تجربة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية: من التهميش إلى الادماج نصنـع البدائـــل

تجربة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية: من التهميش إلى الادماج نصنـع البدائـــل
تجربة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية

يغلب الطابع البحثي على أنشطة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية. وقد تدعّم وتوسّع نشاط الجمعية بعد سنة 2011 ليشمل مختلف الجهات، ويتوجه أكثر نحو العمل الميداني، وذلك ضمن نفس المنهج الذي دأبت الجمعية عليه منذ ما يفوق الربع قرن، بحيث يرتكز التدخل على “رؤية علمية” تعتمد على البحوث والدراسات. وضمن هذا السياق، كان عمل الجمعية على مسألة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فبعد الثورة طوّرت الجمعية نشاطها وركّزته لتساهم في إرساء وبلورة طرق تدخل ناجحة وناجعة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء والشباب المهددين بالتهميش.
وبناء على ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وأمام محدودية المنوال التنمويّ وعجزه عن الاستجابة لتطلعات واستحقاقات الشباب والنساء سيما في الجهات، وبناء كذلك على نتائج التجارب التي بيّنت نجاح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في بعث الوظائف اللائقة والحفاظ عليها، وخلق الثروة، والحد من عدم المساواة الاجتماعية وتعزيز التنمية المحلية، خاضت الجمعية التجربة من خلال دعم وتأطير مبادرات اقتصاد اجتماعي وتضامني شملت النساء ضحايا العنف وعاملات المنازل ونساء من الحي الشعبي المسمى غزالة ولاية بنزرت.

المنهجيــة المعتمــدة
انطلاقا من قناعة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية بإخفاق التجارب التنمية المسقطة وبفشل العلاقات العمودية، في مقابل أهمية المقاربة التشاركية القائمة على علاقات تفاعلية أفقية، كان إيمانهم بأن كل شخص معني في عملية التنمية له صفة مشارك وليس مجرد مستفيد وبالتالي له الحق في المشاركة الفعلية في كل مراحل البرامج والمشاريع والأنشطة المعني بها؛ من تشخيص للاحتياجات وبلورة للرؤى والأهداف وعمليات الإنجاز والمتابعة والتقييم والتعديل إلى حين ضمان تحقيق النتائج المتوقعة واستدامتها. لذا فإن العمل انصبّ أساسا على الأشخاص لضمان المشاركة الفاعلة، ولترسيخ فكرة أن المؤسسات التي تُكوّن في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هي مشروع حياة يجب العمل والمثابرة من أجل ضمان نجاحه وديمومته، وعلى هذا الأساس كان عملنا على عديد الواجهات.

رأس المال البشري
بالعودة إلى السمات التي سبق ذكرها آنفا، تمّ التركيز من ناحية على دعم الثقة في النفس والشعور بالاعتزاز وإثبات الذات في صفوف النساء. كما تمّ العمل على الجانب التوعوي فيما يتعلق بالحق في العمل والعمل اللائق كالسلامة المهنية، والأجر، وساعات العمل، والعنف الاقتصادي، والتحرش.
من ناحية أخرى، أولت الجمعية اهتماما كبيرا لترسيخ فكرة العمل في شكل مجموعات/فرق، خاصة مع غياب روح المجموعة لدى العديد من المشاركات، حيث تطغى فكرة العمل الفردي أو المشاريع الصغرى العائلية، في حين أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يقوم على عمل المجموعات. ومن هنا كان لا بد لها من العمل المكثف عبر تنظيم الدورات التكوينية حول التواصل، تقسيم الأدوار، والمتابعة (أثناء سير المشروع) من أجل تنمية روح المجموعة وتماسك الفريق وترسيخ فكرة العمل مع الآخرين بطريقة تضامنية من خلال المساهمة في عمل الفريق عبر الأفكار والمقترحات وبذل الجهد.
من ناحية ثالثة، كان للتكوين ذي الطابع المهني أهمية كبيرة. فقد وفّرت الجمعية عديد الورشات التكوينية لدعم الكفاءة والقدرة المهنية للنساء والشباب آخذين بعين الاعتبار ميولاتهن ومتطلبات السوق وداعمين لكفاءاتهن المهنية.

التمويـــل
بالتوازي مع العمل على الرأس المال البشري، كان هناك سعي حثيث من طرف الجمعية من أجل توفير التمويل. وفي هذا السياق تمّ الإتصال بشركائها من أجل طرح فكرة المؤسسات والتعريف بأنشطتها وأهدافها والحصول على التمويل، وقد كلّلت تلك الجهود بالنجاح وتم توفير التمويلات اللازمة.

التسـويــق
بيّن واقع المشاريع الصغرى عموما محدوديتها وفشلها نتيجة صعوبات التسويق وبيع المنتوج والخدمات. لذا، وأمام قلة الخبرة وغيابها في أحيان كثيرة ومحدودية العلاقات بالنسبة للمشاركات والمشاركين، فإن الجمعية تعمل على التكوين ودعم القدرات في هذا المجال (التجارة الإلكترونية) وكذلك على إيجاد وخلق “مسلك تسويقي” قصير يوفر هامشا ربحيا معقولا.

اختيار أنشطة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: المتغيرات وتأثير السياق
عملت الجمعية على ترسيخ أنشطة تضمن بها النجاح والديمومة وتبحث عن التميّز على مستوى المنتوج والخدمات. ولئن بدت الأنشطة صلب المؤسسات التي ساهمت الجمعية في بعثها، في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في ظاهرها “تقليدية” ومتصلة بالنساء كما هو سائد في المعايير الاجتماعية، كصنع الحلويات والأعمال المنزلية، فإن للسياق العام والتمشي المعتمد القائم على التشاركية دوراً في هذا التوجه وفي تبني أنشطة دون غيرها.
فبالنسبة للنساء ضحايا العنف، فإن لمتغير السن والمؤهلات العلمية والمهنية والميولات، دورا هامّا في العمل على التكوين صلب أنشطة دون غيرها. إذ أن نسبة هامة من النساء لهن المعرفة أو بعض المهارات المتصلة بمجال بعينه. كما أن المستوى التعليمي المحدود للغالبية منهن، يحول دون تكوينهن مهنيا في اختصاصات تستوجب حدا أدنى من المعرفة والدراسة والمهنية، كما يمثل عامل السن (التقدم في السن) بالنسبة لمجموعة من النساء عقبة إضافية. لذلك فهن إجمالا بحكم استعدادهن وسنهن وميولاتهن يحبذن العمل في مجالات تعوّدن عليها وهي أساسا في علاقة بمجال الطبخ.
وقد قامت جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية باحترام هذه الميولات، وقاموا بتوجيههن إلى “اختصاصات” تتماشى ومتطلبات السوق، وهي أساسا مُنتجات صحية كالحلويات قليلة السكر أو بالسكر الطبيعي (التمور) والحلويات الخالية من الغلوتان ومنتجات الحبوب الكاملة. باحثات في مجمل الأحوال وعلى اختلاف الأنشطة عن الإضافة والتميّز، بحيث يبتعد المنتوج عن التقليدي والسائد في السوق، وهو ما يعتبر من وجهة نظر الجمعية إحدى ضمانات النجاح والديمومة.
من ناحية أخرى، يلعب متغير الانتماء الجغرافي دورا في تبني أنشطة دون غيرها؛ من ذلك أن تجربة الجمعية في غزالة من ولاية بنزرت أخذت بعين الاعتبار خصوصية الجهة إلى جانب خصوصية المشاركات؛ فباعتبار أن المنطقة تنتمي لوسط فلاحي، فإن الأنشطة تعتمد على منتوج الجهة خاصة من الحبوب والخضروات. ويعتبر المشروع القائم في هذه الجهة متكاملا. فبالإضافة إلى طابعه الاقتصادي، فإن البعد الاجتماعي كان حاضرا بامتياز ضمن هذه المقاربة؛ حيث تم بعث محضنة للأطفال حتى تتمكن النساء من المشاركة في الأنشطة والمواظبة على ذلك من خلال ضمان وجود أطفالهن بالقرب منهن. إن هذه المقاربة التي تبدو في ظاهرها ذات بعد اجتماعي أساسا، تساهم كذلك في توفير أسباب نجاح وديمومة المؤسسة الاقتصادية.

الجمعية ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامن

بعث تعاضدية خدمات منزلية “ايديات”
تضم هذه التعاضدية 30 سيدة من عاملات المنازل ومقرها ولاية أريانة، وقد تمكنت الجمعية من الحصول على تمويل من حكومة بلنسية بإسبانيا، ومن توفير التجهيزات الضرورية لسير عمل هذه المؤسسة؛ ولضمان ديمومة ونجاح هذه التعاضدية. انخرطت فيها الجمعية كعضوة (ممثلة بشخص) وتم انتخاب ممثلتها في مجلس الإدارة لتؤمن بذلك مواصلة التأطير اللصيق. وقد تم في شهر جويلية 2020 إتمام الإجراءات القانونية لهذه التعاضدية وتسجيلها في السجل الوطني للمؤسسات.

.1 بعث شركتين ذات مسؤولية محدودة
تمثلت الأولى في “أفراح غزالة” في ولاية بنزرت، كما دفعت الجمعية نحو بعث مؤسسة أخرى بولاية أريانة ضمّت ثلّة من النساء ضحايا العنف. والأنشطة صلب هاتين المؤسستين تقوم على صنع الحلويات وتحويل المواد الغذائية. وقد سجلت كلا المؤسستين انضمام شابتين من حاملات الشهائد العليا ومهددات بالتهميش بفعل البطالة المطولة والظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة.
هذا وقد تم دعم كلا المؤسستين بالتجهيزات والمحلات اللازمة كما هو الشأن بالنسبة للتعاضدية، وذلك بدعم مالي من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي.
ختاما، يمكن القول في علاقة بالمشاركات خاصة النساء ضحايا العنف، أن مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من شأنها أن تحقق الاستقلالية الاقتصادية لهن، وهي بذلك تساهم في الحد من ظاهرة العنف المبني على النوع بصفة عامة، نظراً لأهمية متغير التبعية الاقتصادية في قبول النساء للعنف.
أما في العلاقة بالمسار التأسيسي والتجارب المتوفرة؛ فإن التحضيرات الذي قامت بها الجمعية قبل بعث المؤسسات تطلب ما يفوق سنة من العمل لضمان جاهزية المجموعات المشاركة ولحل الإشكالات القانونية. وإذ تعتبر جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية أن المرحلة القادمة هامة للغاية، خاصة أمام محدودية التجارب المتوفرة. فإنه بات من الضروري العمل على التعريف بهذه التجارب وعرضها حتى يُتاح التبادل وبناء التمشي والنموذج الذي يمكن الاستئناس به في المستقبل لبناء الاستراتيجيات وخطط العمل في هذا المنوال التنموي قصد بعث مواطن الشغل والثروة أيضا، سواء كان على النطاق المحلي أو الجهوي أو الوطني.

 

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، تونس ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *