بين قمتي الرياض وواشنطن: الرئيس التونسي وهوس البحث عن مشروعية دولية


2023-01-10    |   

بين قمتي الرياض وواشنطن: الرئيس التونسي وهوس البحث عن مشروعية دولية
سعيد مشاركاً في قمة واشنطن (المصدر من صفحة الرئاسة التونسية على فيسبوك)

في أقل من أسبوع واحد، سجّل رئيس الجمهورية قيس سعيد حضوره في قمّتين سياسيّتين دوليّتين، متقاربتين في الزمان ومتباعدتين في المضمون والمشاريع. القمة الأولى هي القمة الصينية-العربيّة المنعقدة في الرياض، واحدة من ثلاثة اجتماعات رئيسيّة عقدها الرئيس الصيني “شي جين بينغ” مع القمة الصينية-السعودية والقمة الصينية-الخليجيّة. إطار الحدث كما هو واضح، يتمثل في السعي الصيني إلى تجاوز التداعيات الاقتصاديّة لأزمة الكوفيد وإعادة الانفتاح التجاريّ على الأسواق العالميّة مع بعث الروح من جديد في مشروع “الحزام والطريق” الذي بدأ يعاني من بعض الأزمات والانتقادات. وفي القلب من ذلك، إصرار صيني على ضمان طرق أكثر استدامة للإمدادات الطاقية التي تمر أساسا عبر بوابة الشرق الأوسط.

وعلى الطرف المقابل، انعقدت في واشنطن القمّة الأمريكية- الإفريقية، وكانت الأكثر إثارة للاهتمام الإعلامي والسياسي في تونس، مع انتظار مختلف الأطراف لنتيجة المفاوضات مع المؤسسات الماليّة الدوليّة التي تعدّ الولايات المتحدة الطرف الوازن ضمنها. وبين القمّتين، تركز جزء من المجهود الدبلوماسي على “حملات مناصرة” لخيارات المنظومة السياسية القائمة ومحاولة تبرير مواقفها وسرديّتها دوليّا، على حساب الملفّات الاقتصاديّة الأكيدة والعاجلة.

الصين والتطورات السياسية في تونس: النهج البراغماتي

لم تكن التغيّرات السياسيّة التي مرّت بها تونس منذ سنة 2011 لتؤثّر على براغماتيّة السياسة الخارجيّة الصينيّة التي نجحت بكلّ مرونة في التعامل مع مختلف الأطراف المتعاقبة على الحكم، رغم الموقف الصيني المبدئي في التوجّس من مُخرجات الثورات العربيّة. ولم تخلُ مثل هذه الخطوة من الواقعية السياسية لدى الصين بعد مرحلة من استقراء التطوّرات في المشهد السياسي التونسي، حيث كان الحفاظ على المصالح الاقتصاديّة الصينية العنوان الرئيسي لتلك المرحلة. فمع بداية إعلان الرئيس الصيني “شي جين بينغ” عن مبادرة طريق الحرير الجديد سنة 2013 والتي تحولت في ما بعد إلى مبادرة الحزام والطريق، سعت الصين إلى إعادة تموضعها الاقتصادي في شمال إفريقيا عموما بناء على ما أفرزته الخريطة السياسية الجديدة، مخيّرة التعامل مع الأطراف التي تمتلك نفوذا سياسيا ضمن النطاق الذي تمرّ منه التجارة الصينيّة في المنطقة.

على إثر ذلك، وبعد انتهاء المرحلة الانتقاليّة، عادت الصين إلى تعزيز علاقاتها الرسميّة على المستوى الحكومي. ومن أهم المحطّات الاقتصاديّة في هذا السياق، استضافة تونس الدورة الثامنة لمنتدى أصحاب الأعمال العرب والصينيين في أفريل 2019. وقبل ذلك إعلان تونس عن نيّتها الالتحاق بمبادرة “حزام واحد، طريق واحد” أثناء زيارة وزير الخارجية الأسبق “خميس الجهيناوي” إلى بيجين سنة 2017، ثم الانضمام رسميا إلى المبادرة في 2018 وتوقيع الطرفين التونسي والصيني لعديد الاتفاقيات في مجالات السياحة علاوة على التعاون الثقافي، حيث افتتح المقر الأول لمعهد “كونفوشيوس” لتعليم اللغة الصينية في تونس سنة 2019. 

مع ذلك، ارتكز الاستثمار الاقتصادي الصيني في تونس خلال السنوات الأخيرة على قطاع البنية التحتية، عبر عدّة مشاريع، من بينها المستشفى الجامعي في صفاقس ومضاعفة قنال مجردة-الوطن القبلي وبناء الأكاديمية الدبلوماسية. كما لم يكن من العسير ملاحظة التوجه الصيني نحو المشاريع الاستراتيجيّة بالتحديد، حيث أشارت مذكرة التفاهم الصينية التونسية الموقعة في 2018 عن عزم الصين تمويل عديد المشاريع في الجنوب الشرقي التونسي (جسر الجرف-أجيم، تطوير القطب الاقتصادي بجرجيس وإنجاز الخط الحديدي الرابط بين مدنين وقابس وصولا إلى ميناء جرجيس). وتعدّ هذه المشاريع نقطة حيويّة في مبادرة الحزام والطريق لارتباطها الأساسي بالسوق الليبية.

سعيد في قمة الرياض

مشاركة تونس في القمة الصينية العربية: الفرصة المهدورة؟

لا يخفي الطابع الطموح لهذه المشاريع، رغبة صينيّة متأصّلة في موطئ قدم استراتيجي على السواحل المقابلة للاتحاد الأوروبي. كما تسعى تونس من جهتها إلى لعب دور الوسيط اللوجستي في نقل التكنولوجيا الصينية إلى بلدان جنوب الصحراء الإفريقية، وهو نفس الدور الذي تريد المملكة المغربية أن تلعبه حاليّا مع انخراطها المبكر في مبادرة الحزام والطريق. ولم يلبث هذا الدور الصيني المتنامي أن أثار احترازات متجدّدة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في ما يتعلّق بالنشاط الصيني في مجال تهيئة البنية التحتيّة الرقمية واقتصاد المعلومات (تهتمّ شركة هواوي الصينية حاليّا بالعمل على شبكات الجيل الخامس في تونس). أما من الناحية السياسية، فقد كانت الصين من بين المستفيدين الرئيسيّين من “مسار 25 جويلية”، إذ رأت في هذا الحدث فرصة للتشكيك في نجاح نظام الحكم الديمقراطي في البلدان النامية، كما أعلنت عن مساندتها لهذا المسار عقب الإعلان عنه مباشرة.

ومن جهته، لم يتردد رئيس الجمهوريّة في استعمال ورقة التقارب مع الصين حين تشتدّ الانتقادات الغربيّة على خياراته السياسيّة، ولعلّ مشاركته في القمة الصينية العربية في الرياض مؤخرا تندرج ضمن هذا السياق. فخلال هذه القمّة جمع لقاء بين قيس سعيد وشي جين بينغ، طغت على محاوره الجوانب السياسيّة، ولم يتمّ فيه التطرق إلى مصير بعض المشاريع التي تمّ الإعلان عنها في مذكرة التفاهم الصينية التونسية سابقة الذكر حسب ما يظهر من الإعلان الصحفي حول النقاط التي تمّ تداولها في اللقاء. 

ولم تخرج لغة الرئيس الصيني عن المجاملة الدبلوماسية حول “دعم الصين لتونس واحترامها لسيادتها الوطنية ولخيارات شعبها وثقتها في قدرتها على إدارة شؤونها وتجاوز الصعوبات التي قد تعترضها” في تلميح لشروط التفاوض مع صندوق النقد الدولي. لكن لم يُشر “شي جين بينغ” مع ذلك إلى برامج ملموسة للارتقاء بالعلاقات الاقتصاديّة التونسية الصينيّة عدا التذكير ببعض المشاريع السابقة. وفي مقابل ذلك وقّعت الصين عشرات الاتفاقيات الاقتصاديّة مع الدول الخليجية خلال القمة، من بينها 20 اتفاقية أولية مع المملكة العربية السعودية فقط، مما يعكس بوضوح الأولويات الاستراتيجية الصينية في المرحلة الحالية.

يشير هذا الأمر، مع جملة من الأسباب الموضوعية الأخرى، إلى عجز الجانب التونسي تحديدا عن تقديم مقترحات واضحة تأخذ بعين الاعتبار واقع البيئة الاستثماريّة في البلاد وإمكانيّة إثراء وتنويع نطاقات التعاون الاقتصاديّ. وغير خفيّ كذلك ما تعرّضت له بعض المشاريع الصينيّة في تونس من عراقيل (بعضها قد يكون مفتعلا)، وهي عناصر قد أثرت بشكل عام على الحضور الاقتصادي الصيني الذي كان من المنتظر أن ينتقل إلى مراحل متقدمة خلال الفترة المقبلة.

القمة الأمريكية-الإفريقية: تبريرات سعيّد لا تجد آذانا صاغية

على الجانب الآخر، وقبيل انعقاد القمة الصينية-العربية بيوم، حلّ وفد دبلوماسيّ أمريكي يوم 7 ديسمبر بتونس. ترأس هذا الوفد نائب مساعد الرئيس ومنسّق مجلس الأمن القومي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا “بريت ماكغورك” حيث قام بجملة من اللقاءات مع رئيس الجمهوريّة ورئيسة الحكومة ووزير الخارجيّة ووزيرة الماليّة. الجديد في هذه الزيارة، ما أشار إليه بيان السفارة الأمريكية في تونس من مناقشة الوفد الأمريكي “لمساهمة تونس في مبادرة الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار” وهي المرة الأولى التي تعلن فيها مشاركة تونس ضمن هذا المشروع بشكل رسميّ. 

ف “مبادرة الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار”، هي خطّة استراتيجيّة تهدف لمواجهة مشاريع خطة الحزام والطريق الصينية، أعلن عنها الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ، خلال الاجتماع السنوي لقادة الدول السبع في ألمانيا نهاية شهر جوان 2022، حيث تم التعهد بجمع 600 مليون دولار من الاستثمار العمومي والخاص “لدعم المشروعات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لمساعدتها في معالجة تغيّر المناخ وتحسين الصحة العالمية والمساواة بين الجنسين والبنية التحتية الرقمية” حسب ما تمّ التصريح به. وتعدّ القارة الأفريقية المجال الجغرافي الأهم لتنفيذ هذا المشروع . كما تنصّ المبادرة على أهمية نشر القيم الديمقراطية في البلدان التي سيُعلن عن انخراطها ضمنها. ولئن تمّ تأكيد تواجد تونس ضمن هذه المبادرة، إلا أنه لم يتمّ تحديد طبيعة المشاريع التي سيتمّ تركيزها وتحت أية ظروف، عدا بعض الإشارات العامّة التي يمكن أن نستنتجها من تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين على غرار مداخلة السفير الأمريكي الجديد في تونس “جوي هود” (حين كان مرشحا للمنصب) أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي يوم 27 جويلية 2022 حينما أشار إلى سعيه للارتقاء بالاستثمار الأمريكي في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا الآمنة.

ضمن سياق المبادرة عموما، انعقدت القمة الأمريكية-الإفريقية للمرة الثانية في العاصمة الأمريكية “واشنطن” والتي تركزت أعمالها حول محاور “الأمن الغذائي والتغير المناخي وحقوق الإنسان” وقد شهدت حضور الرئيس “قيس سعيد” في خطوة كانت غير منتظرة للكثيرين. ولم تحمل مشاركة سعيّد دفعا هامّا لمناقشة المشاريع الاقتصاديّة المستقبليّة مع الولايات المتّحدة كما هو مفترض، بقدر ما ظهر الرئيس في ثوب “لسان الدفاع” عن إجراءات 25 جويلية 2021 التي لقيت انتقادات متواصلة من المسؤولين الأمريكيين. ولم يخرج حديثه مع وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” عمّا اعتاد سرده من مبررات دون جديد يُذكر، عدا ادّعائه منع لنشوب حرب أهلية عبر إجراءات 25 جويلية وحديثه عن مناشدة بعض النواب له لحلّ البرلمان.

في قمة واشنطن

من الواضح تماما، أن خطاب قيس سعيّد في القمة ولقاءه مع وزير الخارجية الأمريكي، لم يُثمر صدى إيجابيا لدى الجانب الأمريكي حول التمشي السياسي القائم حاليّا في تونس، كما لم ينجح  الاجتماع الذي قام به سعيّد أمام هيئة تحرير صحيفة “الواشنطن بوست” في ما يُشبه “الحملة التفسيريّة”، في تغيير قناعات الجزء الأهم من الإعلام الأمريكي حيال ذلك، بل سارعت نفس الصحيفة إلى نشر مقال تنتقد فيه التوجهات التي اتخذها سعيّد وخطورتها على الديمقراطيّة التونسيّة. غير أن الرسالة الأهم قد أتت من مجلس إدارة صندوق النقد الدولي الذي أعلن خلال انعقاد القمّة نفسها عن تأجيل الاجتماع المقرّر في 19 ديسمبر حول برنامج القرض التونسي، وهو ما كان له أثر مُربك على الجهود الدبلوماسية التونسية الاقتصاديّة أثناء القمّة.

في المجمل، لم تتسم المشاركة التونسية في القمتين بالفاعليّة المطلوبة منها على المستوى الاقتصادي لغياب الرؤية السياسية المُرافقة لها ولقناعة جلّ الأطراف الخارجية بأن المرحلة الحاليّة لا يمكن لها الاستمرار على مثل هذا النحو، حتى لدى الأطراف الدولية الداعمة للمسار السياسي الحاليّ. بل من المفارقات هنا أن القيادة السياسية التي من المفترض أن تساند المجهود الدبلوماسي قد أصبحت هي العقبة الرئيسيّة اليوم بسبب فشلها في بناء نموذج واضح للسياسة الخارجيّة يُغلّب المصالح الوطنية العليا ويقوم على سياسات مؤسسيّة وراسخة، وهوسها بالبحث عن مشروعيّة دوليّة لعمليّة استفرادها بالسلطة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية