بين مرسوم 2011 ومشروع العمادة 2018.. الجديد في تنظيم مهنة المحاماة؟


2021-01-07    |   

بين مرسوم 2011 ومشروع العمادة 2018.. الجديد في تنظيم مهنة المحاماة؟
رسم عثمان سلمي

قانون للمحاماة لكل عصر سياسي في تونس، هي الملاحظة البيّنة بمراجعة تاريخيةللتشريعات المنظمة للمهنة.فقد اُعدّ أول قانون لتنظيم المحاماة بعيد الاستقلال عام 1958، ثم نسخه قانون آخر عام 1989 بعد انقلاب 7 نوفمبر، لتحلّ ثورة 17 ديسمبر/14 جانفي 2011 وتحمل معها تشريعًا جديدًا “وقتيًا” اتخذ شكل مرسوم بعد حلّ المجلس النيابي. ويروم أهل المحاماة، اليوم، تنظيم مهنتهم في شكل قانون، وذلك بعد عشرية من الثورة والديمقراطية الناشئة التي يقدّر المحامون أنهم تصدّروا الأدوار الأولى لتثبيتها، وبالخصوص بعد دسترة المهنة الحرة بمقتضى الفصل 105 من دستور 2014.

وأعدت الهيئة الوطنية للمحامين مشروعها في شكل قانون أساسي بما يمكن تفسيره أن الفصل 65 من الدستور نص أن القوانين الأساسية تشمل تنظيم “الهيئات المهنية” وبالخصوص “تنظيم العدالة والقضاء”.وقد تمت المصادقة عليه في جلسة عامة خارقة للعادة في جوان/يونيو 2018، قبل تقديمه لوزارة العدل والتي لم تحله بعد إلى مجلس الوزراء تمهيدا لإحالته إلى مجلس نواب الشعب. وعليه.وفيما فتحت وزارة العدل إنشاءات ضخمة لتنقيح المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية، بقي مشروع قانون مهنة المحاماة في الظلّ، من دون أي إشارة حوال نواياها بشأنه.

وبالنظر إلى أهمية هذا الاستحقاق في منظومة العدالة، سنعمد في هذا المقال إلى درس أبرز جوانب مشروع القانون المقترح في موازاة مقارنته مع المرسوم المؤقت الحالي.

في المهنة واختصاصاتها

تضمن تعريف المهنة الوارد في الباب الأول “في مهنة المحاماة وأهدافها”،تغييرات طفيفة لمواءمته مع الدستور. وعليه، تم استبدال عبارة “الحريات والحقوق الإنسانية” بـ”الحقوق والحريات” عملا بالفصل 105 من الدستور. وتمّت إضافة فقرة جديدة فحواها أن السلط العمومية تضمن “للمحامي الحماية القانونية اللازمة لشخصه ومكتبه بما يمكنه من تأدية مهامه طبق مقتضيات الدستور والأحكام المبينة بهذا القانون”، وهي أيضًا مرتبطة بما أورده النص الدستوري من تمتع المحامي بـ”الضمانات القانونية التي تكفل حمايته وتمكنه من تأديه مهامه”.

إلا أن التغيير الجوهري تعلّق واقعًا بالفصل المتعلقبتحديد اختصاصات المحامي الذي بات ينضوي ضمن باب خاص. وقد  أدت هذه التغييرات عمليا إلى توسيع حالات التدخل الوجوبي للمحامي ومهامه ولتضييق من حالات التمييز داخل الجسم القطاعي. ويمكن حصر التغييرات في 4 نقاط:

  • التدقيق في اختصاصات المحامي المرتبطة بالنيابة، من خلال إضافة امكانية إنابتهأمام الهيئات الدستورية والمالية والنيابة العمومية، وحصر الاستثناءات لمبدأ وجوب إنابة محام وهي الواردة في القوانين الجارية (مثل محاكم الناحية والنفقة إلخ)، ومنع الترافع أمام المحاكم لغير الموظفين العموميين المعتمدين.
  • توسيع مجال التدخل الوجوبي للمحامي أولًا من خلال “التحرير الوجوبي” لكل الاتفاقيات المتعلقة بالعقارات (المسجلة وغير المسجلة)، والتصرفات القانونية المتعلقة بالأصول التجارية، والعقود المتعلقة بالشركات (عمليات التأسيس والتحوير والاندماج والاستيعاب والانقسام وعقود إحالة الحصص والأسهم في الشركات غير المدرجة بالبورصة وكل ذلك دون لزوم أن يتعلق الأمر بمساهمة بأصل تجاري)، وعقود الكراء العقارية التي تتجاوز مدتها 3 سنوات، وذلك “مع مراعاة الأحكام المتعلقة باختصاص عدول الإشهاد” دون الإشارة إلى “محرري العقود التابعين لإدارة الملكية العقارية” كما الحال في مرسوم 2011. وثانيًا، من خلال “وجوب تعيين محام كمستشار قار للمؤسسة” في كل شركة خفية الإسم أو شركة ذات مسؤولية محدودة خاضعة للمراقبة المحاسباتية.
  • إلغاء التمييز بين المحامي المرسم لدى التعقيب وغيره فيما يهم القيام بمهام عضوية مجلس الإدارة أو مجالس المراقبة في الشركات التجارية، وهو يعكس التوجه نحو تقليص فجوةالتمييز داخل الجسم القطاعي.
  • تمكين المحامي من القيام بـ”جميع الأعمال الاستقصائية”، وهي إضافة جوهرية في نظام الإثبات التونسي خاصة في شقه الجزائي، تحيل لوهلة أولى إلى مهنة “المحقق الخاص” المنتشرة في الأنظمة القانونية المقارنة، ليأتي السؤال: حول ماهية هذه الأعمال الاستقصائية. هل هي تشمل تلك الممنوحة للسلط القضائية في مجلة الإجراءات الجزائية؟ وكيف يمكن للمحامي ممارستها دون تعارضها/تصادمها مع الأعمال القضائية؟ وقبل كل ذلك، ماهي دواعي تبنيها في المنظومة الحالية للإثبات سواء المدني منه أو الجزائي؟ نقاش عميق منتظر أن تثيره هذه النقطة بين المعنيين بقطاع العدالة والمختصين.

 

الترسيم وتنظيم المعهد الأعلى للمحاماة

حملت شروط الترسيم 4 تغييرات في المشروع متفاوتة الأهمية:

  • أولًا التنصيص على لزوم تقديم شهادة طبية تقّدم من لجنة طبية تابعة لصندوق الحيطة والتقاعد للمحامين، وذلك بدل اشتراط “الخلو من كل الأمراض والعاهات التي تحول دون ممارسة المهنة”، وهو تجديد محمود لاعتبارين: أولًا اشتراط شهادة طبية بشكل واضح وتحديد جهة إسنادها في النص المنظم للمهنة، وثانيًا الاكتفاء بشرط الأهلية الصحية لممارسة المهنة تجاوزًا لشرط “الخلو من الأمراض والعاهات” الذي يحمل، في وهلة أولى، على صبغة تمييزية في المهنة الحرّة.
  • ثانيًا بخصوص السن، إلغاء شرط السن الأدنى وهو 23 عامًا، وهو شرط بات دون موجب واقعًا باعتبار سنوات الماجستير والتكوين في المعهد الأعلى للمحاماة (7 سنوات جمعًا كحد أدنى بعد الباكلوريا)، مقابل الإبقاء على شرط السن الأقصى وهو 40 عامًا ولكن من دون أي استثناء، بمعنى أنه لم يعد من الممكن التحاق القضاة المتقاعدين بالخصوص بالمهنة.
  • ثالثًا وهو التغيير الجوهري والأهم يتعلّق باشتراط شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة المسلمة من المعهد الأعلى للمحاماة فقط دون غيرها للترسيم، بإلغاء الإعفاء من هذا الشرط للحاصلين على شهادة الدكتوراه، ولمن باشر القضاء لمدة عشر سنوات. وتأكيد قاعدة توحيد المدخل هي استجابة لدعوات متصاعدة منذ سنين داخل الجسم القطاعي، والتي طالما مثلت إحدى المسائل الأساسية حين مناقشة قضايا المهنة.
  • رابعًا، الترفيع في سنوات الأقدمية للمحامي لدى الاستئناف المشرف على التمرين من 5 إلى 7 سنوات مع اشتراط أن يكون مشهودًا له بالكفاءة.والملاحظ أن الفصل لم ينص على فرضية التمرين من محام مرسم لدى التعقيب على خلاف ما ورد في مرسوم 2011.

وأما فيما يخص تنظيم المعهد الأعلى للمحاماة، فتتمثل التعديلات في الأمور الآتية:

  • إضافة مجلس الهيئة الوطنية للمحامين كجهة ثالثة للإشراف على المعهد مع وزارتيْ التعليم العالي والعدل.
  • تعيين مدير المعهد باقتراح من الهيئة الوطنية للمحامين وبقرار مطابق مشترك من وزارتي الإشراف.
  • تغيير تركيبة المجلس العلمي للمعهد عددًا وصفة، وذلك أولًا بالتقليص في أعضاء المجلس من 13 إلى 11 عضوًا بالاكتفاء بممثل وحيد عن كل من وزارتيْ الإشراف بدل ممثلين اثنين حاليًا، وثانيًا تغيير تمثيلية الإطار التدريسي بحصرها في 3 مدرسين ممثلين للمحامين لدى التعقيب و3 مدرّسين باحثين تابعين للجامعة بدل ممثلين اثنين عن كل من هذين الصنفين. كما تم اقتراح إلغاء عضوية اثنين عن القضاة من الرتبة الثالثة، وذلك مع الإبقاء على تمثيلية اثنين عن هيئة المحامين. ويؤدي هذا التغيير في التركيبة عمليًا لضمان أغلبية مطلقة من المحامين في المجلس العلمي للمعهد باعتبار أن مدير المعهد هو محام بالضرورة (6 محامين على الأقل من أصل 11 عضوًا) بدل (5 محامين على الأقل من أصل 13 عضوًا) في مرسوم 2011.
  • اشتراط الماجستير للمشاركة في مناظرة الالتحاق بالمعهد (أسوة بمناظرة المعهد الأعلى للقضاء منذ تعديل 2017)، وتمديد فترة التكوين لتصبح سنتين بدل سنة واحدة بالنسبة للحاصلين على الماجستير (حاليًا التكوين سنة واحدة للحاصلين على الماجستير وسنتين للحاصلين على الإجازة).
  • تحوّل الدورات التكوينية للمحامين المباشرين من الصبغة الاختيارية إلى الصبغة الإجبارية مع إقرار مبدأ سنويتها.

وضعيات المحاماة

نصّ مشروع مهنة المحاماة المقترح، فيما يهم ضبط جدول المحامين، على تعديلين اثنين، وهما ذو طابع شكلي، أولًا مزيد التدقيق في تاريخ ضبط مجلس الهيئة الوطنية للمحامين للجدول، وذلك بلزوم تقديمه شهرين قبل كل جلسة عادية بدل الاكتفاء بأجل واسع غير دقيق هو “موفى كل سنة قضائية”، وثانيًا تغيير الهيكل التنظيمي للجدول بانقسامه إلى بابين اثنين أحدها خاص بالأشخاص والآخر بالشركات.

وشهدتالمسائل المتعلقةبوضعيات المباشرة إضافات لافتة وهي:

  • التنصيص على واجب المحامي المشرف على التمرين تخصيص مكتب للمحامي المتمرن.
  • حذف التنصيص على جواز النيابة والترافع للمحامي المتمرن “باسم المحامي الذي هو بصدد قضاء التمرين بمكتبه وتحت إشرافه” فيما يهمّ الاستثناء الذي يخرج عن المجال المحدّد لممارسة المحامي المتمرّن. تفصيلًا، حافظ المشروع على جواز ترافع ونيابة المتمرّن أولًا لدى المحاكم الجزائية وثانيًا لدى المحاكم والهيئات التي لا تكون فيها إنابة المحامي وجوبية (بما يشمل القضايا المدنية أمام محكمة الناحية)، ولكن يجوز خلافهما للمتمرّن، وفق المرسوم الحالي، النيابة والترافع لكن باسم المحامي المشرف على التمرين، غير أن هذا الجواز الاستثنائي تخلى عنه المشروع. وهو خيار قد يأتي في إطار تأكيد الصبغة التدريبية لممارسة المحامي المتمرّن، بجعل ممارسته دون أي قيد مرتبطة بإتمام مرحلة التمرين. ولعل ما يؤكد هذا الحرص، هو التنصيص أن منع النيابة لدى التعقيب غير جائز ليس فقط ولو باسم المحامي المشرف على التمرين (وفق المرسوم) بل ولو باسم أي محامي مرسّم لدى التعقيب وبما يشمل قبول القضايا وليس حتى الترافع فيها (المشروع).
  • اشتراط الإدلاء بشهادة تأمين على المسؤولية المدنية المهنية بالنسبة لطالب الترسيم في الاستئناف أو التعقيب.
  • تقديم ما يفيد استيفاءمكتب المحاماة لكراس شروط تصدرها الهيئة الوطنية للمحامين.

وأما بخصوص مسائل وضعية غير المباشرة، تتمثل أبرز الإضافاتفيتحديد آجال للإحالة على مجلس التأديب في صورة الإحالة على عدم المباشرة بسبب ارتكاب المحامي لأفعال خطيرة من شأنها الإضرار بسمعة المهنة أو بمصالح حرفائه، وتحديد أجل شهر واحد لنظر الفرع الجهوي في مطلب استئناف النشاط بعد زوال المانع، وإرساء قاعدة فقدان المحامي غير المباشر الحق في الرجوع  إذا استمرت حالة عدم المباشرة مدة 10 سنوات.

وبخصوص المحامي الشرفي، نعاينتعديلًا وحيدًا بإرساء حق مجلس الهيئة في سحب صفة المحامي الشرفي في صورة ثبوت إخلاله بشرف المهنة.غير أن التعديل الأكثر جذرية، وهو المؤدي للارتفاع اللافت في عدد فصول المشروع مقارنة بالمرسوم، هو تخصيص قسم جديد لتنظيم الشركات المهنية للمحامين، المنظمة حاليًا بتشريع خاصّ (قانون الشركات المهنية للمحامين لسنة 1998).

 

في حقوق وواجبات المحامي

أحدث مشروع العمادة تعديلات في باب حقوق وواجبات المحامي، في الاتجاهين وبدرجات متفاوتة من حيث أهميتها، وتتمثل الإضافات في:

  • التنصيص على امتيازات جبائية تصاعدية للضريبة على المداخيل لفائدة المحامي دون 30 عامًا. ويستثير تحديد هذا السن الذي لا يهمّ إلا نسبة قليلة جدًا من المحامين (باكلوريا + 5 سنوات ماجستير+سنتان تكوين في المعهد+سنة تمرين) السؤال حول الفائدة منه, وكان المفترض الترفيع في السن ليشمل المحامين الشبان دون 35 أو 40 سنة عامًا على الأقل مع الإشارة إلى أن المحامي الشاب هو ما دون 45 عامًا وفق الجمعية التونسية للمحامين الشبان، إن لم يكن من الضروري مزيد التدقيق في معايير إسناد هذه الامتيازات الجبائية بما لا تشمل فقط عامل السن لضمان توجيهها لمستحقيها.
  • تمكين المحامي من بطاقة مهنية سنوية ممنوحة من الهيئة الوطنية للمحامين تتضمن تيسير مهمة صاحبها، وبصفتها كوثيقة وحيدة لإثبات صفة المحامي وهويته.
  • إقرار حقّ المحامي في الجمع بين المحاماة والتدريس في التعليم العالي، وفسّرت وثيقة شرح الأسباب ذلك باعتبار أن التجربة أثبتت سلبيات استبعاد المحامي من التدريس ليس أقلها حرمان الطالب من التكوين الأكاديمي التطبيقي.
  • تخصيص باب خاص لتنظيم حق الأتعاب يتضمن 5 فصول من شأنها تعزيز هذا الحقّ من مدخلين اثنين، أولًا أن الإكساء بالصيغة التنفيذية لقرار رئيس الفرع في تقدير الأتعاب يتم بمجرد تقديمه “دون أي إجراءات إضافية”، وثانيًا أن حق حبس الوثائق بات يتم بموجب إذن كتابي من رئيس الفرع وليس بموجب إذن على عريضة من رئيس المحكمة الابتدائية، كما هي الحال الآن. وهذا التعديل قد يحمل إخلالًا في توازن المصالح بين المحامي وحريفه، باعتبار أن هيئة المحامين باتت الجهة الوحيدة المتدخلة في غياب أي رقابة قضائية.
  • بات تحجير أداء الشهادة من المحامي في نزاع أُنيب أو اٌستشير فيه يشمل الشهادة “على سبيل الاسترشاد”.
  • تعزيز دور هياكل المهنة في الدعاوى بين المحامين بإحداث تمييز بين القضايا ذات الصبغة الاستعجالية والقضايا الاستعجالية شديدة التأكدة، بلزوم الترخيص المسبق في الأولى، والاكتفاء بالإعلام في الثانية، فيما ينص المرسوم الحالي على الإعلام فقط في الأولى دون وجود الصنف الثاني.

 

في الهياكل المهنية

أعاد المشروع توظيب الباب المخصص للهياكل المهنية سواء فيما يتعلق بالهيئة الوطنية للمحامين من جهة أو الفروع الجهوية من جهة أخرى.

فعلي المستوى الوطني، عزّز المشرع صلاحيات مجلس الهيئة مع إبقاء ذات المهام المحدودة بطبيعتها الموكلة للعميد، وذلك تكريسًا لما يمكن اعتباره نظامًا برلمانيًا باحتكام مجلس الهيئة الوطنية للمحامين على الصلاحيات الجوهرية واكتفاء رئيسها بصلاحيات ذات طابع شرفي. وتتمثل الصلاحيات الجديدة لمجلس الهيئة في:

  • إبداء الرأي المسبق في جميع مشاريع ومقترحات التشريعات المتعلقة بتنقيح الدستور أو بالهيئات الدستورية أو تنظيم العدالة أو إدارة القضاء أو المحاماة أو اختصاص المحاكم والإجراءات المتبعة لديها أو المنظمة للمهن ذات الصلة بالقضاء أو الحقوق الأساسية والحريات العامة أو حماية المعطيات الشخصية أو قانون المالية.
  • إبداء الرأي في مشاريع ومقترحات التشريعات واقتراح الإصلاحات الضرورية لضمان حسن سير مرفق العدالة واحترام استقلالية القضاء والمحاماة.
  • الإشراف على إدارة صندوق دفوعات المحامين.
  • إحداث مركز للدراسات والبحوث والتوثيق وضبط مهامه والإشراف عليه.

أما فيما يخصّ المستوى الجهوي، وعلى خلاف الهيئة الوطنية، ظلّ المشروع يعتمد نظامًا أقرب للنظام الرئاسي في تسيير الفروع الجهوية حيث يستحوذُ رئيس الفرع على الصلاحيات التقريرية مقارنة بمجلس الفرع. ولكن تمثلت الإضافة في تعزيز الصلاحيات لكليهما وبشكل متفاوت. ففيما يهمّ رئيس الفرع، أسند إليه المشروع مهمة جديدة وهي “التنسيق مع رؤساء المحاكم والوكلاء العامين ووكلاء الجمهورية قبل بداية كل سنة قضائية قصد تنظيم مواعيد الجلسات وطرق العمل وكل ما يلزم لضمان حسن سير القضاء وتسهيل عمل المحامي”، في ترجمة فعلية لتكريس مبدأ شراكةالمحاماة في تسيير الشأن القضائي، كما بات من حقه الطعن في قرارات مجلس التأديب. أما فيما يهمّ مجلس الفرع، عزّز المشرع دوره الرقابي على المحامين من خلال التنصيص على4 صلاحياتهي مراقبة المباشرة، والعمل على مكافحة السمسرة وجميع الظواهر الماسة بشرف المهنة وتكافؤ الفرص، واتخاذ التدابير والإجراءات لمراقبة احترام سقف عدد الهياكل العمومية المُسندة لكل محام إضافة لمتابعة الشكايات المتعلقة بالمحامين، فيما يبيّن سعيًا لتعزيز العمل الرقابي القاعدي.

وبخصوص تركيبة هياكل التسيير، بات يتركب مجلس الفرع الجهوي من 6 بدل 4 أعضاء إن كان عدد المحامين لا يتجاوز في دائرة الفرع 300 محام، وهو ارتفاع قد يرتبط بهدفين اثنين أولًا تعزيز تمثيلية المحامين على المستوى الجهوي، وثانيًا لحسن قيام الفرع بمهامه على أحسن وجه خاصة مع الصلاحيات الجديدة المُسندة إليه السابق ذكرها.

وحافظ المشروع، بخصوص قواعد الترشح والمدد النيابية، على مبدأ النيابة لولاية وحيدة لعميد المحامين، مع فتح باب التجديد لولاية ثانية لرئيس الفرع الجهوي، معالتمكين، في تعديل آخر، من الترشح لرئاسة الفرع لكل مرسّم لدى التعقيب منذ 3 سنوات بدل 5 سنوات ما يعني توحيد سنوات الأقدمية مع عضوية مجلس الهيئة. وفي جانب متصل، أضاف المشروع شرطًا جديدًا لقبول الترشحات وطنيًا وجهويًا تتمثل في خلاص معاليم الاشتراك، مع التقييد بخصوص شرط عدم المؤاخذة الجزائية بأن تتعلق هذه المؤاخذةبجريمة قصدية، على خلاف الصيغة المطلقة حاليًا التي تشمل نظريًا الجريمة غير القصدية.

وفيما يهم الجلسات الانتخابية، أبرز المشروع اهتمامًا واضحًا بمزيد تنظيم الانتخابات من حيث التأكيد على المبادئ الستة للانتخابات (الحر/المباشر/الشخصي/الشفاف/النزيه/السري) وقواعد التعامل مع المترشحين (الموضوعية/النزاهة/عدم الانحياز/ عدم التأثير على إرادة الناخبين) وقواعد الحملة الانتخابية (توقّف الحملة يوم واحد قبل يوم الانتخاب بدل قبل 3 أيام وفق التشريع الحالي/احترام فترة الصمت الانتخابي) وقواعد الفرز (تعريف الأوراق الملغاة).

ويتبيّن حرص المشروع على تعزيز البعد الرقابي على نشاط هياكل المهنة وطنيًا وجهويًا من خلال وجوب إيداع نسخ من التقريرين الأدبي والمالي على ذمة المحامين بمقر الهيئة أو مقرات الفروع قبل انعقاد الجلسة العامة بأسبوع على الأقل.

مسائل التأديب والطعن والعفو والتقاعد والتجريم

حمل مشروع القانون تعديلات في هذه المسائل الخمس بعضها يكتسي أهمية. ففيما يهم مجال التأديب، تم توسيع مجال المؤاخذة التأديبية وتدقيقها لتشمل مخالفة واجبات ومبادئ منصوص عليها بشكل صريح (“مبادئ الاستقامة والاعتدال والزمالة ومراعاة الواجبات التي يقوم عليها شرف مهنة المحاماة والواجبات المقررة بالقانون الأساسي”)، مع مزيد دمقرطة مجلس التأديب (انتخاب الممثلين الأربعة لمجلس الهيئة بدل التعيين حسب معيار الأقدمية) مع مرونة تسييره (تمكين الكاتب العام من رئاسة المجلس بدل العميد).

وفيما يخصّ وسائل الطعن، مكّن المشروع رئيس الفرع من حق استئناف القرارات الصادرة عن مجلس التأديب، وأحدث دوائر خاصة بكل محكمة استئناف بدل دائرة وحيدة مختصة بمحكمة الاستئناف بتونس، ولكن تختص الدوائر الجديدة في مطالب استئناف القرارات غير التأديبية فقط، مع بقاء القرارات الصادرة عن مجلس الهيئة وعن مجلس التأديب من اختصاص محكمة الاستئناف بالعاصمة.

وفيما يتعلق بمسألة العفو من العقوبات التأديبية، نصّ المشروع أن قرارات العفو تتخذ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس الهيئة الوطنية.

أما فيما يهم التقاعد، فقد نصّ أنّ احتساب التمرين بالخارج ضمن سنوات العمل الفعلي بات يُشترط ألا تتجاوز مدته سنتين. غير أن التعديل الأهم، في هذا الباب، هو الترفيع في سنوات المباشرة الفعلية اللازمة لطلب التقاعد النسبي من 20 إلى 25 سنة مع التنصيص على عدم تجديد المطلب إلا بعد سنة من تاريخ قرار رفض الإحالة على التقاعد، وذلك في إطار إصلاحوضعية صندوق الحيطة والتقاعد للمحامين.

وتخلّي المشروع، في جانب آخر فيما يهم الجرائم، عن الإحالةالمباشرة للفصل 291 من المجلة الجزائية معوضًا إياها بثلاثة فصول ينصّ الأول على عقوبة بـ6 سنوات وخطية بين 5 و10 آلاف دينار لذات الأفعال الواردة في مرسوم 2011 وهي السمسرة وانتحال صفة محامي وممارسة مهامه مع إضافة حالة المحامي الذي يواصل المباشرة بعد علمه بإحالته على عدم المباشرة أو الإيقاف المؤقت أو المحو أو التشطيب من الجدول، ومع تعريف لمفهوم السمسرة.

فيما ينص الفصل الثاني المستحدث على عقوبة مالية لكل محامٍ يستجلب حلفاء عن طريق 3 صور (خدمات مجانية وما شابهها/أجرة متدنية/استخدام صفة سابقة له).

وقد أضاف الفصل الثالث في هذا الباب عقوبة التشطيب في صورة الإدانة فيما سبق من الفصلين مع عدم إمكانية تقديم مطلب عفو إلا بعد 10 سنوات من تاريخ قضاء العقاب أو انقضائه في الفصل الأول و5 سنوات من تاريخ الحكم الباب في الفصل الثاني السابق الإشارة إليه.

 

الخطوط العريضة للمشروع

نستخلص مما سبق أنه يمكن حصر الخطوط العريضة لمشروع الهيئة الوطنية للمحامين مقارنة بمرسوم 2011 في:

  • توسيع مجال التدخل الوجوبي للمحامي بما يشملالاتفاقيات المتعلقة بالعقارات والشركات وعقود الكراء العقارية لمدة تتجاوز 3 سنوات وتعيين محام كمستشار قار للمؤسسة في بعض أصناف الشركات التجارية.
  • توسيع مجال تدخل الهيئة الوطنية للمحامينسواء عبر تدعيم صلاحياتها (تحديدًا إبداء الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالدستور والهيئات الدستورية وتنظيم العدالة والحريات العامة وقانون المالية إلخ)، أو تعزيزنفوذها علىالمعهد الأعلى للمحاماة (الإشراف على المعهد واقتراح مديره).
  • تحسين وضعية المحامي الشاب (تخصيص مكتب للمحامي المتمرّن/ امتيازات جبائية للمحامي دون 30 سنة/التخلي عن شرط الترسيم لدى التعقيبلعضوية مجلس الإدارة أو مجالس المراقبة في الشركات التجارية).
  • تعزيز رقابة المحامين لهياكل المهنة (نشر نسخ التقارير الأدبية والمالية قبل أسبوع من الجلسة العامة).
  • تشديد رقابة هياكل المهنة في التزام المحامين بأخلاقيات المهنة ومحاربة المظاهر السلبية وفي مقدمتها السمسرة (تدقيق الصلاحيات الرقابية للفروع الجهوية/إحداث جرائم وتشديد العقوبات).
  • تعزيز الجانب التأديبي (توسيع مجال المؤاخذة التأديبية/ اشتراط أغلبية الثلثين لإصدار قرارات العفو/ اعتبار المباشرة بعد علم المحامي بإحالته على عدم المباشرة أو الإيقاف الوقتي أو الشطب أو المحو جريمة).
  • تجويد التكوين سواءللالتحاق بالمهنة (اشتراط الماجستير لمناظرة المحاماة/تمديد فترة التكوين/تعزيز شرط الأقدميةوإضافة شرط الكفاءة لدى المشرف على التمرين) أو للمحامي المباشر (التكوين السنوي الإجباري).
  • تطوير ممارسةالمهنة (تنظيم الشركات المهنية/التأمين الوجوبي على المسؤوليةالمدنية المهنية/كراس شروط خاص بمكتب المحاماة).
  • التقليص من المركزية بالاتجاه نحوالجهات (تعزيز صلاحيات الفروع الجهوية مجلسًا ورئاسة/ دوائر خاصة في محاكم الاستئناف خارج العاصمة للنظر في الطعون المتعلقة بالقرارات غير التأديبية).
  • تحجيم دور القضاة من مدار المهنة التحاقًا (منع التحاق القضاة المتقاعدين بالمهنة) وعضوية في المجلس العلمي للمعهد الأعلى للمحامين (التخلي عن تمثيلية قضاة الرتبة الثالثة) وتدخلًا (التخلي عن الإذن على العريضة لقيام حق المحامي في حبس وثائق حريفه حال عدم دفع الأتعاب).

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

انشر المقال

متوفر من خلال:

المهن القانونية ، تونس ، حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *