تأسيس اليسار اللبناني: من الحكم الاستعماري حتّى الاستقلال


2021-03-11    |   

تأسيس اليسار اللبناني: من الحكم الاستعماري حتّى الاستقلال
رسم رواند عيسى

لقد أعادت الأزمة اللبنانية الراهنة إلى الواجهة تساؤلات مصيرية حول لبنان كنظام وككيان كانت رائجة أيام الحرب الأهلية 1975-1990 لكنها طويت – أقلّه في الحيّز العام – مع طيّ صفحة الحرب. وقد أدّى ذلك إلى شبه قطيعة معرفية مع الماضي بخاصّة عند جيل ما بعد الحرب، مما سلبه الحق والقدرة في فهم أعمق ونقدي للماضي. تطرح المفكرة القانونية – عبر سلسلة من المقالات – قضايا محورية في تكوين لبنان ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المئة عام الماضية من منظور فهم الماضي لاستشراف المستقبل. (المحرّر)

في الثلاثين من نيسان عام 1925 امتلأت جدران البلدات والمدن اللبنانية وشوارعها بمنشورات تعلِن أنّ “حزب الشعب اللبناني، الذي أسّسه عمّال لبنان وفلّاحوه، وجعل من مطالبه الجوهرية رفع الظلم عن الطبقة العاملة، ينادي العمّال في كل البلاد ليشتركوا مع أعضاء الحزب في الإضراب عن العمل في أوّل أيار الذي هو العيد الرسمي الوحيد لجميع عمال العالم”.[1] في اليوم التالي، كانت الأعلام الحمراء ترفرف في شوارع بيروت تزامناً مع إضراب آلاف العمّال وتجمّع ما بين 500 إلى 600 ناشط في مسرح الـ”كريستال” في وسط بيروت إحياءً للأوّل من أيّار.[2] وتحدّث ممثلون عن حزب الشعب اللبناني، فتطرّقوا إلى النقابيّة (syndicalism)، وفعاليّة التنظيم العمّالي، والتفاوت الطبقي، ومخاطر الرأسمالية والتضامن الدّولي للعمّال. لم يكن هذا الخطاب الراديكالي جديداً على المنطقة، بل ثمّة تاريخ طويل لليسار في مدن شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في ظلّ النهضة في أواخر العهد العثماني[3]، إلّا أنّ التصوّر المادّي القائم على الطبقيّة للمجتمع كان مناهضاً بشكل صارخ لفكرة المجتمع المتنوّع دينياً الذي برّر إعلان لبنان الكبير في العام 1920. وقد مثّل حزب الشعب اللبناني أوّل تنظيم سياسي لليسار يُتمّ تأسيسه بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وداخل الحدود الجديدة والوحدة السياسية للبنان التي رسمتها إمبراطوريّتا  بريطانيا وفرنسا.

 تأسّس حزب الشعب اللبناني في 24 تشرين الأوّل 1924 من قبَل مجموعة من العمّال والمثقفين الذين جمعهم الانجذاب إلى الشيوعية[4]، وقد تمخّض عن تحالف حزب الشعب اللبناني لاحقاً مع مجموعة الشبيبة الشيوعية الأرمنية “سبارتاكوس”، نشوء الحزب الشيوعي اللبناني في صيف عام 1925. [5] تنظّم الحزب الشيوعي اللبناني وسلفه في إطار دولة لبنانية وليس كقوّة معارضة لها، إلّا أنّ اليسار اللبناني تحدّى الإطار والحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية الفرنسية بطرق مختلفة. وعلى غرار الحركتين القوميّتين السورية والعربية، سعى اليسار  اللبناني إلى كسر الاحتكار المذهبي للنظام السياسي والاجتماعي، وإلى مناهضة الاستعمار في الوقت عينه ووضع نفسه موضع المنتمي إلى المنطقة العربية الأوسع وإلى حركة أمميّة أكبر. عشيّة فرض الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، انقسمت التيارات السياسية داخل لبنان، بشكل جذري، بين مؤيّدة لدولة لبنانية منفصلة عن سوريا وأغلبية معارضة لهذا الانفصال، داعية إلى وحدة سوريا الكبرى. وعلى الرّغم من أنّ القسم المعارض للدولة المنفصلة عن سوريا تألّف من لبنانيين من أطياف سياسية ودينية واسعة، إلّا أنّ القسم المؤيّد لها كان في الغالب من الموارنة المدعومين بشدّة من شرائح من البرجوازية المسيحية النافذة. وفي الأوّل من أيلول عام 1920، بات الانتداب الفرنسي للبنان الكبير حقيقة واقعة. وفي لبنان، شكّل هذان التيّاران من جهة، موافقة على الانتداب واستعداداً للعمل معه بل حتى دعمه، فيما واصل التيار الثاني من جهة أخرى إصراره على الاتّحاد مع سوريا ورفض قبول الانتداب و/أو التعاون معه. وفي هذا الصدد، مثّل حزب الشعب اللبناني، ولاحقاً الحزب الشيوعي اللبناني، “طريقاً ثالثة” من حيث قبوله للدولة اللبنانية كحقيقة واقعة ساعياً في الوقت عينه إلى مواجهة الاستعمار ليس في لبنان والمنطقة فحسب، بل في كافّة أنحاء العالم. وقد برز اليسار اللبناني كتنظيم سياسي فريد من نوعه في دولة وليدة، من خلال تمسّكه بفكرة لبنان كمناهض للطائفية وللاستعمار والفاشية. وعلى الرغم من أنّ “يسار” لم يكن المصطلح المستخدَم في ذلك الوقت للإشارة إلى المنتمين إلى ذلك الطيف السياسي، إلاّ أنّه سيُشار إليهم في هذه المقالة بـ “اليساريين/ اليسار اللبناني” بدلاً من المصطلحات المختلفة التي كانت، رغم كونها محطّ جدل، تستخدَم حينها غالباً ككلمات مترادفة مثل: الاشتراكية أو الشيوعية أو البلشفية. في الواقع، كان “اليسار” اللبناني موجوداً خلال سنوات نشوء الدولة اللبنانية ضمن الحزب الشيوعي وخارجه، جامعاً بين تيارات وقضايا متعدّدة على الصعيدين الوطني والدولي. 

التنظيم القائم على مقاربة طبقيّة: تهديد لسياسة الطائفية

في عام 1926، سادت نسخة ميشال شيحا لفكرة لبنان على شكل دستور لبناني صاغته لجنة شكّلها المفوّض السامي الفرنسي. وقد مثّل الدستور اللبناني انتصاراً لأسطورة أنّ الوفاق يأتي فقط من خلال الاختلاف الطائفي؛ أي أنّه في مجتمع متنوّع دينياً فإنّ شكل السياسة الوحيد الممكن هو التمثيل الطائفي. ولم يكن ذلك الطابع الطائفي الخاص بلبنان فقط الطريقة التي قد تصوّرتها القوى الإمبريالية وفهمت بها لبنان فحسب، بل تحقّق على يد الإمبريالية الفرنسية والعنف الاستعماري. [6]

وعلى الرّغم من غلبة الخيار الطائفي في لبنان، لم يعلن أيّ من الأحزاب والسياسيين في عهد الانتداب طائفيّته، بل استنكروا جميعاً تقريباً “الطائفية” التي، حتى عندما جرى الترويج لها على أنّها حلّ للتنوّع الطائفي اللبناني، بقيت تحمل دلالات سلبية واحتمالات الإلغاء في المستقبل. ومن هذا المنطلق، عندما رفض حزب الشعب، ولاحقاً الحزب الشيوعي، الطائفية، لم يكن خطابهما فريداً في الزمان والمكان بل إنّ ما جعل اليسار اللبناني مختلفاً هو دعوته إلى تصوّر طبقي للمجتمع يبطِل النموذج “الفئوي”/ الطائفي الذي اقترحته النخبة السياسية والمستعمرون الفرنسيون باعتباره المؤشر الوحيد للاختلاف في المجتمع اللبناني.

وقد نمت الحركة العمّالية خلال فترة الانتداب بالتوازي مع اليسار السياسي وباتا التهديد الأخطر لفكرة لبنان المنقسم طائفياً. وبينما أظهر دعاة النظام الطائفي اللبناني أنّ الطوائف في لبنان تتمثّل في الواقع بأحزابه السياسية، فقد نظّم اليسار وحداته مبدّداً هذا النموذج ومعلناً أنّ المسألة الطبقيّة والخط السياسي والأيديولوجية هي معيار التنظيم السياسي وليس الدين.

وشهد لبنان خلال فترة الانتداب زيادة في نطاق وحجم التعبئة الجماهيرية والتنظيم السياسي بطريقة لم تُعهَد من قبل في عهد الإمبراطورية العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى. وجاء ذلك نتيجة الاندماج المتسارع للأسواق المحلية في النظام الرأسمالي العالمي الذي بدأ في القرن التاسع عشر، ونتيجة للتحضّر السريع، وتطوّر وسائل الاتصال الجديدة، وتدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي للعمّال والفلاحين واتّساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في لبنان، بخاصة بعد الحرب العالمية الأولى.[7]  فبعد الحرب، أعاد العمّال، وبخاصّة منهم عمّال المطابع والترامواي والتبغ، تنظيم جمعيّاتهم. وشهدت السنوات الأولى من عشرينيات القرن الماضي سلسلة من الإضرابات والتظاهرات التي نفّذها العمال، مطالبين بزيادة الأجور وخفض الأسعار. وكانت النقابة العامّة لعمّال التبغ في لبنان التي أسّسها فؤاد الشمالي في بكفيا سنة 1924 النقابة الأولى في لبنان التي ينشئها عمّال وتتألّف من عمّال فقط.[8] وكان حزب العمّال العام في لبنان الكبير الذي تأسّس عام 1921، حزباً مؤيّداً للانتداب ضمّ في صفوفه عمّالاً وأصحاب عملهم. وبحلول أوائل العشرينيّات من القرن الماضي، كان إنتاج التبغ قد ازداد في ظلّ احتكار إدارة حصر التبغ المملوكة من فرنسا، ما أدّى إلى زيادة عدد العمال في تلك المصانع التي انتشرت على امتداد الخريطة اللبنانية.[9] أقامت نقابة بكفيا اتصالات مع مجموعات عمّالية أخرى- مثل: عمّال المطابع والنجّارين والطهاة والسائقين وصانعي الأحذية – وأنشئت في العام 1925 اللجنة النقابية العليا وهي المنظمة الأولى من نوعها في لبنان.[10] وقد واصلت هذه النقابات تمثيل بعض التنظيمات السياسية القليلة التي تجاوزت الخطوط الطائفية. وكانت هذه السمة الخاصّة بتلك التنظيمات القائمة على المقاربة الطبقية السبب وراء سعي الزعماء الطائفيين اللبنانيين إلى تفكيك هذه النقابات، وعند فشلهم، السعي إلى اختراقها وإضعافها منذ الأيام الأولى لتأسيسها.

مناهضة اليسار للاستعمار والفاشية

كان الظهور العلني الأوّل لحزب الشعب اللبناني عبارة عن دعوة للتنظيم والعمل القائم على الطبيقة، غير أنّ البيان العلني الأوّل له الذي وقّعه الحزب الشيوعي في تموز 1925، كان بمثابة دعوة لدعم الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد طغى موضوع الثورة السورية على المؤتمر الأوّل للحزب الشيوعي الذي عقد في كانون الأوّل 1925، وكان القرار الأوّل الذي اتخذه المندوبون الخمسة عشر من سوريا ولبنان هو دعم الثورة، تلاه قرار بتكثيف النضال ضد الإمبريالية والمطالبة بالاستقلال الوطني وبالحريّات الديمقراطية. وتسبّب انخراط أعضاء الحزب الشيوعي بشكل غير مباشر في الثورة السورية بمعاملة السلطات الفرنسية لهم كمعاملتها للثوّار السوريين. فقد سُجِن أعضاء اللجنة المركزية للحزب كلّهم تقريباً بين كانون الأول 1925 وكانون الثاني 1926. بقي كوادر حزبي الشعب اللبناني والشيوعي وراء القضبان حتى عام 1928.

في الواقع، شهدت فترة ما بين الحربين العالميّتين استمراراً غير مسبوق للمقاومة ضدّ الحكم الاستعماري الذي بدأ في العراق عام 1920، وفي سوريا عام 1925، ثم في فلسطين عام 1936. واعتمدت هذه الثقافة المناهضة للامبريالية على الفلّاحين وعلى تاريخ من التقليد السياسي ظهر في أواخر العهد العثماني وشمل تيارات إسلامية وقومية ويسارية، وبالتالي فإنّ اليسار اللبناني الناشئ خلال عشرينيات القرن الماضي استند إلى هذا التقليد، واعتبر اليساريون أنفسهم غالباً ضمن تلك السلسلة واستمراراً لها.[14]

إلى ذلك فقد شهدت فترة ما بين الحربين العالميّتين كذلك صعوداً للسياسات القومية في كل من سوريا ولبنان في ثلاثينيات القرن الفائت، تزامن مع صعود الفاشية في أوروبا والتهديد العالمي الذي شكّله تفسير معيّن للقومية. وجاء ردّ اليسار اللبناني بالتمسّك أوّلاً بالقومية في إطارها المناهض للاستعمار، فضلاً عن إطلاق حركة مناهضة للفاشية متوازية مع مناهضة الاستعمار.

وفي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، كان رئيف خوري أبرز المفكّرين اليساريين الذين جادلوا بشأن القومية، فعرّفها كنقيض للنازية وكقوميّة تحرّرية.[11] وكانت قومية الشعب الواقع تحت الاستعمار مختلفة عن أيّة قومية أخرى، إذ شكّلت حركة نضالية تهدف إلى التحرّر. وقال خوري في هذا القبيل: “نحن، أبناء الشعوب المقهورة، المشمولة بنير السيادة الأجنبية، نفهم بالوطنية أنّها حركة كفاحية ترمي إلى تحريرنا من نير السيادة الأجنبية التي ندعوها الاستعمار”.[12] وفي العام 1935، أسّس اليسار اللبناني “عصبة مكافحة النازيّة والفاشيّة في سوريا ولبنان”، وتلاها في العام 1941 تأسيس مجلّة “الطريق” الناطقة باسم العصبة.[13] وأرسى اليسار اللبناني، في لقاءات العصبة التي عمّت مدن لبنان وسوريا وفي صفحات مجلّة “الطريق”، خطاباً يناشد تراثاً عربياً – إسلامياً يتعارض مع خطاب الاستثنائيّة الماروني الذي فصَل التاريخ اللبناني عن كلّ نسب عربي وإسلامي.[15] وقد كان هذا، في الواقع، ردّ اليسار على صعود الأحزاب القومية اليمينية في لبنان والمنطقة، وبخاصّة حزب الكتائب بزعامة بيار الجميّل الذي تأسّس عام 1936.

وخلال الحرب العالمية الثانية، برزت أصوات من داخل اليسار تعتبر الفاشية النفَس الأخير للاستعمار، وترى أنّ مصير الشعوب العربية الواقعة تحت الاستعمار مرتبط بمصير الشعوب المستعمَرة الأخرى في أرجاء العالم. ونظراً إلى محوريّة النضال ضد الاستعمار في النضال ضد الفاشية، فقد كان على اليساريين أن يتعاملوا مع معضلة الوقوف على الجانب نفسه مع مستعمريهم، وباتت الحاجة إلى تكرار موقفهم المناهض للاستعمار عملاً لا يُستهان به بالنسبة لهؤلاء المثقفين في مواجهة الاتهامات الموجّهة إليهم بالتساهل مع مستعمريهم الفرنسيين والبريطانيين. وفي ما يتعلّق بالفاشية، فقد قلّل اليساريون من أهمية الاستعمار الفرنسي والبريطاني باعتباره “أهوَن الشرَّين”، وحدّدوا أولويّاتهم في عالم يتعيّن فيه الانتقاء بين خيارين، مجمعين على أنّ دعم الفاشية ليس هو الحل المناسب لمشكلة الاستعمار، ومقرّين بمعاناة من خضعوا لاستعمار الدول الاستعمارية الديمقراطية. وقد كان ذلك سائداً بشكل خاص في سياق القضية الفلسطينية حيث برزت بعض النقاشات في الأوساط العربية لدعم النازيّة تحت منطق “عدو عدوّي صديقي”.

استخدم اليسار اللبناني مقياس القيَم الجمهورية الفرنسية للمطالبة بدعم المبادئ الديمقراطية للشعب العربي في ظل الانتدابين الفرنسي والبريطاني، بما في ذلك الحق في الاستقلال وتقرير المصير للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. وصوّر المثقّفون اليساريون أحداث تشرين الثاني 1943 في لبنان، وفي مقدّمها زجّ السلطات الفرنسية للشخصيات الرئيسية في الحكومة ولرئيس الجمهورية في السّجن، كنتيجة للصلة بين النضال الوطني والنضال ضد الفاشية. ففي 8 تشرين الثاني، صوّت مجلس النوّاب على سلسلة من التعديلات الدستورية بإلغاء البند الذي يتمتّع بموجبه الانتداب الفرنسي منفرداً بالسلطة السياسية والقضائية في لبنان. ونشرت مجلّة “الطريق” بياناً باسم عصبة مكافحة النازية والفاشية في سوريا ولبنان توجَّه مباشرة إلى المفوّض السّامي الفرنسي يشجب فيه الإجراءات الفرنسية – من تعليق للدستور وحلّ للبرلمان وسجن للشخصيات السياسية – باعتبارها تظهِر روحاً شبيهة بالفاشية.[16]

وأشاد اليسار اللبناني باستقلال لبنان عن الحكم الاستعماري الفرنسي باعتباره انتصاراً كبيراً، غير أنّ الجمهورية المستقلّة حديثاً لم تُعِد النظر في الترتيب الطائفي لتقاسم السلطة الذي أنشئ على أساسه لبنان الكبير، ولم يُلغِ دستور عام 1943 المعدَّل حديثاً المواد 9 و10 و95 من دستور عام 1926.[17] وعلى الرّغم من استمراره في إرساء وتجسيد نقد يرتكز على مقاربة طبقية لفكرة لبنان، إلّا أنّ اليسار اللبناني فشل بشكل مباشر في معالجة عدم المساواة بين المواطنين التي كرّسها الدستور، كما فشل في معالجة عدم المساواة الراسخة بين الجنسين التي ترسّخها قوانين ومؤسّسات الدولة، بما في ذلك استمرار هيمنة الأديان على قوانين الأحوال الشخصية وحقوق المرأة السياسية.

ماذا عن حقوق المرأة؟

جاء النقد الأشدّ لفكرة لبنان بالصيغة التي قدّمها طيف الأيديولوجيات والأحزاب في لبنان، بمن فيها اليسار والحزب الشيوعي تحديداً، من النساء. فقد كان المؤسّسون الأوائل لحزب الشعب اللبناني والحزب الشيوعي في لبنان وسوريا رجالاً، على الرغم من أنّ معظم الأعضاء الأوائل كانوا يعملون في مصانع التبغ في لبنان، وهي إحدى الصناعات الرئيسية خلال فترة الانتداب التي كانت تضمّ عدداً كبيراً جداً من العاملات الإناث. وفي السنوات التي تلت، بذَلَ النقابيون الذين كانوا يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالحزب الشيوعي مع الأخير القليل من الجهد في سبيل ضمّ أعضاء نساء.[18] وغالباً ما كانت النساء العاملات يبدين عدم اهتمام بأنشطة النقابات كون الأخيرة لم تبذل أيّة جهود لاستيعاب الالتزامات الأسرية والمنزلية للنساء العاملات التي ينبغي على المرأة التعامل معها بصرف النظر عن عملها خارج المنزل. أمّا داخل الحزب الشيوعي، فقد كان هناك غياب شبه كامل للمرأة، فضلاً عن عدم القدرة على تجاوز الأطر السوفيتية والقومية لتحرّر المرأة، على الرغم من افتتاح جناح حزبي للنساء في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. ففي المؤتمر الوطني الأوّل للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الذي عقد في أواخر عام 1943، جرى بالكامل تهميش قضية تحرير المرأة. فالبند الوحيد الذي ذكَر المرأة في البرامج الوطنية التي اقترحها كلا الحزبين تضمّنته مادة خاصّة بقضايا الأسرة.[19] وعلى الرّغم من أنّ المادة 3 قد نصّت على “المساواة بين جميع اللبنانيين بصرف النظر عن اختلافاتهم الدينية أو العرقية، لم يرِد أيّ ذِكر للمساواة بين الجنسين ولا أيّة دعوة لإلغاء قوانين الأحوال الشخصية الدينية.[20]

وفي سياق خريف عام 1943 واستقلال لبنان، خرجت مطالبات المرأة بحق الاقتراع إلى الواجهة. ووضعت الناشطات اليساريات، واللواتي كنّ بشكل أساسي من الطبقة الوسطى، مطالبهنّ في إطار ما تعنيه الأمّة المستقلّة وحقوق المواطنة والمبادئ الديمقراطية. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الكاتبة والناشطة اللبنانية والمرأة الأولى التي ترشّحت للانتخابات النيابية عام 1953 بعد حصول المرأة اللبنانية على حق الاقتراع، إميلي فارس إبراهيم، كانت ناشطة في الأوساط اليسارية في أربعينيات القرن الفائت. وكانت إميلي فارس إبراهيم من أشدّ المدافعات عن حق المرأة في التصويت، وقد طرحت مراراً وتكراراً التساؤلات حول ديمقراطية لبنان في ظلّ غياب الحقوق الأساسية للمرأة. ففي إحدى مقالاتها في مجلّة “الطريق” تساءلت: “من قال لهم (الرجال الذين يرفضون إعطاء المرأة حقوقها) إنّهم يليقون لحكم ديمقراطي كامل بينما هناك نساء في بلادهم محرومات من حقوقهنّ السياسية الأساسية؟”[21]. إنّ الطريقة الوحيدة التي كان يمكن للبنان فيها تحقيق الديمقراطية الكاملة والإنسانية هي من خلال المساواة بين الرجل والمرأة في المجال العام. فاليساريون الذين حرموا المرأة حق التصويت والترشّح، على الرغم من حماستهم لمبادئ الديمقراطية، هم “أكثر تنازِياً من النازيين أنفسهم”.[22] تجدر الإشارة إلى أنّ النساء في اليسار اللبناني هنّ أول من بحث المسألة الطبقية بالتوازي مع مسائل الجندر وجادلن في حقوق المرأة كجزء من نضال مجتمعي أوسع في سبيل تحقيق المساواة. وشكّلت هذه المطالب، كما صاغتها النساء اليساريات، تحدّياً لمبادئ الجمهورية والحكم الديمقراطي، إذ هدّدت ناشطات مثل إميلي فارس إبراهيم بالكشف عن نقاط الضعف والعيوب في النظام الذي كان يدعو إليه اليساريون الرجال والجماعات القومية الليبرالية الأخرى، من خلال إشارتهنّ إلى أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تكتمل أبداً في ظلّ حرمان المرأة من كامل حقوقها.

فترة ما بعد الاستقلال

شهدت فترة ما بعد الاستقلال محاولة أكثر جديّة لاستمالة النساء اللبنانيات، فضلاً عن الالتزام العميق والفعّال بالحركة العمّالية. غير أنّ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تميّزت كذلك على الصعيدين العالمي والإقليمي بسياسات الحرب الباردة، ما أجبر اليسار على التعامل مع المنافسات التي سبّبت الاستقطاب في المشهدين السياسي والاجتماعي. وفي تلك السنوات، سيطر الحزب الشيوعي على اليسار، وحكم الخط الستاليني الحزب متسبّباً بالعديد من عمليات التطهير والانشقاقات.

وفي العام 1949، فُصلت إميلي فارس إبراهيم من عضوية اللجنة الشيوعية لحقوق المرأة التي كانت قد ساعدت في تأسيسها. وفي العام 1950 وقعت مع مجموعة من رفاقها ضحية لحملة تشهير قام بها الحزب الشيوعي مستخدماً مجلة “الطريق”.[23] وكان “الخطأ” الذي ارتكبته إميلي فارس إبراهيم ورئيف خوري وآخرون، هو تشكيكهم في قرار الحزب بالتماشي مع قبول الاتحاد السوفيتي لخطة تقسيم فلسطين عام 1947.[24] وتسبّب ذلك القرار في انقسامات عديدة داخل الحزب وخارجه، لكن لا بدّ من الإقرار بأنّ عام 1947 كان مجرّد حصيلة نهائية لعملية زاد فيها رفض المعارضة والتباين داخل الحزب. وقد تمثّل هذا التباين بخليط من القضايا والهويات التي قام على أساسها اليسار اللبناني، والتي جاءت في المقام الأول كتحدّ للقوى الدينية والطائفية المحلية، وصدّاً لتأثيرات الرأسمالية والإمبريالية المتزايدة، ونضالاً ضدّ الفاشية. 

تعريب: فاطمة عطوي

لقراءة المقالة باللغة الانكليزية: Founding the Lebanese Left: From Colonial Rule to Independence

[1]   نُشرت الدعوة في جريدة “الصحافي التائه” في 30 نيسان 1925، كما يمكن الاطّلاع عليها في كتاب “جذور السنديانة الحمراء”، محمد دكروب، (بيروت: دار الفارابي، 1974)، ص. 476.

[2]  “تظاهرات أوّل أيار”، صحيفة الإنسانية، العدد الأوّل (15 أيار 1925)، ص.5.

[3] إلهام خوري مقدسي، “شرق البحر الأبيض المتوسط وصنع الراديكالية العالمية” ] The Eastern Mediterranean and the Making of Global Radicalism]، 1860-1914 (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2010).

[4] لمعرفة المزيد عن ذلك الاجتماع وجذور الحزب الشيوعي اللبناني، راجع: “حكاية أوّل نوّار في العالم وفي لبنان: ذكريات وتاريخ ونصوص”، يوسف إبراهيم يزبك، (بيروت: دار الفارابي، 1974)؛ و”أساس الحركات الشيوعية في البلاد السورية -اللبنانية”، فؤاد الشمالي، (بيروت: مطبعة الفوائد، 1935).

[5] حول الدّور الأرمني في الأحزاب الشيوعية في سوريا ولبنان، راجع: “حياة على المتراس: ذكريات ومشاهدات”، آرتين مادويان، (بيروت: دار الفارابي، 2011).

[6] للاطّلاع على مناقشة أعمق حول هذا الموضوع، راجع: “عصر التعايش: الإطار المسكوني وصنع العالم العربي الحديث” 

Age of Coexistence: The Ecumenical Frame and the Making of the Modern Arab World] [، أسامة مقدسي، (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2019)، ولا سيّما الفصل الخامس.

[7] لمزيد من المعلومات عن الحركة العمّالية في لبنان، راجع: “الحركة النقابية في لبنان ( 1919-1946): تطوّرها خلال الانتداب الفرنسي، منذ الاحتلال حتى الانسحاب وقانون العمل” [ Le Mouvement Syndical au Liban, 1919-1946: Son évolution pendant le mandat français de l’occupation à l’évacuation et au Code du travail.]

جاك كولان، تقديم جاك بيرك، (باريس: أديسيون سوسيال، 1970)؛ و”الحركة العمّالية في سوريا ولبنان، 1900-1945″، عبد الله حنّا (دمشق: دار دمشق، 1973)؛ و”تاريخ الحركة العمّالية والنقابية في لبنان”، إلياس بواري، طبعة ثانية. (بيروت: دار الفارابي، 1980).

[8] القادة الآخرون في النقابة كانوا: فريد طعمة وبطرس الهاشمي وبشارة كامل.

[9] لمزيد من المعلومات عن العاملين في صناعة التبغ في لبنان، وبخاصّة النساء، راجع: “نساء مناضلات في أمّة هشة” [Militant Women of a Fragile Nation]، مالك أبي صعب. (سيراكيوز، نيويورك: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2010). 

[10] تألّفت اللجنة من: برجس أبو صالح (نجّار)، وجورج عيان (حلّاق)، وزهران غريب (عامل مطبعة)، ونسيم الشمالي (طباخ)، وفؤاد الشمالي (عامل تبغ)، وصانع أحذية أرمني تعذّر تحديد اسمه. (الحركة النقابية في لبنان Le Mouvement Syndical au Liban، كولان، 136)

[14] حول المشاركة العربية في الحركات المناهضة للإمبريالية بين الحربين العالميتين مثل العصبة المناهضة للإمبريالية، راجع: “عاش التحالف الثوري ضد الإمبريالية: مناهضة الإمبريالية بين الحربين العالميتين والمشرق العربي” [Long Live the Revolutionary Alliance Against Imperialism: Interwar Anti-Imperialism and the Arab Levant]، سنا تنوري كرم في “العصبة المناهضة للإمبريالية: الحياة الراهنة والحياة الآخرة [The League Against Imperialism: Lives and Afterlives]، ميشال لورو وآخرون. (لايدن: مطبعة جامعة لادين، 2020)

[11] “القومية”، رئيف خوري، مجلة الطليعة 2، العدد 9: 768-769 (تشرين الثاني 1936). كانت هذه المقالة في البداية محاضرة ألقاها خوري في جمعية الشبّان المسيحية في القدس.

[12] “نحن والفاشيستية”، رئيف خوري، مجلّة الطليعة 2، العدد 10: 838-839 (كانون الأول 1936).

[13] للمزيد عن العصبة ومناهضة الفاشية بين اليساريين اللبنانيين، راجع:”هذه الحرب حربنا: مناهضة الفاشية بين المثقفين اليساريين اللبنانيين” [ This War Is Our War: Antifascism among Lebanese Leftist Intellectuals]، سنا تنوري كرم، مجلة جورنال أوف وورلد هيستوري 30، العدد 3: 415-36 (2019).

[15] على سبيل المثال، راجع مقال خوري”التراث القومي العربي: نحن حماته ومكملوه”، في “معالم الوعي القومي ومقالات أخرى، رئيف خوري. (بيروت: المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، 2015).

[16] ” في سبيل الاستقلال”، الطريق 2، العدد 19 (7 كانون الأول 1943): 32.

[17] لمناقشة عن الموضوع راجع: “تاريخ لبنان الحديث” [A History of Modern Lebanon]، فوّاز طرابلسي. (لندن: بلوتو، 2007).

[18]  لمزيد من المعلومات، راجع: “نساء المصانع ‘الجامحات’ في لبنان: نضال الاستعمار الفرنسي والدولة الوطنية 1940-1946” [Unruly Factory Women in Lebanon: Contesting French Colonialism 1940-1946]، مالك حسن أبي صعب، مجلة جورنال أو ويمينز هيستوري 16، العدد 3 (2004): 55-82.

[19] نصّت المادة 12 المؤلّفة من 19 بنداً على “حماية الأسرة السورية من مخاطر الفقر والأمّية المحتملة، وتحسين وضع المرأة، وتأمين صحة الأم والطفل”. راجع: صوت الشعب، 7 كانون الثاني 1944: 1.

[20] المصدر السابق.

[21] “صوت المرأة: حقوق جديدة”، إميلي فارس إبراهيم، الطريق 2، العدد 20 (29 كانون الأول 1943): 15.

[22] “صوت المرأة: حقوق جديدة”، إميلي فارس إبراهيم، 16.

[23] رفضت إميلي فارس إبراهيم ورئيف خوري وقدري قلعجي قبول قرار الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا التماشي مع موافقة الاتحاد السوفيتي على خطة تقسيم فلسطين عام 1947 والمعضلة التي أحدثها ذلك داخل اليسار. وقد اتُّهِموا بالتيتوية ضمن حملة تشويه قام بها الحزب ضدّهم مستخدماً مجلة “الطريق”، واستبعِدوا من كافة دوائر الحزب الشيوعي، بما في ذلك النشر في مجلة “الطريق”. راجع: الطريق، عدد آذار 1950.

[24] في الواقع، اتُّخِذ القرار من قبل خالد بكداش، بعد أن رفض فرج الله الحلو، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، قرار الحزب واتّهِم بميول برجوازية كان عليه أن يتخلّى عنها بكتابة خطاب نقد ذاتي. “الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان” [The Communist Movement in Syria and Lebanon]، طارق إسماعيل وجاكلين إسماعيل.  (غينسفيل: مطبعة جامعة فلوريدا، 1998) ، 38-39.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، لبنان ، نقابات



لتعليقاتكم