تأخير الساعة ما كان ليحصل لولا التماهي مع بدعة “الموافقة الاستثنائية”


2023-03-26    |   

تأخير الساعة ما كان ليحصل لولا التماهي مع بدعة “الموافقة الاستثنائية”

احتاج العبث الدستوريّ والقانونيّ أن يبلغ أقصاه حتى تنكشف مخاطر “الموافقة الاستثنائية”، هذه البدعة التي عمدتْ “المفكرة القانونية” إلى التحذير منها وتقديم المراجعات القضائية ضدها أمام مجلس شورى الدولة. انكشف العبث بعدما عمد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى تعديل قرار حكومي سابق باعتماد التوقيت الصيفي بقرار منفرد قوامه إرجاء تقديم الساعة إلى نهاية شهر رمضان، مختزلا بذلك الحكومة بشخصه. وسريعا ما انكشف أنّ القرار اتخذ بناء على طلب رئيس المجلس النيابي نبيه بري (طلب سرّب بالصوت والصورة) وذلك بهدف تسهيل أداء فريضة الصوم. وإذ عمدت قوى سياسية وإعلامية إلى إبراز الجانب الطائفي من المسألة (في اتجاه تغليب الصراع الطائفي على حساب الصراع الاجتماعي في كل أبعاده)، بقيت الجوانب الأخرى من المسألة، وأهمها المشكلة المتمثّلة في اعتباطية الموافقة الاستثنائية وهي البدعة التي سمحت لميقاتي بشخصنة العمل الحكوميّ واختزاله، خافتةً وبالكاد مرئية. 

ومن هنا، وإذ ترمي هذه المذكرة إلى التركيز على الجانب المسكوت عنه وربما الأخطر من قرار تأخير الساعة، فهي تأمل من خلال ذلك أن تدفعنا الأزمة ليس في اتجاه مزيد من صراعات هوية أو الفوضى، بل في اتجاه إعادة العمل بالانتظام العام، أقله في اتجاه وقف العمل في بدعة الموافقات الاستثنائية التي أدت وتؤدي إلى شخصنة السلطة التنفيذية برمتها. وهي تأمل تحديدا أن يسرّع مجلس شورى الدولة النظر في الطعون المقدمة لإبطال هذه البدعة. 

ولإدراك ذلك، نذكر بالمعطيات الآتية: 

  • أن ميقاتي اختلق هذه البدعة غير الدستورية للمرة الأولى في 2013 بعد استقالة حكومته آنذاك، وهي تقوم على اختزال الحكومة بشخصين (رئيسي الحكومة والجمهورية) في فترات تصريف الأعمال، وبالأحرى على اغتصاب شخصين صلاحيات مجلس الوزراء (الذي هو صاحب السلطة التنفيذية وفق ما ورد في الدستور). إذ تتخذ القرارات الحكومية في هذه الفترات بقرار يتخذه هذان المسؤولان من دون دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وتاليا من دون حصول أي تداول فيها. وقد استعاد العمل بهذه البدعة رئيسا الحكومات اللاحقة سعد الحريري وحسان دياب، قبل أن يعيد نجيب ميقاتي العمل بها تبعا للانتخابات النيابية. 
  • أن هذه البدعة تفاقمت مخاطرها بعدما زادت فترات تصريف الأعمال في مجمل زمن الحكومات المتعاقبة. وليس أدل على ذلك من أن هذه الفترات وصلت إلى 63% من زمن حكومات ما بعد الانهيار الحاصل في 17 تشرين الأول 2019، مما أدى إلى التطبيع مع هذه البدعة وجعل اللجوء إليها أمرا غالبا، يتعارض تماما مع أي حديث عن “الاستثنائية”. وقد تفاقمت أيضا مخاطرها بعد فراغ سدّة رئاسة الجمهورية، حيث باتت هذه تعني اختزال الحكومة ليس بشخصين كما كان يحصل سابقا، بل بشخص واحد (رئيس الحكومة وحده). 
  • ولجبه هذه الحالة، قدّمت المفكرة القانونية في 2020 طعنا بالموافقة الاستثنائية على تمديد إعلان الطوارئ وأيّدت المستشارة المقررة ميشال منصور مزهر ذلك في أيار 2021 لكن شورى الدولة لم يتخذ قرارا حاسما في هذا الطعن رغم انقضاء ما يقارب سنتين من وضع القضية موضع تداول. كما عادت المفكرة وقدمت في تموز 2022 طعنا مع النائبين حليمة قعقور وإبراهيم منيمنة بتعميم ميقاتي 2022 بإعمال هذه البدعة مجددا، إلا أن شورى الدولة رفض وقف تنفيذ التعميم وما يزال متأخرا عن النظر في المراجعة حتى اليوم. 

ومن هنا، نأمل أن تدفع الأزمة التي فجرها قرار ميقاتي إلى تسريع النظر في هذه الطعون تمهيدا لإعادة العمل بالانتظام العام، أقله في هذا المضمار. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

قرارات إدارية ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، البرلمان ، أحزاب سياسية ، تشريعات وقوانين ، مرسوم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية