه المحظورات كسرها الثوار من خلال "ترويقتهم".

فمع إحضار اللبنة والمكدوس والعصير وافتراش خليج الزيتونة، رفع المواطنون الحظر الذي فرضته الشركة الخاصة على النشاطات المسموحة مجرّدين الشركة هذه من أي ضوابط على سلوكهم معتبرين ملكيّتها غير شرعية أساساً. فمع استرداد النشاطات التي يجب أن تُسمح في المساحات العامة، طعن الحراكيون قي سلطة الشركة الخاصة على المكان أي طعنوا شرعيّة وضعها اليد على أملاكهم البحرية. أبعد من ذلك، جلوس الأصدقاء على العشب متجاهلين لافتة تحظر التواجد على العشب، وسباحة بعض الأشخاص في البحر (على الرغم من تلوث المياه)، وتفضيل المئات الجلوس على الأرض مع مناقيشهم بدلاً من الجلوس والإستهلاك في مطاعم المشروع أدّى إلى الطعن في etiquette (السلوكيات) التواجد في الزيتونة باي. فرض الثوار قواعد جديدة على الفضاء تقتضي بتحويله من مساحة خاصة مبطنة إلى حق عام. فيصبح واضحاً كيف حقيقةّ "باللبنة البلدية استرجعنا الأملاك البحرية".

 

انشر المقال

متوفر خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *