تأشيرات “شنغن” في تونس: استثمار ناجح في سوق البؤس الإنساني


2023-05-31    |   

تأشيرات “شنغن” في تونس: استثمار ناجح في سوق البؤس الإنساني

“كل ما في الأمر أنها مسألة عرض وطلب”. هكَذا وبكلّ بساطة لخّص -خلال مشاركته في برنامج إذاعي في 1 ماي 2023- المدير العام لشركة “تي ال اس كونتاكت” TLScontact في شمال إفريقيا، المَشاكل المسجلة في تونس وعدة دول مغاربية عند تقديم طلبات تأشيرة الدخول إلى فرنسا ودول أخرى في “فضاء شنغن”.

في الآونة الأخيرة، أصبحَ طالبو التأشيرة مُجبرين على الانتظار لمدة أشهر للحصول على موعد لتقديم طلب التأشيرة، وأسابيع طويلة لتسلّم ردّ القنصلية. هذه التعطيلات الجديدة خَلقَت “سوقا سوداء” جديدة للوسطاء من وكالات أسفار وأفراد يوفّرون “مواعيد” (هي في الأصل مجانية) بمبالغ تجاوزت الألف دينار في بعض الحالات.[1]  في هذا السياق، يأتي تصريح المدير العام لمؤسسة “تي أل س كونتاكت” وهي واحدة من أبرز الشركات الخاصة العاملة في تونس -وعشرات البلدان الأخرى- في مجال جمع ملفات طلَبات التأشيرات إلى دول “فضاء شنغن” ودول غربية أخرى. وبالعودة إلى مسألة العرض والطلب، أكد هذا المسؤول أن السبب الرئيسي للأزمة الراهنة خارج عن نطاق المؤسسة التي يعمل بها، وأكد أن فترات الحجر الصحي وتقييدات السفر خلال الأزمة الوبائية (2020 – 2021) جعلت عددا كبيرا من التونسيين يقدّمون طلبات التأشيرة مع انحسار تأثير فيروس كوفيد-19 منذ بداية سنة 2022، ممّا خلق ضغطا كبيرا على مُسدي الخدمات الخواص المكلفين بتلقي ملفات الطلبات وكذلك المصالح القنصلية المكلفة بدراستها وإصدار قرارات في شأنها. وهو تقريبا نفس التبرير الذي أورده القنصل الفرنسي خلال لقاء صحفي يوم 4 ماي 2023، حيث أوضح أن ارتفاع الطلب على التأشيرات تزامن مع خروج المؤسسات الخاصة والمصالح القنصلية من فترة الأزمة الوبائية مع ما يعنيه ذلك من إعادة تنظيم وتأقلم، مما تسبب في بطء الإجراءات.

لكن هل “الكورونا” هي السبب الرئيسي أو الوحيد لتراجع نسق قبول الطلبات ومنح التأشيرات؟ في الواقع، تبعث الأرقام المتوفرة على الشك: في سنة 2019  قَدّمَ التونسيون 552 170 طلب تأشيرة إلى فرنسا (من جملة 247,563 طلب قدموه لدخول فضاء شنغن) وتمت الموافقة على 633 125 ملف (من جملة 180,536 تأشيرة شنغن تحصل عليها التونسيون). أمّا في سنة 2022 فقد قدموا 95,515 مطلب فقط وتحصّلوا على 64,209 تأشيرة. أي أقل بـ75 ألف مطلب مقارنة بسنة 2019، فأين هو الضغط الذي يتحدثون عنه؟ يزدَاد الشّك عندما نعلم أن عدد مطالب الحصول على الـتأشيرة لفضاء شنغن -في كل دول العالم- تراجع من 17 مليون سنة 2019 إلى 7،5 مليون مطلب سنة 2022. يبدو أن تخفيض نَسق منح التأشيرات ينبع من قرار سياسي أكثر مما هو تقني. ولنذكر هنا أن فرنسا قرّرت في سبتمبر 2021 خفض عدد التأشيرات الممنوحة للتونسيين بنسبة 30 بالمائة عقابا لتونس على عدم تعاونها في توفير الوثائق اللازمة لترحيل مهاجرين تونسيين مقيمين بشكل “غير قانوني” في فرنسا. ونفى مدير “تي ال اس كونتاكت” في تونس أن تكون المؤسسة مسؤولة عن ثقل إجراءات قبول ملفات طلبات التأشيرة قائلا “نحن نتلقّى مقابلاً عن كل ملف”. أي أن هذا التباطؤ ليس في صالح المؤسسة. وردّا على سؤال إذا ما كانت السفارة الفرنسية قد حدّدت سقفا معينا لعدد الملفات المدفوعة سنويا، نفى ذلك وإن لم ينكر ورود تعليمات من فترة لأخرى لتخفيف نسق إرسال الملفات إلى المصالح القنصلية.

ما يزيد الشك في الأسباب الحقيقية لأزمة التأشيرات الحالية أن حملة التنديد بسياسات الـسفارة الفرنسية و”تي ال اس كونتاكت” في تونس أثمرت بعض النتائج. في 26 ماي 2023 أعلن “دومينيك ماس”، قنصل فرنسا في تونس، عن تخفيض تكلفة خدمة قبول ملف الطلب (وليس التأشيرة) من 33 إلى 28 يورو، وفتح مركز جديد لجمع طلبات التأشيرة في العاصمة تونس وآخر في ولاية صفاقس. مما يعني أن الحلول موجودة متى توفرت الإرادة لدى السفارة.

لكنّ الأمور أعقد من مجرّد تسهيل تدفّق الطلبات وتخفيض بضعة دنانير: السياسات الهجرية الأوروبية المعتمدة منذ قرابة ثلاثين عاما والتي تتشدّد أكثر فأكثر خلقت “قطاعا اقتصاديا” جديدا يمكن أن نسمّيه “سوق التأشيرة”. وبما أن لتونس تقاليد عريقة ومتجددة ومستدامة في الهجرة ولديها قرابة مليون ونصف مليون مواطن يعيشون في دول فضاء شنغن فهي معنية بشكل رئيسي بهذا السوق وتقلّباته.

القلعة الأوروبية تُسَلعن التأشيرات

أزمة تأشيرات شنغن التي يُعاني منها التونسيون اليوم ليست إلا قمة جبل الجليد. فالأزمة أكبر وجذورها أعمق. يجب أن نعود إلى ثمانينيات القرن الفائت وحتى أبعد لنَفهم المسار الذي أوصلَنَا إلى الوضع الحالي. في أواخر سبعينيات القرن الفائت، انتهت “الثلاثون المجيدة” أو فترة إعادة الإعمار والانبعاث الاقتصادي التي بدأت في أوروبا الجريحة والمدمرة بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا. لعب العمال المهاجرون القادمون من بلدان المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء ومناطق فقيرة أخرى دورا حيويا في تلك الفترة باعتبارهم سواعد فتية ومتدنية التكلفة. لكن مع “نهاية الأشغال” وبداية فترة الانحسار سَعَت الكثير من الدول الأوروبية إلى التخلّص من هذه “الأجسام الغريبة” أو على الأقل إغلاق الأبواب أمام الوافدين الجدد. فرنسا مثلا فرضت ابتداء من سبتمبر 1986 تأشيرة دخول على مواطني عدد كبير من دول الجنوب، ثم سارتْ على خطاها عدة دول أوروبية. قبل ذلك بقليل وتحديدا في جوان 1985 وقّعت خمس دول أوروبية (ألمانيا الغربية وفرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) “اتفاق شنغن” الذي سيكون قاعدة لـ”معاهدة شنغن” في 1990، ثم اتفاقية “فضاء شنغن” الذي سيدخل حيّز التنفيذ في مارس 1995 وسيسمح بمقتضاه لمواطني الدول الأعضاء بالتنقل بكل حرية بين البلدان المعنية.

ومعَ تأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1993 واتفاق الدول المُنضمّة إليه على إدراج “اتفاقيات شنغن” في التشريعات الأوروبية المُشتركة توسّعت حدود “فضاء شنغن” وتزايد عدد دُوله تدريجيا ليبلغ اليوم 27 عضوا. وفي حين أصبح مئات ملايين الأوروبيين يتمتّعون بحرية التنقل من دون جواز سفر أو تأشيرة بدأت أسوار “القلعة أوروبا” تَعلُو كل يوم أكثر مُعلنة لمليارات البشر في دول الجنوب أنهم غير مرغوب فيهم ويتوجب عليهم عبور الجحيم لكي يصلوا إلى “الجنة”، خاصة بعد دخول “معاهدة أمستردام” حيز التنفيذ في ماي 1999 ثم المصادقة على القانون الأوروبي الموحّد للتأشيرات في جويلية 2009.

تصلّب سياسات الهجرة والتأشيرة الأوروبية استهدفَ بالأساس الدّول الأكثر فقرا (وغالبيتها مستعمرات قديمة للامبراطوريات الأوروبية) معتبرا إياها خزّان مهاجرين غير نظاميين يجب منعهم من غزو أوروبا. ونتيجة لهذه الإجراءات والتمثلات بَرزَت ظواهر جديدة ومُهينة وحتى قاتلة في الدول المستهدفة، ومن ضمنها تونس.

بلا شك يتذكر الكثير من التونسيين الصفوف الطويلة المتكّدسة تحت الشمس والمطر أمام قنصليات أوروبية في العاصمة وبعض المدن الكبرى على غرار صفاقس. لم تكن هناك مواعيد مُسبقة لتقديم طلبات التأشيرة، وكان الناس يتوافدون من عدة مدن مع ساعات الفجر الأولى وبعضهم يبيت ليلته في العراء بالقرب من القنصليات. ومع تزايد شُروط الحصول على التأشيرة -التي أصبحت عملية غربلة حقيقية قائمة على معيار التميّز الاجتماعي-الاقتصادي أو العلمي- وتتالي قرارات الرفض للمطالب، أيقن عدد كبير من الراغبين في السفر إلى أوروبا أنهم لن يصلوها عبر المعابر النظامية وأنهم يجب أن يَعبروا الحدود بطرق “غير قانونية”. فكانت “الحَرقة”[1] أو الهجرة غير النظامية المُستمرة بكل مآسيها منذ قرابة ثلاثة عقود.

في نفس الفترة تقريبا، أي منذ نهاية ثمانينيات القرن الفائت، بدأ العالم يشهد بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وهيمنة الأيديولوجيا النيوليبرالية وعولمتها، متغيرات اقتصادية كبرى شملت أساسا “التقسيم الدولي للعمل” وقوانين العمل وإدارة الإنتاج في المؤسسات. بدأت مفاهيم جديدة في الهيمنة على سوق الشغل مثل نقل أنشطة الشّركات الغربية إلى دول الجنوب  Délocalisation/Relocation، والمقاولة من الباطن Sous-traitance/ sub-contracting والتعهيد الخارجي externalisation / outsourcing، وكلّها كانت تهدف إلى زيادة أرباح الشركات الكبرى خصوصا عبر تخفيف كاهلها من الأعباء المادية والمسؤولية الاجتماعية لمراحل وقطاعات إنتاجية كاملة، والتمتع بتدنّي تكلُفة اليد العاملة وامتيازات الاستثمار الأجنبي و”مُرونة” قوانين الشغل في الدول النامية. هذه المفاهيم التي كانت في البداية رائجة في القطاع الخاص في المجال الصناعي بالأساس انتشرت وازدهرت لتشمل المجالات الخدماتية ولكي تغري الحكومات بتعلة تقليص النفقات العمومية وتحقيق النجاعة القصوى، حتى وصل الأمر إلى ملف التأشيرات التي تعتبر مُمارسة سيادية بامتياز.

 شرَعت حكومات فضاء شنغن منذ أواسط سنوات 2000 في تكليف شركات خاصة -كانت أولها شركة VFS Global- بتولّي مرحلة أو مراحل من مسار تقديم ملف طلب تأشيرة: تحديد موعد عبر الهاتف، تقديم إرشادات، جمع الوثائق اللازمة، رقمَنة المعطيات، وغيرَها من الخدمات. تَطوَّرَ نشاط هذه الشّركات وزاد عددها منذ سنة 2010 وأصبحت اليوم تُهيمن على كامل مسار ملف طلب التأشيرة منذ تقديمه إلى حين استرجاع جواز السّفر. وأصبح دور البعثات الدبلوماسية والوكالات الحكومية الأوروبية يقتصر على اتخاذ قرار الموافقة على الطلب أو رفضه. طبعًا تُقدّم هذه الشركات خدماتها بمقابل لا تدفعه الحكومات المتعاقدة معها، بل تأخذه من جيب طالب التأشيرة. وهكذا وُلدَ سوق مزدهر يقصده ملايين الحرفاء سنويّا ويدفعون مليارات تذهب إلى حسابات شركات متعدّدَة الجنسيات وخزائن الدول الأوروبية.

هذه المقدمة الطويلة ضرورية لتُساعدنا على فهم كيف استقرت شركات “التعهيد الخارجي” هذه في تونس وتطوّر نشاطها. طلبات التونسيين على تأشيرة شنغن في تزايد مستمر. ففي سنة 2014، قَدّم التونسيون 152038 ملفّا وتطوّر العدد تدريجيا حتى بلغ 247563 في سنة 2019، وكان مرشّحًا للارتفاع لولا الأزمة الوبائية والعراقيل التي فرَضَتها الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة. تتقاسم سوق جمع ملفات التأشيرة أربع شركات أساسية بحصص مختلفة:

    -شركة “تي إل إس كونتاكت تونيزي TLScontact Tunisie”: بدأت نشاطها في تونس في أفريل 2012 إثر توقيعها عقدًا مع السفارة الفرنسية. ثم استطاعَت جلب حُرفاء آخرين مثل سَفَارات ألمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة ولوكسمبورغ وليتوانيا ولاتفيا. وبما أن فرنسا وألمانيا تستأثرَان بأكثر من 75 بالمائة من طلبات التأشيرة (حسب أرقام 2019 و2022) في تونس فإن “تي إل إس كونتاكت” تُعتبر أكبر مُسدي خدمات تأشيرة في البلاد. وهذه الشركة هي فرع من المؤسسة الفرنسية TLScontact التي تسجّل حضورها في 90 دولة وتُدير 150 مركزا، وتجمّع سنويا حوالي 4 مليون مطلب تأشيرة وتُشغل أكثر من 2100 موظف، علما أنها مملوكة للمجموعة العملاقة متعددة الجنسيات “تيلي بيرفورمانس” TELEPERFORMANCE المُصنّفة رقم 11 ضمن أكبر المجموعات الاقتصادية في العالم.

  -شركة “ألمافيفا تونيزي” Almaviva Tunisie: بَدأَت هذه الشّركة عملَها في تونس سنة 2002 في مجال “مراكز النداء”، واستطاعت في جوان 2014 توقيع عقد مع السفارة الإيطالية لتولّي مهمة جمع ملفات طلبات التأشيرة. وإلى حد اليوم، لا تزال إيطاليا هي الحريف الوحيد للشركة، علمًا أن هذا البلد يمثّل الوجهة الرابعة لطالبي التأشيرة التونسيين (حوالي 15 ألف ملف سنويا). “ألمافيفا تونيزي” هي أحد فروع مجموعة “المافيفا” الإيطالية (ثالث أكبر مجموعة في إيطاليا) التي سجّلت رقم معاملات يتجاوز المليار دولار في سنة 2022 وتشغل أكثر من 46 ألف موظف في شركاتها وفروعها عبر العالم.

– شركة “في اف اس جلوبال” VFS Global: بدأت العمل في تونس في أفريل 2016 وهي مسؤولة عن جمع ملفات طلبات التأشيرة المُوجّهة إلى سفارات سويسرا والنّمسا وهولندا واليونان ومالطا وفنلندا (ومعها السويد والنرويج والدنمارك) وسلوفينيا وسلوفاكيا، بالإضافة إلى كندا. وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الحرفاء، فإن الشركة لا تَجمع إلا بضعة آلاف من الملفات كل سنة. إذ أن الدّول المتعاقدة معها ليست وجهات رئيسية للتونسيين، علما أنها تمثل أحد فروع عملاق سوق التأشيرات في العالم (VFS Global)، وهي شركة سويسرية الأصل تأسست في الهند سنة 2001 ثم انتقلت مكاتبها إلى زوريخ السويسرية ودبي الإماراتية وتناقَلت ملكيتها صناديق استثمارية أوروبية وأمريكية. وهي موجودة اليوم في 145 دولة وتتعامل مع 67 حكومة وتشغّل أكثر من 11 ألف موظّفا. في سنة 2019 تجاوز عدد طلبات التأشيرة التي جمعتها الشركة ستة ملايين ملفّ.

-شركة “بي إل إس إنترناشيونال” BLS INTERNATIONAL: دخلت السوق التونسية في ديسمبر 2016 إثر تعاقدها مع السفارة الإسبانية، حريفها الوحيد في تونس والرئيسي في العالم. وتجمع الشركة ما بين 15 و18 ألف طلب تأشيرة من التونسيين الراغبين في زيارة إسبانيا (الوجهة الثالثة، بعد فرنسا وألمانيا وقبل إيطاليا)، وهي فرع لشركة هندية تحمل نفس الإسم تأسست في نيودلهي سنة 2005 وأنشأت فروعا في 62 دولة يعمل فيها أكثر من 20 ألف موظفا. وبلغ عدد الملفات التي تعالجها الشركة سنويا 11 مليون ملفا سنة 2018 ، وسجّلت رقم معاملات يتجاوز 160 مليون دولار في سنة 2021.

بالإضافة إلى رسوم التأشيرة (حاليا 80 يورو للتأشيرة قصيرة الأجل و99 يورو للتأشيرة طويلة الأجل) التي تذهب للمصالح القنصلية، فإن الشركات تتحصّل على مقابل خدمة يدفعه طالب التأشيرة كلّما قدم ملفا: 57 دينارا لشركة “بي إل إس إنترناشيونال”، 68،3 دينار لشركة “المافيفا تونيزي”، ما بين 80 و110 دينار لشركة “تي إل إس كونتاكت”، و130 دينارا لشركة “في إف إس جلوبال”. ونظرا لأهمية المبالغ التي تُحصّلها هذه الشركات، حَاولنا التواصل معها عبر البريد الإلكتروني لفروعها المحلية في تونس ومقرّاتها الرئيسية لطلب معلومات حول وضعياتها القانونية والضريبية باعتبارها شركات أجنبية، وحول رقم مُعاملاتها السنوي وعدد التونسيين الذين تشغّلهم. لكننا لم نتوصّل بأي رد من أي واحدة من الجهات التي راسلناها. في الأثناء فإنه  بعملية حسابية بسيطة وإذا ما اعتمدنا عدد طلبات في حدود 150 ألف سنويا مقابل 80 دينارا لكل ملف فستبلغ قيمة المداخيل حوالي 12 مليون دينار تونسي، وثلاثة أضعافها تقريبا بالنسبة لرسوم تأشيرات. أي أن سُوق التأشيرة في تونس يحقّق رقم معاملات يُناهز 50 مليون دينارا تونسيّا سنويا من دون الحديث عن كلفة التنقّل بين الولايات ومصاريف الصور الفوتوغرافية واستخراج مختلف الوثائق وشهادات التأمين على السّفر، إلخ. ومع هذا فإن شهيّة شركات الفيزا لا تزال مفتوحة.

خدمات خمسة نجوم أو البؤس الفاخر

إضافة إلى تسلّم ملف طلب التأشيرة، فإن كل الشركات العاملة في القطاع تقدّم حزمة من الخدمات الإضافية لحرفائها من طالبي التأشيرة، طبعا بمقابل بعيد أحيانا عن كل منطق. في هذا السياق، قمنا بجولة على مختلف مواقع هذه الشركات حتى نتعرف أكثر على عروضها وتكلفتها:  

خدمات مؤسسة “المافيفا تونيزي” هي الأقل تنوعا وتكلفة فهي لا توفر إلا عرضا إضافيا واحدا: إمكانية الانتظار في “قاعة برميوم” (Premuim Lounge) توفّر صالونا فخما ومساعدة شخصية في تعمير الاستمارات ونسخ وطباعة وثائق واتصال مجاني بشبكة “واي فاي” مقابل 31،7 دينار تونسي. أما شركة “بي إل إس إنترناشيونال” فهي الشركة الأكثر تنوعا في العروض، إذ أنها توفّر قاعة انتظار “برميوم” (70 دينارا) وخدمة إيصال جواز سفرك إلى بيتك بعد وصوله من القنصلية (40 دينارا داخل إقليم تونس الكبرى و80 خارجه) وإمكانية تقديم طلب التأشيرة أو استلام جواز السفر خارج ساعات العمل الرسمية (50 و20 دينارا) والحصول على مساعدة في تعمير الاستمارات (20 دينارا) وتلقي رسائل قصيرة لمتابعة مسار معالجة ملفك (5 دينار) والتقاط صورة فوتوغرافية (5 دينار) طباعة أو نسخ وثائق ( 1 أو 0،6 دينار) بالإضافة إلى شهادة التأمين على السفر (من 34 إلى 90 دينارا حسب مدة السفرة) وإمكانية تنقّل موظفين من الشركة إلى بيتك أو مقرّ عملك لجمع معطياتك البيومترية (150 دينارا داخل إقليم تونس الكبرى و300 خارجه).

“تي إل إس كونتاكت” تعرض هي الأخرى جملة من الخدمات يختلف عددها وثمنها حسب السفارة المتعاقدة معها. مثلا في الموقع المخصص لطلبات التأشيرة إلى فرنسا نجد عرض الانتظار في صالون برميوم “خاص وهادئ ويشجعك على الاسترخاء” (111 دينارا) حيث يحظى طالب التأشيرة بمرافقة شخصية ونصائح في كل مراحل دفع الملف، ويمكنه نسخ و/أو طباعة 10 وثائق مجانا، ويسمح له بمغادرة المركز والعودة إليه في نفس اليوم في صورة نسيانه إحدى الوثائق (وهذا ما لا يتمتع به الحرفاء العاديون)، ويتجنب الوقوف في الصف ويتمتع بالخدمة السريعة ويستهلك مشروبات باردة وساخنة وحلويات مع وضع عدد من المجلات على ذمته وتمكينه من الاتصال المجاني بشبكة “واي فاي”. كما يمكن لطالب التأشيرة تقديم ملفه في عطلة نهاية الأسبوع (111 دينارا) أو في أيام الأسبوع قبل فتح المركز أمام العموم (111 دينارا).

لا تختلف عروض “في إف إس جلوبال” كثيرا عن بقية الشركات وإن كانت هناك فروقات في الخدمات حسب الموقع المخصّص لكل بلد، فطالب الـتأشيرة إلى فنلندا وباقي الدول الإسكندنافية بإمكانه الانتظار في “صالون برميوم” (99 دينارا) مع كل مظاهر الرفاهية وأشكال المرافقة والأكل والشرب وإمكانية الدخول والخروج لإضافة وثائق إلى الملف، أو التمتّع بمساعدة شخصية في تعمير الاستمارات (20 دينارا) أو استخراج صورة فوتوغرافية (13 دينارا) وطباعة أو نسخ وثائق (0،3 دينار).

كل المؤسّسات التي تحدّثنا عنها تضع سطرا أو فقرة في الصفحة المخصصة للخدمات الإضافية يوضّح للمستعمل أن دفع مقابل هذه الخدمات لا يعني “الحق في الحصول على التأشيرة” (المافيفا تونيزي) أو لا “يضمن معالجة أكثر سرعة لملف طلب التأشيرة” (بي إل إس إنترناشيونال) أو “لا يعني الحق في الحصول على تأشيرة ولا يمنح المستعمل إمكانية الحصول على موعد قريب ولا يضمن معالجة أسرع لملف طلب التأشيرة من قبل السفارة” (تي إل إس كونتاكت) أو “لا يعني الحق في الحصول على تأشيرة ولا معالجة أسرع للملف من قبل السفارة ولا يؤثر في جودة خدماتنا” (في إف إس جلوبال).

 صحيح أن التوضيح يُخلي المؤسسات من المسؤولية القانونية، لكن هل يُسقط عنها وعن السفارات المتعاقدة معها كل مسؤولية “أخلاقية”؟ البعض من طالبي التأشيرة يعتقدون -وهم على حقّ- أن منح التأشيرة مُرتبط بشكل وَثيق بالوضعية الاقتصادية- الاجتماعية للطالب، فيلجؤون إلى دفع تكلفة خدمات إضافية، راجين أن يكون لهذا الخيار تأثير على قرار القنصلية. البعض الآخر يضطرّ بسبب مستواه الدراسي أو تعقيدات استمارات الطلبات أو نِسيانه لبعض الوثائق المطلوبة إلى دفع تكلفة هذه الخدمات حتى يتجنّب تفويت موعد تقديم الملف أو رفض طلبه بتعلّة واهية. كل مراكز جمع الملفات تتركّز في العاصمة، وهذا يدفع الكثيرين إلى استعمال خدمات إيصال جواز السفر بالبريد لتجنّب إهدار الجهد والوقت والمال. وبالطّبع هناك من تضطرّهم ظروفهم الصحية أو خصوصية وضعهم الاجتماعي-المهني (مشاهير وسياسيين وأصحاب أعمال، إلخ) أو ضيق الوقت إلى شراء خدمات تُجنّبهم الوقوف في صفوف طويلة والاحتكاك بعامة الناس. هذه الخدمات المميزة وإن كانت قانونيا اختيارية، فهي لا تخلو تماما من “الإجبار” و”الابتزاز” المقنّعين، كما أنها تخلق تمييزا في ظروف مسار طلب التأشيرة على أساس الوضع المادي لكل طالب.

حِلّ وتِرحال المعطيات الشخصية

في 09 جانفي 2023 أصدَرت “اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطّابع الشخصي”، وهي الهيكل الرسمي المكلّف بحماية المعطيات الشخصية في المغرب، بيانا أعلنت فيه أنه قد تمَّ الاستماع يوم 06 جانفي إلى مسؤول في TLScontact Maroc، وذلك بعدما اكتشفَت اللجنة أن المؤسسة المكلفة بجمع ملفات طالبي تأشيرة الدخول إلى عدة بلدان أوروبية تقوم بإرسال صور مستخرجة من فيديوهات كاميرات المراقبة في مراكز استقبال الطلبات، إلى مؤسستين حكوميتين أجنبيتين خارج المغرب، إرسالا منتظما كل 5 دقائق ومن دون سابق إعلام للّجنة، في مخالفة صريحة للتشريع المغربي المعتمد. لم يُسمِّ البيان الجهات الحكومية الأجنبية التي تسلّمت الصور المُرسَلة، ولكنّه أكّد إقرار المسؤول في مؤسسة TLSCONTACT بهذه الممارسة. قرّرت اللجنة فتح تحقيق شامل في الموضوع، ولا نعرف ما آلت إليه الأمور، وقد يكون الملف أغلِق بتدخلات سياسية أو ما يزال تحت الدرس.

ما حدث في المغرب ليس استثناءً أو حدثًا منعزلا. يكفي البحث في الإنترنت حتى نجد عشرات الموادّ من مقالات صحفيّة وأكاديميّة وبيانات لجهات حكوميّة حول “حوادث” تتعلّق بكيفية تعامل المؤسسات الخاصة المكلّفة بجمع ملفات طلبات التأشيرة مع المعطيات الشخصية لحرفائها خاصة في السنوات الأولى من بداية تواجدها في “السوق”: تسرّب معطيات شخصية لمئات أو آلاف المستعملين عن طريق الخطأ، نقص في إجراءات السلامة المعلوماتية، عدم الحصول على موافقة قبلية من الحرفاء عند إرسال معطياتهم الشخصية إلى مؤسسات حكومية وخاصة، عدم توفير المعلومات الكافية فيما يتعلق بالمعطيات الشخصية لمستعملي مواقع الويب التابعة لمؤسسات جمع ملفات التأشيرة، إلخ.

أردنا أن ندقّق أكثر حول هذه الظاهرة في تونس، فحاولنا الاتصال بـ “الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية” (عدة مرات عبر البريد الإلكتروني والهاتف) لكن من دون جدوى، وذلك لطرح سؤالين بسيطين: هل تَخضع هذه المؤسسات لرقابة الهيئة وهل أن هذه الرقابة -إن وجدت- دورية أم عشوائية؟ وفي ظل عدم وجود إجابة على سؤالنا اكتفينا بجولة على مواقع مؤسسات جمع ملفات التأشيرة في تونس للاطلاع على سياسات الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية التي تعتمدها:

على موقع مؤسسة “بي إل إس إنترناشيونال” نجد أن الصفحة المخصصة لسياسة حماية المعطيات لا تتوافر إلا في ثلاث لغات: الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، على الرغم من وجود العربية في قائمة لغات التصفح. الصفحة مقتضبة جدا، وفيها أولاّ تعريف لمصطلح الشخصية يوضّح أنها لا تقتصر على الاسم واللقب والمعلومات المشابهة والمعطيات البيومترية بل تشمل أيضا تحديد الموقع الجغرافي وبيانات الدخول على الحسابات الشخصية على الإنترنت، وكذلك عناصر خاصة تتعلق بمعطيات فيزيولوجية ونفسية وثقافية واقتصادية واجتماعية للمستعمل. يوضح الموقع أسباب طلب هذه المعطيات ويصرّح باحتمال استعمالها للإشهار والتسويق بعد نيل موافقة الشخص المعني، وإمكانية نقلها إلى طرف ثالث مُتعاقد مع المؤسسة من دون توضيح حالات النقل هذه وحدودها، وتوضيح “جنسية” الشركات المعنية ومقرّها الاجتماعي وطبيعة نشاطاتها، مع التّأكيد على طلب موافقة المعني بالأمر إلا إذا كانت “بي إل إس” غير ملزمة قانونيا أو تعاقديا بفعل ذلك (دون تحديد للقانون المرجعي). كما تتعهّد المؤسسة بعدم تخزين المعطيات الشخصية أكثر من المدة “الضرورية والقانونية” -دون أن تحدّد آجالا واضحة- مع التنصيص على أن بعض المعطيات -دون تحديدها- يمكن أن تطول فترة تخزينها نظرا لأسباب قطاعية -غير محددة- أو حسب “الاحتياجات الخاصة للمؤسسة” (دون توضيحها أيضا). وخَصّصَ الموقع صفحة ملفات الارتباط (الكوكيز)، حيث نجد تعريفا لها وتعدادًا لأنواعها وغاياتها وتأكيدا على حق المستعمل في إدارتها قبولا ورفضا وحظرا. لكن مع تنبيه صغير مقلق بعض الشيء: “إذا لم تسمح بتنزيل هذا الكوكيز فقد تصبح غير قادر على الولوج إلى بعض الخدمات ومن المحتمل أن تكون تجربتك على موقعنا أقل إرضاءً”. 

ميثاقالمافيفا تونيزي لحماية المعطيات الشخصية يراوح هو الآخر بين التفصيل والوضوح وبين التعميم والضبابية. فنجد فيه على سبيل الذكر تفصيلاً لكلّ المعطيات الشخصية التي تَجمعها المؤسّسة أثناء حجز موعد عبر الهاتف وخلال إيداع ملف طلب التأشيرة، مع التعهّد بأن جمع المعلومات لا يخرج عن إطار الاتفاق الذي يربطها مع السفارة الإيطالية ويتم وفقًا لتعليماتها. لكن عندما يتعلق الأمر بمدة تخزين المعطيات لا نجد تفاصيل، فقط صيغا عمومية مثل “المدة الضرورية لتحقيق الغاية من جمع المعطيات” و”آجال الحفظ والأرشَفَة والإتلاف مثلما وردت في عقدنا مع السفارة الإيطالية وفي التشريع المعتمد في تونس”. توضح المؤسسة بشكل مُقتضب مختلف الاحتياطات ووسائل المراقبة والتفقد والتقييم التي تعتمدها في سياساتها لحماية المعطيات الشخصية، وتعدد الجهات التي يمكنها أن تطّلعَ على البيانات المجمّعة، وهي طبعا السفارة الإيطالية والسلطات التونسية وأطراف أخرى محتملة تعمل في مجالات الخدمات التكنولوجية والصيانة وغيرها، من دون تحديد عددها وصفاتها وجنسياتها ومقراتها. لا توجد أي إشارة إلى ملفات الارتباط (الكوكيز)، والميثاق متوفر باللغة الفرنسية فقط.

مؤسسة “في أف أس جلوبال” تعتمد هي الأخرى سياسة خصوصية وحماية معطيات تبدو للوهلة الأولى مفصّلة وشفافة، لكن مع التركيز في المحتوى تتوالى مواطن الاستدراك ونقص الدقة والإحالة على قوانين أو على جهات مُبهمة من دون ذكر اسمها أو صفتها أو البند القانوني، أو التشريع المعمول به. كما أنها “تمتاز” عن بقية مُسدي الخدمات بأن لها “سياسات” خصوصية وليس سياسة واحدة، فهناك فروق تتباين أهمّيتها بين الموقع المخصص لهذا البلد أو ذاك. وما يَلفت النظر في سياسات الخصوصية الموجودة في بعض مواقع المؤسسة، تصريحها بأن معطياتك الشخصية قد تسلّم لوكالات حكومية في الخارج في إطار مكافحة الجريمة والإرهاب. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لا تتردد “في إف إس جلوبال” في إعلامك بأن أغلب معطياتك الشخصية تتم معالجتها خارج تونس، في مراكز تابعة للمؤسسة في الهند وروسيا والمملكة المتحدة وكندا وألمانيا. هذا يعني أن شركة أسسها مواطن هندي في مدينة “مومباي” الهندية لصالح مجموعة سويسرية -قبل أن تباع لصندوق استثماري سويدي ثم آخر أمريكي وتنتقل مكاتبها الرئيسية إلى “دبي” الإماراتية- لديها مركز في تونس يجمع معطيات شخصية لتونسيين راغبين في السفر إلى دولة إسكندنافية أو إلى المملكة المتحدة، ويُرسلها إلى روسيا أو كندا مثلا حتى تتم معالجتها.

موقع “تي إل إس كونتاكت” هو بلا شكّ الأكثر نظاما وتفصيلا و”شفافية”، ويُوفّر عدة صفحات -بالعربية والفرنسية- تحُدّد “الشروط العامة للخدمة” و”شروط استخدام الموقع” و”سياسة ملفّات الارتباط” (الكوكيز) و”إشعار الخصوصية“. كما تُورد الشّركة تاريخ تَسجيلها في تونس ورقم التسجيل في السّجل الوطني للمؤسسات وحتى قيمة رأسمالها عند التأسيس. نجد في إشعار الخصوصية قائمة طويلة ومفصّلة عن المعطيات الشخصية التي تَجمَعها المؤسسة بصفة عامة، مع التأكيد على احتمال طلب معطيات أخرى بشكل استثنائي، ودعوة المستعملين إلى الاتصال بالبعثة الدبلوماسية المسؤولة إذا أرادوا أن يَعرفوا بالضبط البيانات الشخصية التي سيتمّ جمعها لخدمة التأشيرة أو الهجرة الخاصة بهم. كما يُورد جملة تطمينية: “لن نبيع أبدًا بياناتك الشخصية أو نستخدمها بأي شكل من الأشكال بدون إعلامك بشكل مباشر. سوف نستخدم بياناتك الشخصية فقط نيابةً عن عملائنا ووفقًا للتّعليمات من أجل معالجة الخدمة المحددة التي تحتاجها فيما يتعلق بطلب التأشيرة”، قبل أن يُقدّم قائمة في الحالات التي سيتمّ خلالها جمع بيانات شخصية.

وعلى الرغم من بعض الضبابية في تحديد مدة احتفاظ حرفاء المؤسسة -أي سفارات وحكومات الدول المراد السفر إليها- بالمعطيات الشخصية لطالبي التأشيرة فإن مواقع “تي إل إس كونتاكت” تُعطي تفاصيل لا نجدها على مواقع مؤسسات أخرى: “نحتَفظ عمومًا ببياناتك الشخصية متى كانت ضرورية للغرض الذي تتمّ معالجة البيانات الشخصية من أجله (أي طوال مدة تقديم الخدمة، وأثناء وجودك في مقرنا، ولمدة شهر واحد كحد أقصى فيما يتعلق بصور أنظمة المراقبة بالفيديو، ولمدة عام واحد من آخر اتصال معك بخصوص الاتصالات التسويقية، حيثما ينطبق ذلك ويسمَح به التشريع المحلي). ومع ذلك قَد يُطلَب منّا الاحتفاظ ببعض أنواع البيانات الشخصية لفترة أطول للوفاء بالتزاماتنا القانونية أو وفقًا لقانون التقادم المعمول به”.

هل تُخفّف الرقمنة معاناة طالبي التأشيرة؟

في سبتمبر 2020، كَشَف الاتحاد الأوروبي مقترحه لـ”ميثاق جديد حول الهجرة واللجوء“، والذي على الرغم من بعض “النوايا الحسنة” المعبّر عنها في نصّه يبقى في أول الأمر وآخره تشديدا لسياسات تحصين أسوار “القلعة أوروبا”، ليس فقط بالنسبة للمهاجرين المحتملين، بل حتى في وجه طالبي اللجوء. لن نخوض في كل تفاصيل هذا الميثاق. لكن هناك نقطة مهمة متعلقة بالتأشيرات، إذ حدّد الميثاق موفّى سنة 2025 كأجل أقصى للرقمنة الكاملة لعملية طلب ومنح الـتأشيرة. وفي هذا الصدد، قدّمت “المفوضية الأوروبية” في 27 أفريل 2022 مبادرة تشريعية لرقمنة التأشيرات، صادق عليها ممثلو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في 29 مارس 2023 وأعطوا الضوء الأخضر لـ”مجلس أوروبا” حتى يشرع في التفاوض حولها مع “البرلمان الأوروبي”. يتمثل جوهر المبادرة التشريعية في إنشاء منصّة رقمية مُوحّدة لتقديم طلبات الحصول التأشيرة عن بعد لكل بلدان فضاء “شنغن”، والتي يُفترض أنها ستَصدر مستقبلاً في شكل رقمي بدلا من الملصق الورقي المعتمد حاليا: كود ثنائي الأبعاد (Code QR) يحمل توقيعا رقميا مشفّرًا.

حسب الإجراءات المعلنة فإنه بإمكان طالب التأشيرة تقديم طلبه دون مغادرة بيته، إلا عندمَا يتعلّق الأمر بأول طلب (ضرورة جمع البيانات البيومترية) أو عند تجديد جواز السّفر أو عند مرور أكثر من 59 شهرا على آخر عملية جمع للبيانات البيومترية للشخص المعني، مع احتفاظ الدول الأعضاء بحقها في طلب الحضور الفِعلي لطالب التأشيرة في حالة وجود شكوك تلاعب أو تزوير. وهكذا يمكن لمن يرغب في زيارة أحد بلدان الاتحاد الأوروبي أن يستعمل موقع الويب المُوحّد للحصول على كل المعلومات وقائمة الوثائق المطلوبة ومن ثمة تقديم ملفّه مرقمنًا وسدَاد الرسومات المطلوبة بوسائل الدفع عن بعد، وبالطبع يبقى في انتظار البريد الإلكتروني الذي سيكون مرفقا بالتأشيرة الرقمية أو قرار الرفض.

لا توضّح النّصوص المَنشورة التأثير المحتمل لرقمَنة مسار طلب التأشيرة في الرّسوم المطلوبة، وكذلك على نشاط وأرباح مُسدي الخدمات الذين يتولّون حاليّا مَهمّة جمع طلبات التأشيرة في صيغتها التقليدية الورقية. لكن ما هو أكيد إلى الآن أنّ الرّقمَنة ستقلّص من التّكلفة المادية “الحقيقية” ومن الوقت المهدور والجهد الجسدي بالنسبة لطالب تأشيرة يتنقّل مئات الكيلومترات عدّة مرات في غضون أيام أو أسابيع قليلَة. لكن لا يجب أن تكون لدينا أوهام كبيرة حول منطلقات رقمنة التأشيرة. فعلى الرّغم من تأكيد أصحاب المبادرة التشريعية على المزايا المنتظرة من حيث تأمين البيانات الشخصية وتسهيل الإجراءات على طالبي التأشيرة والتسريع في مسار معالجة الطلبات، تبدو المحفزات الأساسية واضحة: تقليص احتمالات “الغش والتزوير” التي يُتيحها إصدار تأشيرة في شكل ملصق ورقي، وتضييق “هامش المناورة” أمام طالبي التأشيرة الذين قد يجرّبون حظهم مع دول أعضاء في فضاء “شنغن” يعتقدون أنها أكثر تساهلاً من البلد الذي يشكّل وجهتهم الحقيقية، ومن أهداف المنصة توحيد الإجراءات والشروط في كل الدول الأعضاء وتخفيف تكلفة جمع ملفات طلبات التأشيرة ومعالجتها ودراستها بالنسبة للحكومات الأوروبية.

“حتى إذا ما كانت هناك بالطبع قرارت رفض، فإن 75 بالمئة من طلَبَات التأشيرة المقدمة إلى أجهزتنا القنصلية تتم الموافقة عليها وتُمنح التأشيرة لأصحابها. أعتقد أن هذه الأرقام تستحق التأمّل فهي تعطي صورة بعيدة جدا عن فرنسا مغلقة ومُنغلقة على نفسها تعرقل حركة المواطنين بينها وبين تونس”

هكذا تحدّث “أندريه باران”، سفير فرنسا في تونس، خلال مروره في إحدى الإذاعات التونسية في05 أكتوبر 2022. وقد أتَى كلامه في سياق الردّ على أسئلة المنشّط الذي نقلَ انتقادات عدد كبير من التونسيين السّاخطين على الإجراءات البطيئة والمعقّدة والمُهينَة أحيانا التي يتوجّب عليهم تحمّلها لتقديم مطلب الحصول على التأشيرة بالإضافة إلى التكلفة المادية العالية (ما بين رسوم التأشيرة ومعلوم خدمات الوسطاء الرسميين والموازين) والعدد الكبير لقرارات الرفض. النسبة التي قدّمَهَا السفير “صادقة” لكنها غير نزيهة، فهي تخصّ عشرات الآلاف الذين استطاعُوا تجاوز المرحلة الأولى من الفرز الاقتصادي/الاجتماعي/الأمني وكان لديهم “الحد الأدنى المطلوب” من المقبولية حسب معايير السياسات الهجرية للاتحاد الأوروبي. هناك مئات آلاف وربما ملايين التونسيين لا يفكّرون أو لا يجرؤون أصلا على تقديم مطلب تأشيرة فـ”سيماهم في وجوههم” وطريقهم “مسدود مسدود”، وكثير منهم يعلم أن “التأشيرة الوحيدة” التي يمكنهم الحصول عليها هي تلك التي يمنحها لهم “حَرّاق” يوفر لهم مكانا في أحد “قوارب الموت” الساعية إلى اختراق حصون “القلعة أوروبا”.

يمكنكم قراءة النسخة المترجمة الى اللغة الانكليزية


[1]الحرقة: هي مصطلح بالعامية التونسية مرادف لمصطلح “الهجرة غير النظامية” (المحرّر)  


انشر المقال

متوفر من خلال:

حرية التنقل ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية