تدمير إسرائيل بيوت الجنوبيين: أبعد من الخسارة المادية


2023-12-28    |   

تدمير إسرائيل بيوت الجنوبيين: أبعد من الخسارة المادية
دمار بمنزل في بلدة رب الثلاثين

“أشعر بالغربة” عبارة قالتها صابرين التي دمّرت إسرائيل بيتها في الضهيرة جنوب لبنان لتختصر بها معاني البيت حين نفقده، فهو حجر الانتماء الأوّل، وهو الملجأ والمأوى، ومصدر الأمان وتشكّل الهويّات، وهو روح أصحابه وقاطنيه، و”خرطشات” الأطفال ودبدباتهم الأولى، ومأوى كبار السنّ وعزّتهم. وبذلك يصبح أي تعويض يحصل عليه من دمّر منزله قاصرًا عن تعويض كلّ ذلك، فالتعويض لا يحتسب القيمة المعنوية للمنزل بل قيمته المادية، وحتى لو احتسبها، فهو لن يعيد ما أخذه القصف من كلّ ما راكمه ساكنو البيت من معان وذكريات ومشاعر. فـ “البيوت ما بترجع مثل ما كانت”، كما يقول بيار الذي استهدف القصف بيته في علما الشعب. 

وأن تشعر صابرين بالغربة وفي منزل نزوحها على بعد كيلومترات قليلة من قريتها، يؤكّد على كل هذه المعاني، ويعني أنّ إسرائيل تُدرك جيّدًا قيمة المنزل فتستهدفه بشكل ممنهج  في جريمة ممتدّة من غزة إلى جنوب لبنان تعتبر انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي وجريمة محظورة بموجب القانون الجنائي الدولي تحت مسمّى “قتل المنازل”. لا سيّما أنّها تترافق مع استهداف المدارس والمساجد والمستشفيات والبنى التحتية والقطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الزراعة في منطقة ريفية تعتمد في أساس مردودها على الأرض ومقوّماتها، وخصوصًا تلك المتاخمة للحدود مع جارتها فلسطين. 

واستهداف المنازل سياسة يطبّقها العدو الإسرائيلي في كلّ عدوان كعقاب جماعي لشعب قرّر المقاومة على طريقته، فلطالما شهد جنوبيون، خلال الاحتلال، على هدم منازلهم وجرفها أمام أعينهم.

وقد هجّرت إسرائيل أيضًا في عدوانها عددًا كبيرًا من الجنوبيين خارج بيوتهم وقراهم في عدوانها المستمرّ، نتيجة استمرار اعتداءاتها وغاراتها على البيوت والأراضي والبنى التحتية، محوّلةً العديد من القرى إلى مناطق غير قابلة للعيش. والتهجير القسري جريمة حرب أيضًا في القانون الدولي. وقد تجاوز عدد المهجّرين قسرًا في الجنوب 100 ألف وهؤلاء فقدوا منازلهم بشكل مؤقت ويعيشون في قلق مستمر في أن تستهدفها إسرائيل وهم بعيدون عنها، عدا عن الظروف السيئة التي يعيشون فيها نزوحهم نتيجة تقصير الدولة تجاههم على غرار تقصيرها تجاه كافة الفئات الأخرى من اللبنانيين والمقيمين.

وصابرين “المغتربة” في أرضها اليوم بعد تدمير منزلها، هي واحدة من عشرات سكان القرى الجنوبية الذين استهدف العدو الإسرائيلي منازلهم في العدوان. وبحسب المسح الأوّلي الذي أجراه مجلس الجنوب خلال الهدنة في تاريخ 24-11-2023، تبيّن أنّ إسرائيل قد هدمت 67 وحدة سكنية بشكل كليّ، و63 وحدة بشكل جزئي، وأصيبت 334 وحدة بأضرار جسيمة فيما أصيبت 2040 وحدة بأضرار متوسطة. كما استهدفت ثلاث مدارس، وخمس دور عبادة، وأربع خزانات للمياه، و75 سيارة وآلية. ومنذ انتهاء الهدنة، كثّفت إسرائيل غاراتها بشكل كبير وقد تضرّرت عشرات المنازل نتيجة لذلك ولكن ولم يتم إحصاء عددها بعد نتيجة استمرار الغارات. فمنازل عيتا الشعب مثلًا إمّا مدمّرة أو متضرّرة جرّاء القصف كما أفاد نازحون أنّ منازلهم تعرّضت للقصف مرّات عدّة بعد استئناف الاعتداء.

آثار القصف على منازل عيتا الشعب

أصحاب بيوت هدمتها إسرائيل يتحدثون عن خسارتهم

صابرين فنش، التي أصيب منزلها بأضرار جسيمة جرّاء استهدافه بقذيفةٍ إسرائيلية مباشرةٍ، تقول لـ “الفكرة” إنّها منذ سماعها باستهداف منزلها في قريتها الضهيرة وهي تشعر بالغربة، وكانت منذ نزحت مع بدء العدوان إلى مدينة صور، تعدّ الدقائق للعودة إلى منزلها وغرفتها. أمّا اليوم فبات المستقبل أمامها مجهولًا، لا تعلم متى ستعود ولا إلى أين ستعود. وصابرين  ولدت وترعرعت في هذا المنزل وكان يتألف من غرفةٍ واحدةٍ ومطبخ وحمام، وقد توفّي والدها وهي لم تتجاوز السنتين  فعملت والدتها جاهدةً لزيادة ثلاث غرف أخرى، خصّصت واحدة منها لصابرين. وكانت الوالدة تعمل في الزراعة وتدّخر من مردود بيع منتجات الأرض لتوسيع منزلها.

وعلى الرغم من فرحتها بنجاتها وأفراد عائلتها بنزوحهم قبل استهداف المنزل، إلّا أنّ صابرين تتحسّر على أشياء كثيرة، فالحريق طاول غرفتها التي ظلّت لأشهر تدخّر من راتبها الشهري لشراء سرير وخزانة جديدة، عدا عن احتراق ملابسها وجهاز عرسها الذي تتحضّر له. كذلك قضى الحريق على الغرفة الأولى التي شيّدها والدها وظلّت لفترة طويلة ملجأ العائلة الوحيد، “أكثر شي بزعل عليه هو الغرفة لي ضلّينا لسنين نقعد فيها أنا وأمي وأخواتي وننام فيها، بتحسّي جزء من طفولتك راح”.

ورغم مرور حوالي شهرين على نزوح صابرين وعائلتها إلى صور، إلّا أنّها لغاية اللحظة لم تتلق اي مساعدة من أحد، وقد شارفت مدّخراتها على الانتهاء بعد أن اضطرّت وعائلتها لاستئجار شقةٍ بمبلغ 800 دولار شهريًا، عدا عن اضطرارها إلى التوقّف عن العمل الذي يقع مقرّه في منطقة الناقورة الحدودية التي تعتبر منطقة غير آمنة لتعرّضها للقصف الإسرائيلي. وقد قصدت مركز اتحاد بلديات صور لطلب المساعدات، فكان الجواب أنّ المساعدات تمنح فقط للنازحين في مراكز الإيواء، وليس لمن نزحوا إلى المنازل، “إنّه ليه نحن ما بيطلعلنا ما نحن كمان اتهدمت بيوتنا وما عم نشتغل”، علمًا أنّ مراكز الإيواء التابعة لمحافظة صور وهي عبارة عن خمس مدارس تضمّ حوالي 800 نازح فقط.

“منستحي نقول تهدّم بيتنا، شو قيمة البيت والحجر قدام آلاف الشهداء والأطفال لي عم يموتوا إن في غزة أو في لبنان”، يقول أحمد عندما نسأله عن منزله الذي استهدفه القصف الإسرائيلي في ميس الجبل وسوّاه أرضًا. ولكن كان واضحًا أنّ أحمد يكابر على حزنه، فهذا المنزل تساعد هو وأخوته على بنائه بُعيد التحرير في العام 2000، تحقيقًا لرغبة والديه في أن يكون لهم منزل في القرية هم الذين هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي من ميس الجبل عام 1982. وبالتالي فهدم بيت العائلة يعني دفن ذكريات كثيرة كانت باقية من “ريحة” والديه.

يروي الحاج عبد الهادي الذي استهدف منزله في منطقة عيترون لـ “المفكرة” أنّ هدف العدو الإسرائيلي من استهداف منازل المدنيين هو بثّ روح الهزيمة والإحباط، “إسرائيل جبانة بتستهدف المدنيين العُزّل”. يقول إنّها المرة الثانية التي تستهدف إسرائيل منزله، فقد تضرّر أيضًا خلال حرب تموز، ويحمل عبد الهادي الكثير من الذكريات، فهو انتقل إلى هذا المنزل عريسًا، وتحت سقفه كوّن عائلته وأنجب وزوجته خمسة أطفال.

بيار صيّاح لم يمضِ أربع سنوات على انتقاله للعيش في منزله الجديد في منطقة علما الشعب، حتى استهدف العدو منزله المؤلّف من طبقتين بصاروخ هدم قسمًا منه، فيما شبّ حريق في الأقسام الأخرى، ولم تتمكّن فرق الدفاع المدني من الوصول إليه لإخماد الحريق. يقول بيار إنّ الخسائر في منزله تفوق 80 ألف دولار. ويروي لـ “المفكرة إنّه اشترى الأرض التي بنى عليها المنزل قبل 20 عامًا، بعدها اقترض من المصرف لبنائه. وفي العام 2019 انتقل وعائلته للعيش فيه “لمّا خلص البيت حسّيت براحة غريبة واستقرار، قلت الحمدلله خلصنا من الإيجار” يقول ويضيف أنّ كلّ زاوية في المنزل، كلّ قطعة أثاث تمّ انتقاؤها على ذوقه وذوق زوجته تعني له الكثير. “كانت فرحتنا كبيرة لأن تعبنا كثير”.

بفخر واعتزاز يروي علي من عيتا الشعب لـ “المفكرة” أنّ إسرائيل ضربت منزله حوالي سبع مرات متتالية، وهو على الرغم من حسرته، يخجل كما أحمد من الحديث عن المنازل أمام من سقط لهم الشهداء. وقد شيّد علي منزله أيضًا بعد التحرير وانتقل للعيش فيه، كذلك أبناؤه الذين شيّدوا منازلهم بالقرب منه، وطالها القصف أيضًا. يختم علي حديثه إلينا بالقول إنّه على استعداد لبناء المنزل ألف مرة كيدًا بالعدو الإسرائيلي، والبقاء في أرضه وقريته.

آثار القصف على منازل عيتا الشعب

تدمير مدارس ودور عبادة وبنى تحتية: إسرائيل تضرب مقوّمات الحياة

يقول رئيس بلدية الطيبة عباس دياب، في اتصالٍ مع “المفكرة” إنّ القصف الذي يطال القرية يؤدّي إلى تقطّع الأسلاك الكهربائية بشكل متكرّر، ما يعطّل بدوره قدرة محطّات المياه في مشروع الري عن العمل، وهو مشروع  تتغذّى منه أكثر من 45 بلدة وقرية جنوبية. ويؤكّد دياب أنّ العمّال في شركة الكهرباء، يبذلون جهدًا يوميًا ويقومون بمخاطرة للوصول إلى المنطقة وإصلاح الأعطال المتكرّرة تحت وابل القذائف، لضمان استمرار ضخ المياه عبر الشبكة.   

أما محمد سرور رئيس بلدية عيتا الشعب، فيشير في اتصالٍ مع “المفكرة” إلى أنّ العدوان الإسرائيلي استهدف، بالإضافة إلى المنازل، دور عبادة ومراكز دينية والتربوية في القرية، “صاروا قاصفين الحسينية عنّا ثلاث مرّات”، فيما باتت جميع منازل القرية تقريبًا إمّا مدمّرة أو متضرّرة جرّاء القصف. فالضرر لا يقتصر على المنزل الذي يتمّ استهدافه، بل يلحق ضررًا بالمنازل المجاورة له من خلال تطاير الشظايا وإصابة خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية أو الزجاج والجدران. “معظم خزّانات المياه في المنازل أصيبت بشظايا، من هنا فلا مياه للخدمة في أكثرية منازل عيتا الشعب”، يقول. ويضيف أنّ القصف الإسرائيلي طال أيضًا شبكات الكهرباء والهاتف.

وفي استهداف لركائز المجتمع الأساسية وضمان استمراره، قصفت إسرائيل ثلاث مدارس خلال عدوانها الحالي على الجنوب، تقع ثلاثتها في عيتا الشعب منها مبنى “الجمعية الخيرية لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة”. وتفيد مديرة المدرسة دعد إسماعيل، في اتصالٍ مع “المفكرة”، أنّها تمكّنت خلال الهدنة من زيارة المبنى، وتمّ تقدير قيمة الأضرار بأكثر من 200 ألف دولار بين المعدات والتجهيزات عدا عن أضرار المبنى بحد ذاته. وتروي إسماعيل أنّ المدرسة المستهدفة فتحت أبوابها في العام 1997 في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، وقد بذلت، هي الأم لطفل من ذوي الاحتياجات، جهدًا كبيرًا للحفاظ عليها وتطويرها، نظرًا لحاجة أطفال المنطقة إلى مدرسة متخصّصة بحالاتهم. وأضافت أنّه  تمّ توسيع المدرسة بُعَيد التحرير بدعم من جمعية يابانية. وفي العام 2006 تعرّضت للقصف فأعيد بناؤها وإضافة مبنى جديد بدعم من جمعية ألمانية. ويضمّ المبنى الأوّل المخصّص للأطفال ذوي “التأخر الذهني الكلي” حوالي 150 طالبًا، أما المبنى الثاني فهو عبارة عن مدرسة دمج، تضمّ في صفوفها 350 طالبًا، منهم من يعاني من صعوبات تعليمية. وتفسّر إسماعيل أنّه مع بدء العدوان أقفلت المدرسة ونزح الأهالي مع أطفالهم. وتحذّر من أنّ انقطاع الأطفال عن تلقّي الدروس وجلسات العلاج له تأثير سلبي عليهم.

وتقول إنّ الأهالي يتواصلون معها يشكون معاناتهم وعدم قدرتهم على التعامل مع أطفالهم، وروت  أنّ أحد الأطفال هرب من المنزل ولم يتمكّنوا من العثور عليه إلاّ بعد ساعات في قرية أخرى، ما يوضح حجم المعاناة التي يعانيها الأطفال وذويهم.

ويفيد مدير “معهد عيتا الشعب الفني”، شربل إبراهيم، في اتصالٍ  مع “المفكرة”، أنّه تمكن من تفقّد أضرار المهنية خلال الهدنة، وقد سقط فيها حوالي ستة قذائف بطريقة مباشرة، ما أدى إلى تحطّم كل زجاج المبنى المكوّن من أربعة طوابق، إضافة إلى تضرّر ألواح الطاقة الشمسية. ويضيف أنّه عدا عن الخسائر المادية، أصاب أرشيف المهنية التي فتحت أبوابها عام 2010 التّلف إما من خلال القصف المباشر أو نتيجة الشتاء والعواصف، حيث النوافذ مشرّعة وبلا زجاج.

وكان قد مرّ أسبوع واحد فقط على بدء العام الدراسي الحالي، حين بدأ العدوان الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول، وبالتالي لم يتمكّن أحد من الوصول إلى المهنية التي تبعد أمتارًا قليلة عن الحدود مع فلسطين المحتلة وموقع الراهب. من هنا لم يتجاوز عدد الطلاب الذين تمكّنوا من التسجيل 25 طالبًا، علمًا أنّ 210 طلاب كانوا مسجّلين في المهنية للعام الدراسي الفائت، وهم موزّعون على الاختصاصات المتوفّرة وهي: كهرباء عامة، تربية حضانية، فندقية، محاسبة ومعلوماتية.

ويضيف إبراهيم أنه والكادر الإداري والتعليمي البالغ عدده 70 مدرّسًا ومدرّسة، بصدد البدء بتعليم الطلاب عن بعد “أونلاين” ضمن الظروف المتاحة للجميع. ويضع إبراهيم استهداف العدو للمدارس بشكل عام ضمن خانة جرائم ضد الإنسانية وجريمة حرب، وانتهاك حقوق الأطفال في التعلّم. 

المعهد الفني في عيتا الشعب
المعهد الفني في عيتا الشعب

التعويضات لن تكفي لتغطية القيمة المادية فكيف بالقيمة المعنوية؟

وكان مجلس الوزراء قد أقرّ في تاريخ 29-11-2023، من خارج جدول الأعمال، التعويض على المتضرّرين جسديًا وماديًا جرّاء العدوان الإسرائيلي، وتم رصد مبلغ ألف مليار ليرة (حوالي 10 ملايين دولار)  كقيمة إجمالية للتعويضات مبدئيًا.

وفي لقاء مع “المفكرة القانونية” يفيد رئيس مجلس الجنوب، هاشم حيدر، أنّه تمّ تحديد مبلغ 3 مليارات و600 مليون ليرة كتعويضٍ عن كل وحدة سكنية مهدّمة بشكل كلّي (ما يعادل 40 ألف دولار)، وهو المبلغ نفسه الذي تمّ رصده لأصحاب الوحدات المهدّمة خلال حرب تموز مع فارق سعر الصرف، حيث كان مبلغ 60 مليون ليرة لبنانية يساوي 40 ألف دولار في حينها على سعر صرف دولار 1500، والتعويض بمبلغ مليار ليرة (حوالي 11 ألف دولار) للوحدات السكنية التي تحتاج إلى ترميم.

ويعتمد مجلس الجنوب خمس خانات لطريقة المسح هي: هدم كلّي، هدم جزئي، إعادة تأهيل، ترميم، وأضرار متوسطة.

وعادة ما يقوم مجلس الوزراء بتحديد قيمة الأضرار لكلّ فئة والسقف المحدد لها (على سبيل المثال حدّد سقف “إعادة التأهيل” في حرب تموز بحوالي 25  ألف دولار للوحدة السكنية الواحدة لا يمكن تجاوزها)، لكن إلى اليوم لم يحدد مجلس الوزراء بعد سوى قيمة وسقف الهدم الكلّي والترميم، بانتظار قيمة وسقف التعويض عن الهدم الجزئي وإعادة التأهيل والأضرار المتوسطة.

ويتم اعتماد “المتر المربّع” كوحدة لاحتساب الأضرار في جميع التصنيفات (عدا عن الهدم الكلّي والأضرار المتوسطة)، على أن تفوق قيمة تعويض المتر المربع في الوحدات المصنفة ضمن خانة “الهدم الجزئي”، قيمته للوحدات المصنفة ضمن “إعادة التأهيل”. ويفوق متر الأخير عنه للمتر في الوحدات التي تحتاج إلى “ترميم”، (مثال خلال حرب تموز تم تقدير قيمة المتر للترميم بـ 100 دولار، أما الهدم الجزئي فبلغت قيمة تعويض المتر المربع الواحد 400 دولار تقريبًا).

وتختلف التصنيفات بحسب الأضرار وطريقة المسح، فالهدم الجزئي يعني أن هناك أجزاء من المنزل بحاجة إلى هدم وليس كلّه. مثال أن تكون غرفة واحدة فقط استهدفت بصاروخ وأعمدة الباطون تضررت، يتم  تكييل أمتار الغرفة، ويحتسب التعويض بناء على تسعيرة مجلس الوزراء المخصصة للمتر المربع الواحد لخانة الهدم الجزئي.

أما الوحدات التي تحتاج إلى إعادة التأهيل والبالغ عددها بحسب مسح مجلس الجنوب الرسمي حوالي 132 وحدة، وغالبًا ما تكون الأضرار جسيمة هنا ومتعددة، ويتم تقدير الأضرار بحسب الأمتار للكميات (كم متر باطون بحاجة لترميم، أو أمتار البلاط ، وقيمة طلاء المنزل بالأمتار، أو أمتار الألمنيوم وغيرها),

أما الوحدات التي تحتاح إلى “ترميم” فبلغت حوالي 334 وحدة، ويحتسب التعويض أيضًا بحسب أمتار الكميات (بلاط، ألومنيوم باطون)، وتقل قيمة المتر في “الترميم” عنه في “إعاة التأهيل” نسبة لحال المنزل وحجم الضرر اللاحق به.

أما الوحدات ذات الأضرار المتوسطة، فيتم التعويض فيها على حسب نوع الضرر “بالمفرق”، (تعويض عن لوح زجاج محطم، أو عن لوح الطاقة الشمسية أصيب بشظية، أو ضرر لحق بخزان المياه إلخ)

أما التعويضات لأهالي الشهداء فتبلغ مليارًا و800 ألف ليرة. وبحسب وزارة الصحة فقد استشهد لغاية 26– 12-2023، 118 شخصًا منهم حوالي 10 أجانب عرف منهم (2 أتراك و3 فلسطينيين وواحد سوري الجنسية) هؤلاء لا تشملهم التعويضات، وهناك حوالي 536 جريحًا.

ويضيف حيدر أنّه خلال حرب تموز التي راح ضحيّتها 1200 شهيد و4400  جريح وهدم خلالها 12 ألف وحدة سكنية، شملت التعويضات الوحدات السكنية وبدل أثاث منزلي، إضافة إلى تعويضات لأهالي الشهداء وعلاج الجرحى، وتمّ استثناء أصحاب السيارات وأصحاب المحال المتضرّرة وغيرها، (لأن الأموال لم تكن كافية بحسب مصدر من داخل  مجلس الجنوب). وقد قدّرت قيمة الخسائر الناجمة عن تدمير المباني السكنية خلال حرب تموز بحوالي 1.7 مليار دولار.

وفي اتصالٍ مع “المفكرة”، يقول مدير مؤسسة “جهاد البناء” في الجنوب، سليم مراد، إنّ مسح الأضرار الأوّلي ما زال جاريًا رغم العدوان، من هنا لا توجد أرقام نهائية عن عدد الوحدات السكنية المهدّمة أو المتضرّرة، وأنّ تعويض جهاد البناء هو بمثابة استكمال لتعويض مجلس الجنوب “يعني منعمل تقييم، واللي ما قدر المواطن يكفّيه من تعويض مجلس الجنوب نحن منساعده”.

بالعودة إلى بيار صياح الأب لثلاثة أولاد، الذي قصفت إسرائيل منزله في علما الشعب، فقد روى لنا كم كان سعيدًا لتشييده منزلًا لكلّ أفراد عائلته “عملنا طابق للبنتين وطابق للشاب، قلت الحمدلله أمّنت على الأولاد”، وأضاف “البيت مكلّفني حوالي 300 ألف دولار، الدولة ممكن تعوّض لك بشي بسيط”. فبحسب آلية التعويض الرسمية، إذا كان البيت يضمّ أكثر من عائلة وكل واحدة تسكن طابقًا، يعوّض لكل عائلة بشكل منفصل، أما إذا كان البيت مؤلفًا من عدة طبقات وهو لعائلة واحدة فتتشكّل لجنة لاحتساب التعويض. ولكن غالبًا ما يلحق الظلم هذه الفئة من المتضرّرين، وبناء على تجربة تعويضات حرب تموز، يتساوى أصحاب المنازل “العادية” بأصحاب المنازل  الكبيرة بتجهيزات أغلى، فقيمة المتر واحدة على الجميع، “يعني لي ملبّس بيته حجر وعامل ديكورات، التعويض كلّه ما بيطلّع حق حيط واحد” يقول أحد الموظفين في مجلس الجنوب لـ “المفكرة” .

هذا عدا عن أنّ التعويض لا يمكنه أن يعوّض القيمة المعنوية للمنزل أو بتعبير بيار “بس البيوت ما بترجع مثل ما كانت”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في السكن ، لبنان ، مقالات ، فلسطين ، تحقيقات ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية