تحرير الطائفية السياسية من نظام الزعماء: كلمات لتعرية لعبة ماكيافيلية قديمة


2020-05-30    |   

تحرير الطائفية السياسية من نظام الزعماء: كلمات لتعرية لعبة ماكيافيلية قديمة

يرسم الزعماء صورة لأنفسهم كمجرد ممثلين عن طوائفهم من ضمن قواعد النظام الطائفي بحيث تظهر سلطتهم كنتيجة طبيعية لتعددية المجتمع اللبناني. وهم يعلنون دائما بشكل أو بآخر أن الغاء الطائفية السياسية هو هدفهم النهائي وأن الدولة المدنية هي الحل المثالي المنشود. وآخر شاهد على ذلك، طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري تبني قانون انتخابات لا يلتزم بالتمثيل الطائفي، أو حتى ما أعلنه المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان حول إسقاط الصيغة الطائفية والإنتقال إلى الدولة المدنية.

إن هذا التصور يخفي في طياته محاولة غير بريئة لتصوير نظام الزعامة بشكل يتوافق مع عمل المنطق الدستوري بحجة أن الطائفية هي مكرسة في مؤسسات الدولة السياسية والإدارية، وبالتالي كل نقد للزعماء يصبح عبارة عن نقد للطائفية السياسية، وهكذا يكون الحل السحري المقترح دائما هو إلغاء الطائفية السياسية، ما يؤدي عمليا إلى تحييد الزعماء وعدم تحميلهم مسؤولية ما آلت إليه الأمور.

إن هذا المنطق ينطلق من فرضية تعتبر أن الخلل في لبنان يكمن في تركيبة المجتمع اللبناني نفسه التي تفرز تلقائيا نظاما سياسيا يهيمن عليه الزعماء. المشكلة إذن بنيوية وهي تكمن في النصوص الدستورية والقانونية ومجرد تعديل هذه النصوص يؤدي إلى تحرر لبنان من الطائفية وانتقاله إلى الدولة المدنية العصرية حيث المساواة بين جميع المواطنين إلى ما هنالك من شعارات تضع اللوم دائما على "الطائفية"، هذا المرض العضال الذي يفتك باللبنانيين.

لذلك، لا بد من أجل فضح هذا التصور من الفصل المفهومي بين الطائفية السياسية، أي ضرورة تأمين تمثيل ما للطوائف في مؤسسات الدولة، وبين نظام الزعماء. إن سلطة الزعماء هي سلطة أمر واقع فرضت نفسها بأساليب غير قانونية متعددة، إما خلال الحرب عبر قوة السلاح، أو عبر الاستخدام المكثف للمال من أجل استغلال حاجات الناس عبر شراء الولاء السياسي وتحويل اللبنانيين إلى أتباع هذا الفريق أو ذاك.

وهكذا يبرز الإختلاف الجوهري بين نظام الزعماء والطائفية السياسية. فالطائفية السياسية هي الشكل اللبناني من منظومة دستورية أوسع تعرف بالديمقراطية التوافقية، بحيث يفرض السياق التاريخي لبعض الدول التي عرفت إنقسامات سياسية حادّة ومستدامة بين فئات الشعب، اعتماد آليات دستورية تؤدي إلى تأمين تمثيل هذه الفئات في مؤسسات الدولة مع منحها ضمانات قانونية كي تشعر أنها على الرغم من كونها أقلية عددية لكن النظام الدستوري المعتمد سيحميها من أي تهديد جدي لمصالحها من قبل الأغلبية.

ودون الدخول في التفاصيل، لا بد أن نشير إلى أن الديمقراطية التوافقية بإيجابياتها وسلبياتها خضعت لتشريح علمي دقيق على يد مجموعة من علماء السياسة، وهي في مطلق الأحوال نظام مؤسساتي يقوم على منطق دولة القانون التي تؤمن حقوق المواطنين وتهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على سلامة المجتمع، وهي صيغة قابلة للتعديل والتطوير ويجب أن تتحلّى بالمرونة كي تتيح للمواطنين تغيير القواعد الدستورية عندما يشعرون أن ذلك بات ملحا. فبعض الدول الأوروبية كالنمسا وهولاندا كانت تصنف من ضمن مجموعة النظم التي تتبنى قواعد الديمقراطية التوافقية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لكنها تحولت منذ نهاية الستينات إلى ديمقراطيات عادية بنتيجة تطور الحياة السياسية.

من جهة ثانية، إنتقلت دول أخرى إلى ادخال نصوص في أحكامها الدستورية تهدف إلى تعزيز الطبيعة التوافقية للنظام. ولا شك أن المثال الأبرز هو بلجيكا التي تبنت الخيار الفيدرالي وعدلت دستورها كي تضمن المشاركة الفعالة لجميع العناصر المكونة لمجتمعها، بحيث ينص دستورها الحالي على سبيل المثال أن مجلس الوزراء (باستثناء رئيس الحكومة) يجب أن يتشكل مناصفة بين الوالون الناطقين باللغة الفرنسية والفلامون الناطقين بلغة متفرعة عن الهولاندية.

الطائفية السياسية أو الديمقراطية التوافقية ليست اختراعا لبنانيا تجعل من لبنان مثالا فريدا في العالم كون هذه الفرادة المزعومة تخفي في طياتها بعدا إيديولوجيا سلطويا مفاده أن فرادة لبنان تؤدي إلى فرادة نظامه السياسي وبالتالي لا يمكن تغيير هذا النظام أو المس به، أي في نهاية المطاف تبرير بقاء السلطة الحاكمة.  

ويعود الفضل في "عقلنة" الطائفية السياسية إلى د. أنطوان مسرة الذي أدخل هذا المفهوم إلى لبنان محولا الموضوع من مقاربة عاطفية تتكلم عن رسالة لبنان ودوه في حوار الحضارات والتلاقي بين الشرق والغرب إلى منهجية علمية تضع تعددية المجتمع اللبناني في إطار قانوني يحترم عمل المؤسسات الدستورية ومنطق الدولة.

فإذا كانت الطائفية السياسية نظاما قانونيا له ما له وعليه ما عليه، لكن نظام الزعماء هو النقيض الكامل لأي منطق قانوني ينسجم مع الدولة الحديثة. فنظام الزعماء يقوم على تقويض منطق المؤسسات واستبدال الحماية التي يؤمنها القانون بحماية سلطوية يمنحها الزعيم لأتباعه عبر انتهاج سياسة زبائنية باتت اليوم شاملة، لا بل يمكن أن نقول أنها أضحت كنه النظام مع اتسامها بطابع الإحتكار المطلق، أي أن الفرد مرغم كي يحصل على حقوقه بالمرور عبر الزعيم وإلا فهو مهدد بالإقصاء والحرمان لا بل القمع والترهيب.  

نظام الزعماء يحوّل إدارات الدولة والقضاء إلى مواقع نفوذ عبر المحاصصة وتقاسم المصالح والمغانم. وهي محاصصة خطيرة كون الزعيم غالبا ما يهدّد بشلّ عمل مؤسسات الدولة لا بل بالحرب الأهلية في حال تعرضت مصالحه للتهديد، وذلك عبر تصوير نفسه كمدافع عن حقوق الطائفة، بينما هدفه الحقيقي هو الابقاء على سلطته كي لا يشعر "أتباعه" أن سطوته ومنظومة المصالح الزبائنية المرتبطة به باتت ضعيفة ما يسمح لهم بالتحرر منه.

من هنا، كان من الملح التوضيح أن إسقاط النظام السياسي الحالي يعني أولا إسقاط الزعماء وهيمنتهم على مؤسسات الدولة دون أن يؤدي ذلك تلقائيا إلى الغاء الطائفية السياسية، لا بل إن إسقاط نظام تحالف الزعماء هو الوسيلة الوحيدة لتحرير الطائفية السياسية من خداع الأيديولوجيا الطائفية التي يروج لها الزعماء تحت إسم الميثاقية، وإعادتها إلى فهمها المؤسساتي السليم الذي لا يتعارض إطلاقا مع مدنية الدولة.

فالدولة المدنية هي التي تنظم الإجتماع السياسي فتسمح للطوائف بالمشاركة في مؤسسات الدولة وتمنح أيضا الحرية لكل مواطن لا يرغب بتصنيفه ضمن طائفة ما من التمتع بحقوقه الكاملة مباشرة دون الوساطة الطائفية. فالنظام القانوني اللبناني المعمول به حاليا يتضمن أحكاما تسمح للبنانيين بتغيير انتمائهم الطائفي او إنشاء طوائف حق عام أو حتى عدم الإنتماء لأية طائفة وهذا لا يتعارض أبدا مع الديمقراطية التوافقية كونها منظومة قانونية متكاملة هدفها حماية حرية الأفراد الذين يحق لهم الإختيار بين البقاء في تمثيلهم السياسي ونظام أحوالهم الشخصية من ضمن التصنيف الطائفي أو الخروج منهما مع تبني نظام مدني للأحوال الشخصية.

وهكذا نفسر قيام رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو واحد من أبرز أركان نظام الزعماء، باقتراح تبني قانون انتخابات من خارج القيد الطائفي. إن هذا الاقتراح ليس في الحقيقة سوى محاولة للهروب إلى الأمام من خلال الإيحاء أن المشكلة في لبنان هي مشكلة النظام الطائفي، وأن الحل هو عبر إلغاء الطائفية السياسية بحيث يتم التستر على مسؤولية نظام الزعماء الذي دمر كل منطق الدولة وملقيا اللوم على الطائفية السياسية، هذه الشماعة التي يعلق الزعماء عليها كل مخالفة يقومون بها للدستور والقانون.

فاقتراح الرئيس بري وبحجة إلغاء الطائفية يؤدي فعليا وفقا لما يشرحه الباحث جهاد نمور إلى تجييش المنطق الطائفي وتحريض اللبنانيين على الإنضواء ضمن تكتلات طائفية عصية على الإختراق. وتفسير ذلك بسيط لأن تخصيص مقاعد للطوائف في قانون الإنتخابات هو في حقيقة الأمر عاملٌ يساهم في الحدّ من الخطاب الطائفي، ويؤمن درجة من الأمان في العلاقات بين الطوائف. فالتنافس بين المرشحين من ضمن هذا النظام يتمّ بين مرشّحين عن مقعد مخصص لطائفة واحدة أي أن التنافس يكون داخل الطائفة نفسها ما يجعل من الحجة الطائفية عديمة الفاعلية. بينما تبني قانون انتخابي من خارج القيد الطائفي، لا سيما في ظل هيمنة الزعماء على كل مفاصل وأجهزة الدولة، يجعل المرشحين من طوائف مختلفة يتنافسون على مقعد واحد ما يعني إمكانية تبني خطاب تحريضي يقوم على التخويف من الآخر الذي يصبح وجوده تهديدا فعليا لمصالح "أبناء الطائفة". علاوة على ذلك، إن عدم احترام التوزيع الطائفي للمقاعد يقود عمليا إلى شعور الطوائف الصغرى بتهديد محدق في وجودها السياسي ما قد يدفعها الى المزايدة الطائفية بغية شد العصب.

إن اقتراح الرئيس نبيه بري الذي يؤدي إلى شيطنة الطائفية السياسية هو في الحقيقة استراتيجية محكمة ولعبة قديمة برع بها نظام الزعماء هدفها إخفاء حقيقة سلطتهم وراء الطائفية السياسية. وهكذا بدل أن يرى المواطن اللبناني أن عدم احترام منطق القانون وتهميش مؤسسات الدولة هو نتيجة لتقاسم المصالح القائم بين الزعماء، يذهب تفكيره إلى الطائفية السياسية ويحمل مسؤولية فشل الدولة إلى الشعب اللبناني الذي أفرز الطبقة السياسية الحاكمة. وبالتالي يصبح تغيير النظام من المستحيلات كونه يتطلب تغيير الشعب "وعقليته الطائفية" بينما الحقيقة أن المشكلة تكمن في الخيارات الإرادية التي اتخذها ويتخذها الزعماء من خلال تغلغلهم في مؤسسات الدولة كافة.

إن الديمقراطية التوافقية بنسختها اللبنانية وبوصفها نظاما من الأحكام الدستورية والقانونية لا تقبل بالزبائنية ولا بالمحاصصة ولا بترهيب المجتمع عبر الأساليب المليشياوية ولا بتحويل الداخل اللبناني إلى ساحة لتمرير التدخلات الاجنبية. وهي أيضا من خلال تأمين حقوق الأفراد المختلفة، أي حقوقهم الإجتماعية والإقتصادية وتحريرهم من تبعية الزعماء وضمان حقوقهم بالتقاضي أمام مرجع مستقل وفاعل، تؤدي الى الحد من المنطق الطائفي عبر منع تسييس الإختلافات الطائفية القائمة في المجتمع. بينما نظام الزعماء يقودنا إلى نتائج معاكسة تماما، فهو يقوم على تحريض الطوائف وتأليب اللبنانيين على بعضهم البعض، وامتهان كرامتهم عبر سلبهم حقوقهم وتحويل مطالبهم المحقة إلى خدمة يمن عليهم بها الزعيم، الذي يشعرهم بأن تعرضه للخطر هو تهديد مباشر لهم ما يحتم استنفارهم طائفيا للدفاع عنه بوجه الزعيم الطائفي الآخر المتسعد دائما للهجوم عليهم وسلبهم وظائفهم وأموالهم.  

خلاصة القول، إن تحرير الطائفية السياسية من الزعماء هي الخطوة الأولى الضرورية التي ستسمح للبنانيين من استعادت دولتهم، وكي يتيقنوا أن الدولة هي أيضا ضحية الزعماء. عندما يتحرر الدستور وما يتضمنه من نصوص تكرس الطائفية السياسية من نظام الزعماء يمكن حينها فقط تطبيق الصيغة الطائفية بمعناها القانوني السليم ما يسمح بتطويرها مع الوقت وربما حتى تخطيها كما حصل في سائر الدول. لذلك لا يمكن الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية قبل إسقاط نظام الزعماء كون تبني نظام انتخابي خارج القيد الطائفي في ظل استمرار هيمنة الزعماء على لبنان لن يؤدي إلى أي تغيير حقيقي في واقع لبنان السياسي والإجتماعي، بل سيتمكن نظام الزعماء من تجديد نفسه، لأن سلطته الفعلية لا تستند على المؤسسات الدستورية بل على الزبائنية الطائفية، أي تحويل المواطنين إلى أتباع لزعيم نصب نفسه كممثل لطائفة معينة.  

  

انشر المقال

متوفر خلال:

دستور وانتخابات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *