تحولات إيجابية في اجتهاد محكمة المطبوعات في بيروت (2): مبادئ الديمقراطية أبدى من رمزية رئاسة الجمهورية


2020-06-22    |   

تحولات إيجابية في اجتهاد محكمة المطبوعات في بيروت (2): مبادئ الديمقراطية أبدى من رمزية رئاسة الجمهورية

أصدرت محكمة مطبوعات بيروت مؤخّرا أحكاما عدّة، أتتْ بمثابة تحوّل إيجابيّ بالغ الأهمية في مقاربتها لحريّة التعبير. وهذا الأمر إنّما يشكل دليلا هاما على أن للهيئات القضائية قدرة هائلة في التأثير على مدى حرية التعبير توسيعا وتضييقا، حتى في ظل القوانين نفسها، وأن التوجه في هذا المضمار يتوقف تاليا وبدرجة كبيرة على هوية القضاة الناظرين في هذه الدعاوى بما لديهم من قناعات أو ارتباطات أو مواقف مسبقة. وما كان لهذا التحوّل أن يحصل لولا التغيير في أعضاء هيئة الحكم وبروز دور مستشارتين فيها، هما القاضيتين هبة عبدالله وناديا جدايل، بعدما طبع رئيسا الهيئة الأسبقان وهما سمير عالية (2002-2009) وروكز رزق (2009-2017) محكمة المطبوعات بمواقفهما المحافظة والمقيدة لحرية التعبير. ويبقى طبعا هذا التحول مهددا في حال انتهى التجاذب حول مشروع التشكيلات القضائية إلى تعيين رئيس جديد للمحكمة معروف بتوجهات مماثلة.

نخصص هنا عددا من المقالات للقرارات الإيجابية الصادرة عن هذه المحكمة على أمل تحوّلها إلى اجتهادات راسخة وتاليا إلى واقع جديد للعلاقة بين وسائل الإعلام والسلطة السياسيّة. ننشر هنا الحلقة الثانية والتي نتناول فيها قرارين صدرا في 2019 وأديّا إلى تضييق ما أسمته المحكمة "إمتيازا خارقا للقانون" معطى لرئيس الجمهورية ويؤدّي إلى معاقبة أي تعرّض له أيا تكن الظروف المحيطة به أو الدوافع إليه، وذلك عملا بمبادئ الديمقراطية. يلحظ أن الرؤساء والملوك الأجانب يتمتعون بالإمتياز نفسه في لبنان وأن أي تضييق لامتياز رئيس الجمهورية يؤدي إلى تضييق الإمتياز الممنوح لهم أيضا (المحرّر).

 

خلال سنة 2019، أصدرت محكمة المطبوعات في بيروت حكمين لافتين ذهبا في اتجاه توسيع حرية التعبير في انتقاد رئاسة الجمهورية. الحكمان صدرا تباعاً بتاريخ 1 تشرين الأول و21 تشرين الثاني 2019 في دعويين قدمتهما النيابة العامة ضد جريدتيْ "الأخبار" و"نداء الوطن". وإذ يندرج هذان الحكمان في سياق التوجّه الجديد للمحكمة نحو تعزيز حريّة التعبير، فإنّهما يكتسيان أهمية مضاعفة في ظل الأزمة المالية والإقصادية الراهنة وبخاصة تبعا للتكليف الذي أصدرته النيابة العامة التمييزية بتاريخ 15 حزيران 2020 للمباحث الجنائية لتحديد هوية الأشخاص الذين عمدوا إلى نشر تدوينات وصور تطال مقام رئاسة الجمهورية تمهيدا لملاحقتهم.

ففيما أولت هذه الأخيرة أولوية للحفاظ على رمزية الرئاسة، أكّدت محكمة المطبوعات في حكميْها المذكورين بأن "الإجتهاد يشهد تطوّراً في اتجاه تغليب قيم الديمقراطية" على هذه الرمزية، وصولاً إلى كفّ التعقبات بحق الجريدتين. وتوشّر إحالة المحكمة إلى مبادئ الديمقراطية إلى أنّ المقاربة المتناقضة بين الهيئتين لا تتأتّى عن اختلاف تقنيّ في تفسير المواد المتّصلة بحرية التعبير، إنما هي تنمّ عن اختلاف أكثر عُمْقاً في مقاربة نظام الحكم والمبادئ الملازمة له. ففيما يندرج تكليف النيابة العامة التمييزية بملاحقة التعرّض لرئيس االجمهورية في إطار التأكيد على نظام المقامات أو الزعامات والإمتيازات والهالات المحيطة بها، يندرج حُكما محكمة المطبوعات على خلاف ذلك في إطار إبراز مبادئ الديمقراطية وما تفرضه من مساواة وأولوية لحقوق المجتمع والمواطن والتي يجب أن تقود إلى توسيع حريّتي التعبير والإعلام وتعزيز التخاطب العام في القضايا العامة كافة.

وقبل المضيّ في عرض الأسناد التي انبنى عليها هذان الحكمان وتحليلها، يجدر لفت النظر إلى أنهما اتصلا تباعا بالإنتقادات الموجهة لرئيسي الجمهورية السابق ميشال سليمان والحالي ميشال عون على خلفية مواقفهما المتناقضة من حزب الله. ففيما ادّعت النيابة العامة ضدّ الأخبار على خلفية انتقادها لتصريحات الرئيس سليمان ضد المقاومة والذي انتهى بدعوته إلى الرحيل، فإنها ادّعت ضد جريدة نداء الوطن على خليفة انتقادها لتماهي الرئيس الحالي ميشال عون مع حزب الله وبخاصة لجهة لزومه الصمت إزاء إعلان هذا الأخير إئتماره بالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي. وقد وصفت الجريدة صمت الرئيس في هذا الخصوص بصمت القبور، لتعود وتصف الجمهورية بجمهورية الخامنئي. ومن هذه الزاوية، اكتسى التزام المحكمة الإجتهاد نفسه في حكميها حصانةً حيال أيّ اتّهام بالتسييس، طالما أنّها تدخّلت فيهما، وبالدرجة نفسها،ـ لحماية حرية التعبير عن آراء سياسية متناقضة.

 

1- تقييد حرية التعبير يخضع لمبدأ التناسب وضرورات النظام الديمقراطي

بخلاف التوجّهات السابقة لمحكمة المطبوعات والتي جعلتها بمثابة محكمة لضمان أصول الأدب من خلال معاقبة أي خروج عنه، أفردَتْ هيئتها الجديدة في حكميْها المشار إليهما أعلاه حيثيات مؤدّاها تحرير حرية التعبير من هذه الأصول لترسم حدودها على ضوء التوازن الذي تفرضه مبادئ الديمقراطية ما بين المصالح الإجتماعية والكرامة الفردية، وذلك تيمّنا بالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ومن هنا، بعدما لحظت المحكمة في حكمها الأول أن "الإجتهادات المتصلة بانتقاد رئيس الجمهورية قد سجلت تطورا لافتا على صعيد تغليب الإعتبارات المتصلة بحرية التعبير ومبادئ الديمقراطية على رمزية رؤساء الجمهورية"، جاء حكمها الثاني أكثر وضوحا لجهة ضرورة إنخراط المحكمة في إجراء موازنة بين مصالح المجتمع وكرامة الرئيس، من دون الإكتفاء بمعاقبة أي تعرّض للرئيس بمعزل عن ظروفه أو الدوافع إليه.

وقد توصلت الهيئة إلى قرارها المذكور بالإستناد إلى المواثيق الدولية والأوروبية (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان) فضلا عن إعلان حقوق الإنسان الصادر تبعا للثورة الفرنسية، والتي منحت وفق المحكمة حرية الصحافة والتعبير قيمة عالمية ودستورية "لا يمكن للمشرّع أن يقوّضها إلا بقدر ما يحتاج إليه النظام الإجتماعيّ من حماية وكرامة الإنسان واعتباره من إحترام". وبصورة أوضح، أعلنت المحكمة في مكان آخر ضرورة "التوفيق بين حرية التعبير واحترام كرامة الإنسان وبين حرية الصحافة واحترام الحياة الخاصة، بين حق النقد المعطى للصحافيين وحق الإنسان في معرفة الحقيقة وبين حماية الحريات الفردية". وقد اعتُبِرتْ "هذه الحريات أساسية ولا غنى عنها من أجل الأداء الطبيعي لمجتمع ديمقراطي، وتتطلب حماية هذه الحريات والحقوق البحث الدائم عن توازن لا غنى عنه ودقيق في تحديده".

ويُفهم من ذلك أن المحكمة أعلنتْ ليس فقط تمسُّكها بعدم جواز تقييد حرية التعبير إلا وفق مبدأي التناسب والضرورة في سياق تفسير القانون، بل أيضا وجوب تقيُّد البرلمان بهذين المبدأين عند إقرار أي قانون مقيّد لحربّة التعبير. وبذلك، بدتْ المحكمة وكأنها تكمّل أحكام المادة 13 من الدستور التي تكفل حرية إبداء الرأي ضمن دائرة القانون، بالمواثيق الدولية التي تضع ضوابط يتعيّن على القانون الإلتزام بها عند أي تقييد للحرية تحت طائلة اعتباره غير مبرّر وتاليّا غير مشروع. وإنطلاقا من ذلك، نستشفّ أن المحكمة أبدت جهوزية لإقصاء أيّ تشريع حالي أو يتم سنّه بمخالفة لهذه المبادئ عملا بالمواثيق الدولية التي تسمو عليه وفق المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

 

2- كيف طبقت المحكمة مبدأي التناسب والضرورة على كرامة الرئيس؟

بعدما أكدت المحكمة على هذه المبادئ، اتّجهت إلى استخلاص العبر منها، في اتجاه توسيع حرية انتقاد رئيس الجمهورية وذلك من زاويتين:

  • الأولى، فتح باب واسع لإمكانية التبرؤ من الذم في حال إثبات صحة موضوعه،
  • والثانية، فتح باب الإنتقاد السياسي من دون أي قيد.

ويلحظ أن المحكمة ذهبت في هذا الإتجاه بعدما وصفتْ الحماية الممنوحة لرئيس الجمهورية في هذا الإطار ب "الإمتياز الخارق للقانون"، أي ما يفيد كونه أحد ترسّبات الأنظمة القديمة غير الديمقراطيّة والتي كانت تقوم على رمزية رؤسائها وحكّامها. وعليه، استعانت المحكمة بالمبادئ والإجتهادات الدوليّة وبخاصّة مبادئ الديمقراطية، التي ذكرتها المحكمة على طول حكميْها والتي هي تقوم على العكس من ذلك تماما على قيم المساواة والحرية.

 

عذر الحقيقة

هنا، بدت المحكمة وكأنها تبذُل جهداً لتجاوز قدسية الرئاسة، والتي تعاقب الذمّ بالرئيس على خلفية أفعال تتصل بوظيفته من دون تمكين المدعّى عليه من إثبات صحة الأفعال موضوعه، بالنظر إلى وضوح النص (المادة 387 من قانون العقوبات) في هذا المجال. ولهذه الغاية، استشهدتْ المحكمة في حكمها الصادر في 1 تشرين الأول 2019 بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي اعتبرت أن امتيازاً من هذا القبيل إنما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية. ولم يفتْ المحكمة التذكير بأن المشرّع الفرنسي انتهى إلى إلغاء النصوص الخاصة بتجريم التعرّض لرئيس الجمهورية تماشياً مع المنحى الذي انتهجته المحكمة الأوروبية، بما يشكل دعوة للمشرّع إلى إلغاء هذا الإستثناء في سياق عمله على اقتراح قانون الإعلام (وهو أمر لم يحصل حتى الآن)، وذلك في موازاة إعلان استعدادها لتجاوز هذا الإستثناء من خلال تغليب الاتفاقيات والمبادئ الدولية على القوانين الداخلية وفق ما سبق بيانه.

وما يزيد من أهمية هذه الإعتبارات هو أن المحكمة تمسّكت بالإعلان عن هذه المواقف، من دون أن يكون في معطيات القضيتين ما يرغمها على ذلك. فالتعرض المدعى به لم يتصل بوقائع معينة منسوبة لرئيس الجمهورية بل بتحليل الصحيفة المدعى عليها لأبعاد هذه الوقائع.

 

لا حدود للنقد السياسي مهما كان قاسياً أو مثيراً

الضابط الثاني الذي ثبتته المحكمة لهذا الإمتياز هو أنه ليس من شأن "رمزية الرئاسة" أن تضع أي حدود للنقد السياسي. هذا ما أثبتته المحكمة بشكل خاص في معرض الحكم في قضية "نداء الوطن". وقد جاء حرفيا في هذا الحكم أنه "بات من المكرس في الإجتهاد الدولي أنه في مجال الخطاب السياسي، لا يترك مساحة تذكر لفرض قيود على حرية التعبير وأن حدود النقد المسموح به تضحي أوسع في المسائل التي تهمّ الشأن العام أو القضايا المتعلقة بمواقف رجال السياسة وأشخاص القانون العام" مستشهدة بعدد من القرارات الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولا يشذّ عن ذلك انتقاد رئيس الجمهورية طالما أنه "رجل الدولة الأول ورمز وحدة الوطن ويعود له رسم السياسة التوجيهيّة للبلاد بما يضمن وحدتها". وعليه، "يكون دور الصحافة أساسيا لبناء دولة القانون حيث توفر حرية الصحافة للرأي العام وللمواطنين طريقة من أنجع الطرق لمعرفة أفكار ومواقف قادتهم والحكم عليها، وتتيح للسياسيين على وجه الخصوص فرصة للتفكير والتعليق على مخاوف الرأي العام وتسمح للجميع بالمشاركة الحرة في الجدل السياسي الذي يقع في صميم فكرة المجتمع الديمقراطي".

وقد ذهبت المحكمة أبعد من ذلك في اتجاه التسامح إزاء النقد مهما بدا الأسلوب قاسياً أو مشوبا بالإثارة. فهذه الصور التي "تعكس ملكات الكاتب اللغوية في إيصال وجهة نظره"، أو تتمثل في "محسنات بديعية من كناية واستعارة وغيرها من علوم البيان"، إنّما تهدف إلى "جذب القارئ وشدّه إلى متابعة أفكاره وقناعاته المناهضة لموقف رئيس الجمهورية". وتتابع المحكمة أن الكتابات المدّعى بها "التي لا تخلو من قساوة صارخة – وإن كانت مثيرة للجدل – وبقطع النظر عن مدى صوابية الآراء المعروضة فيها والتي تبقى خاضعة لنقد وتشريح من لا يؤيدها في نطاق الحرية الصحفية المسؤولة، غير أنها لا تحتوي على هجوم غير مبرر على شخص رئيس البلاد ومكانته ورمزيته ولا تخرج عن نطاق حرية التعبير المصانة في دستور البلاد وقوانينه وتقاليده، وتعكس بذلك واقع تعددية فكرية لا غنى عنه في مجتمع ديمقراطي".

وما يزيد من أهمية هذين الحكمين ويحصِّنهما من الناحية الحقوقية ويقيهما حيال أي اتهام سياسي، هو تناقض الآراء السياسية التي عمد الحكمان إلى حماية حرية التعبير عنها كما سبق بيانه.

 

حكمان رائدان يشكلان الردّ الأفضل على تكليف النائب العام التمييزي.

 

  • للإطلاع على الحكم الصادر في قضية جريدة نداء الوطن (ميشال عون): انقر هنا 
  • للإطلاع على الحكم الصادر في قضية جريدة الأخبار (ميشال سليمان): انظر الحكم المرفق. 

 

انشر المقال

متوفر خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *