تداخل وظيفة التعديل مع وظيفة القضاء


2021-01-07    |   

تداخل وظيفة التعديل مع وظيفة القضاء
(رويترز)

مثلت تجربة التعديل الذاتي للإعلام السمعي البصري في تونس منذ إرساء الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في 03 ماي 2013 أحد أبرز وأهم التحولات في مجال تعديل المضامين الإعلامية بعدما سحبت هذا الدور من الأجهزة الرقابية: وزارة الداخلية ووزارة الاعلام ووكالة الاتصال الخارجي – التي كانت تمارسها الأنظمة الديكتاتورية طبقا لقوانين زجرية تقمع حرية الصحافة والحق في المعلومات وتخضع تبعا لذلك كل المضامين المسموعة أو المرئية لرقابة قبلية صارمة. ومع إرساء الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري التي أصبحت هيئة دستورية بمقتضى دستور الجمهورية الثانية المؤرخ في 27  جانفي 2014، ألغيت الرقابة المسبقة بالفصل 31[1]على كل وسائل الاعلام وأطلقت حرية الإعلام السمعي البصري على هذا الأساس في ضبط خطها التحريري من حيث المضامين التي تنتجها كما فتح المجال لتنوع وسائل الاعلام وتعددها واختلافها وهو أحد الأهداف التي تشتغل عليها الهيئة ومن دون أن يمنع ذلك من وجود رقابة أخرى بقيت من اختصاص القضاء بكل فروعه الاستعجالي والمدني والجزائي[2]. وقد أدت هذه الوظيفة الأساسية التي منحت للقضاء إلى التدخل أحيانا من خلال بسط رقابة قبلية على المضامين الإعلامية أو بعض الومضات  التي تعلن عن برامج معينة تتعلق غالبها بالمجال السياسي أو الاجتماعي. وقد اعتبرها أغلب المتابعين لحرية التعبير والنقابات المهنية للصحافيين شكلا من أشكال “الصنصرة” أو الرقابة المسبقة على المضامين والمتعارضة مع الدستور والمرسومين 115 و116 المؤرخين في 02 نوفمبر 2011. ويثير التدخل القضائي على هذا الوجه إحدى أبرز الإشكاليات التي اعترضت الهيئة التعديلية في مجال اختصاصها. وفيما لا يمكن بأية حال أن نتحدث عن تنازع اختصاص بين القضاء والهيئة التعديلية، فإنه يجب رسم الحدود الفاصلة بين الوظيفتين لكل من القضاء وهذه الهيئة بشكل يساعد على ضمان ممارسة الحقوق المتصلة بحرية الاتصال السمعي البصري وضمنا حماية حقوق الآخرين وسمعتهم وذلك باللجوء إلى القضاء بصورة لاحقة للتعويض والمؤاخذة وليس لطلب إيقاف البرامج والمضامين الإعلامية.

إن عدم استيعاب أهمية ودور الاعلام في مجتمع ديمقراطي من جهة وفرض الوصاية القانونية التي تجد الأرضية الملائمة لها من خلال منظومة جزائية تعادي منطق إلغاء كل أشكال القبلية المسبقة أدى إلى تصادم في الأدوار بين القضاء والهيئة التعديلية وسنتعرض له في عديد المحطات الهامة التي قد تكون سوابق قضائية غير متبعة أو ترسخ لتوجه جديد فيما يتعلق بالرقابة القبلية على المضامين السمعية والبصرية التي منع الدستور إجراءها تحت أي ذريعة.

  • إثارة تتبعات قضائية ضد مضامين إخبارية أو صحافيين على أساس قانون الإرهاب

بيّنت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في بيان أصدرته للرأي العام بتاريخ 18 نوفمبر 2015 بعض عناصر الخلط في الوظائف بين تدخل القضاء في المضامين الإخبارية ووظيفتها التعديلية. هذا البيان صدر تعليقا على البيان الصادر عن وزارة العدل قبل يوم واحد والذي جاء فيه أن وزير العدل أعطى تعليمات لإثارة تتبّعات عدلية طبقا لأحكام الفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية عملا بأحكام الفصل 31 من قانون الإرهاب المؤرخ في 07 أوت 2015 على إثر ما تمّ بثه من مشاهد تتعلق بجريمة إرهابية استهدفت قطع رأس طفل بمنطقة جلمة من ولاية سيدي بوزيد[3]. وقد جاء في بيان الهيئة أنه خلافا لما جاء في  بيان وزارة العدل “لا يمكن أولا ممارسة أي تتبع خارج إطار المرسومين 115 و116  المتعلقين بحرية التعبير وتعديل السمعي والبصري وقد قامت الهيئة بدورها في تعديل تلك المضامين بتوجيه تنابيه للمؤسسة المعنية بالخروقات التي اعتبرتها صادمة للجمهور ولا تخدم الخبر في حدّ ذاته واعتبرته من قبيل الأخطاء المهنية الخطيرة مؤكدة أن الخلط الحاصل يهدد مستقبل حرية الاعلام والتعبير ويؤدي إلى تكميم الأفواه ومنع الصحفيين من القيام بدورهم الرقابي على أداء مؤسسات الدولة”.

إلى ذلك، تمثل إثارة التتبعات القضائية ضد الصحافيين بمناسبة أدائهم لوظيفتهم أحد أبرز نقاط التصادم بين الهيئة والقضاء. وقد حدّدت الهيئة في هذا السياق أيضا موقفها ضمن بيانها الصادر في 18 جانفي 2016. وبعدما ذكرت أن تتبّع الصحافيين لا يكون إلا في إطار المرسومين 115 و116، موقف لم تلتزم به في كثير من الحالات النيابات العمومية بالمحاكم والتي وصل الأمر بها  لحد تتبع الصحفيين من أجل مضامين إعلامية طبق قانون مكافحة الإرهاب. وهو ما أدانته الهيئة لما فيه من مس بقيم العمل الصحفي الذي لا يمكن بأي حال أن يعدّ إرهابا[4] ولأن محاولة ترهيب الصحفيين بعقوبات سجنية يتعارض مع ضمانات الإعلام الحر.

  • تدخل القضاء الاستعجالي في المضامين البصرية الترفيهية “الكاميرا الخفية”

 

  • صدور حكم قضائي بإيقاف برنامج الكاميرا الخفية “شالوم”

إشكال آخر نشأ عن الحكم الاستعجالي الصادر عن القاضي الاستعجالي بمحكمة تونس 1 بتاريخ 28 ماي 2018 والذي قضى بالزام القناة الخاصة الحوار التونسي بإيقاف بثّ سلسلة الكاميرا الخفية شالوم، رغم أن الهيئة كانت تدخلت في إطار وظيفتها التعديلية بتاريخ 23 ماي 2018 معتبرة “أن مضمون حلقة سلسلة الكاميرا الخفية “شالوم” … والتي تم في إطارها استدراج السيد “عبد الرؤوف العيادي” وإيهامه بأنه سيجري حوارا مع قناة أجنبية، ثم تبيّن أنه لقاء مع “إسرائيليين” لحثّه على التعاون وتطبيع العلاقة معهم وأن ما تضمنته حلقة سلسلة الكاميرا الخفيّة “شالوم” يمثل خرقا لمقتضيات الفصل الخامس من المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011 الذي يؤكد على ضرورة احترام كرامة الإنسان ومن بينها عدم تعريضه لأي شكل من أشكال التهديد أو الإهانة”. وقد تولّت الهيئة في إطار وظيفتها التعديلية مطالبة المنشأة التلفزية المعنية بتعديل جينيريك السلسلة بأن “يقع حذف علم “الكيان الإسرائيلي” منه لما في ذلك من استفزاز للمشاعر العامة، في ظرف ينفذ فيه هذا الكيان أبشع الجرائم تجاه الشعب الفلسطيني و”سحب تسجيل حلقة سلسلة الكاميرا الخفيّة “شالوم” التي تم بثها بتاريخ 21 ماي 2018 على القناة التلفزية الخاصة “تونسنا” من الموقع الإلكتروني الرسمي للقناة ومن جميع صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها وعدم إعادة بثها أو استغلال جزء منها، نظرا لما تضمنته من انتهاك لكرامة الإنسان ودفع الضيف للإدلاء بمواقف وتصريحات بخصوص مسألة التطبيع مع “الكيان الإسرائيلي” في اتجاه معيّن بحضور شخص مسلح، والإذن بإحالة الملف على مجلس الهيئة للنظر فيه حسب مقتضيات الفقرة 04 من الفصل 30 من المرسوم عدد 116 لسنة 2011”. واعتبرت الهيئة على إثر صدور القرار الاستعجالي أن ذلك يعتبر تدخلا في وظيفتها التعديلية ومخالفة صريحة لأحكام الفصل 31 من الدستور التونسي الجديد الذي منع الرقابة المسبقة على المضامين الإعلامية السمعية والبصرية وأنها تعتبر أن التعديل مجالها الحصري ويخرج عن ولاية القضاء الاستعجالي.

  • التحقيق الصحفي والتحقيق القضائي

يستند التحقيق الصحفي إلى معالجة القضايا التي تهز الرأي العام والمتمثلة في جرائم قتل أو جرائم فساد وغيرها من القضايا التي يقع تناولها عبر مختلف الوسائط وغالبا ما تكون هذه القضايا محل ملاحقة جزائية أو محل بحث جزائي في أطواره الأولى أو محل تحقيق منشور لدى المحاكم. وتكون معالجة تلك القضايا إعلاميا محفوفة بالمخاطر والمنزلقات لارتباطها بحقوق الآخرين وقرينة البراءة وواجب التحفظ الذي يخضع له قاضي التحقيق ووكيل الجمهورية لإعطاء أي تصريحات حول الموضوع. وفي الآن نفسه، يزداد طلب المعلومة وتاليا الضغط على وسائل الإعلام لجلاء ملابسات القضية لعديد الاعتبارات التي قد تتعلق بالأمن الاجتماعي أو بمعرفة مدى نجاعة الأجهزة في ملاحقة الضالعين في تلك الجرائم. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة بشكل خاص إلى قرار قاضي التحقيق في تونس بتاريخ 14 مارس 2019 بمنع بث برنامج تلفزي الحقائق الأربعة على قناة الحوار التونسي في فقرته المتعلقة بوفاة مجموعة من الأطفال الرضع بمستشفى الأطفال باب سعدون وبمنع إعادة بث الحلقة الخاصة على قناة قرطاج+. وقد صدر هذا القرار ليس بعد الاطلاع على مضمون الحلقة بل على ومضة لبثّها، وأنه تم تعليله بأن البرنامج يمس من سرية الأبحاث ويشكل تدخلا في القضاء. وتعليقا على ذلك، أفادت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري في بيانها الصادر في اليوم التالي أن القرار ينال من حرية الاتصال وحرية التعبير ويشكل خرقا واضحا للفصل 31 من الدستور التونسي الجديد.

وهذا التوجه أي منع بث مادة إعلامية مصورة عاد وانتهجه قاضي التحقيق المتعهد بقضية قتل الشاب آدم بوليفة في ما يعرف بقضية” رادسون” من خلال منع بث برنامج تلفزي للحقائق الأربعة على قناة الحوار التونسي. وقد علّقت الهيئة هنا أيضا على هذا القرار في بيان أصدرته بتاريخ 23/11/2019 مشيرة إلى أن مؤداه المسّ بصلاحيات الهيئة ووظيفتها التعديلية.

وتعتبر الهيئة عموما أنه ليس لقاضي التحقيق ممارسة رقابة قبلية على مضامين بصرية تخضع لولاية الهيئة التعديلية اللاحقة وأن أي توجه من هذا القبيل إنما يشكل مسا بصلاحياتها وبحرية الاعلام والحق في النفاذ لوسائل الاعلام وعودة لممارسة التعتيم الاعلامي الذي يفضي إلى انعدام الشفافية وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

* نائب رئيس الهيئة العليا   للإعلام السمعي البصري

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

 

[1] الفصل 31 ” حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة.

لا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات.

[2]الفصل 102 لقضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات.

القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون.

[3]لفصل 31 ـ يعد مرتكبا لجريمة إرهابية ويعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من خمسة آلاف دينار إلى عشرة آلاف دينار كل من يتعمّد داخل الجمهورية وخارجها علنا وبصفة صريحة الإشادة أو التمجيد بأي وسيلة كانت بجريمة إرهابية أو بمرتكبيها أو بتنظيم أو وفاق له علاقة بجرائم إرهابية أو بأعضائه أو بنشاطه أو بآرائه وأفكاره المرتبطة بهذه الجرائم الإرهابية.

[4]الفصل 13 ـ يعد مرتكبا لجريمة إرهابية كل من يتعمد بأي وسيلة كانت تنفيذا لمشروع فردي أو جماعي ارتكاب فعل من الأفعال موضوع الفصول من 14 إلى 36 ويكون ذلك الفعل هادفا، بحكم طبيعته أو في سياقه، إلى بث الرعب بين السكان أو حمل دولة أو منظمة دولية على فعل أوترك أمر من علائقهما.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *