بين أحزاب السلطة والثورة (2): اضطراب حزبيي السلطة في محضر الثورة


2020-06-05    |   

بين أحزاب السلطة والثورة (2): اضطراب حزبيي السلطة في محضر الثورة

من أبرز ميزات الثورة، التعددية التي يتّسم بها المشاركون من حيث الخلفية الأيديولوجية والمقاربة وأساليب التظاهر. ومع توقّف التحركات في الشارع بفعل سياسة التباعد الاجتماعي وعودتها بشكل خجول في الآونة الأخيرة، قد تجد “قوى الثورة” متسعاً من الوقت لالتقاط أنفاسها والتفكير في الإشكاليّات المطروحة حول اختلاف الهويّات السياسية للمنتمين إليها. فكيف قاربت أو تقارب هذه القوى الأشخاص الذين شاركوا فيها أو لا يزالون، وهم على صلة بدرجة أو بأخرى بأحزاب السلطة؟ وبما لا يقلّ أهمية، ما هي أفكار هؤلاء الأشخاص ومواقفهم من الثورة؟ هذا ما تحاول “المفكرة” الإضاءة عليه من خلال عشر مقابلات مع أشخاص إمّا يعتبرون أنفسهم مؤيّدين وإمّا منتسبين إلى أحد أحزاب السلطة وشاركوا في الحراك في وقت من الأوقات في الأشهر الماضية. وفيما نشرنا مقدمة رسمنا فيه بورتريهات للأشخاص الذين قابلناهم، نتناول هنا حالة القلق والإضطراب الذي عاشها هؤلاء في محضر الثورة (المحرر).

لم تكن مشاركة الأشخاص الذين التقيناهم، في الثورة مختلفة عن تجارب سائر المشاركين فيها. هُم كانوا يعيشون في ساحات الإعتصام كسواهم نشوة التّجربة الجماعية في أيامها الأولى، أو يستمعون في خيم النقاشات مع سائر الحاضرين إلى الطروحات والأفكار البديلة المقدّمة من الثوار. وزعزعت الثورة – كساحة إلتقاء وتجربة وأفكار – معتقداتهم السياسية في ظلّ تداخل هذه التجارب والأفكار الجديدة. وخضّت هذه التجربة فلكهم السياسي ووسّعت آفاقه، تاركةً العديدين منهم في حالة من القلق والتساؤل والشكوك. وفي ظلّ سعينا إلى استكتشاف هذه الشكوك والتوسّع في فهم الأثر الذي تركته الثورة، عمدنا إلى الغوص في عالمهم الفكري، وتتّبع تحوّلاته منذ فترة ما قبل 17 تشرين وصولاً إلى اليوم.

ما قبل 17 تشرين: إنتقادات وشكوك داخل الأحزاب

تُظهر الرحلة في عالم مؤيدي أحزاب السلطة الذين شاركوا في الثورة أنّه كان لبعضهم شكوكهم وانتقاداتهم الخاصة تجاه أحزابهم قبل 17 تشرين، وإن كانت نادراً ما تخرج إلى العلن. فقد كانت تنحصر بين أهل الحزب الواحد، أو يحتفظ بها الفرد لنفسه. وتظهر المقابلات التي أجريناها معهم أنّ إلتزامهم الحزبي كان يخضع لمراجعة نقدية دائمة، لا تخلو من الشكوك والتساؤلات. فما هي أهم أوجه هذه المراجعة التي كانت تختمر وراء واجهة أحزاب السلطة؟

عبّر الأشخاص الذين استمعنا إليهم عن خيبة أمل من الأداء السياسي لأحزابهم لا سيما لجهة ما اعتبروه عدم قدرتها على التصدّي لنهب الدولة أو النقص في إرادتها بالقيام بذلك. من بين هؤلاء كارل الذي لام التيار الوطني الحر لجهة “إنّه ما عيّطوا كفاية، صرلهم سنين بيقولوا: ما خلّونا… طيب ليش ولا مرة طلعوا سمّوا الأشياء متل ما هيّ؟”. وكان استياء ريم واضحاً في نبرتها وهي تنتقد حزب الله وسياسة الـ “مرّقلي لمرّقلك” معتبرةً أن الحزب قام بحماية فريق سياسي “حرامي” مقابل حماية سياسية لسلاح الحزب: “بركي حكيي كتير مثالي بس إذا إنت على حق لأ ما بتحمي الحرامية”. وقد اقتصرت هذه النظرة التي اعتمدها البعض في المقابلات على لوم أحزابهم لعدم مواجهتها نهب الأحزاب الأخرى، في موازاة تنزيهها عن الفساد أو على الأقل كتم أي اتهام ضدها بارتكاب هذه الأعمال. فمن هنا يأتي تصريح جاد بأنّ “القوات ما عندهم ملف فساد جوهري من وقت ما استلموا الحكم”[1] وتصريح سايد بأنّ “المردة برأيي سكتوا عن السرقة ما سرقوا”[2]. تبقى هذه النظرة لأحزابهم نقدية وتكسر الصورة النمطية عن جمهور الأحزاب كعالم خالٍ من التشكيك والتساؤلات.

إلا أن بعض الأشخاص الذين استمعنا إليهم ذهبوا أبعد من ذلك، بحيث لم يتردّدوا في اتهام أحزابهم مباشرة بالفساد. من بين هؤلاء مثلاً، لارا التي تعتبر أنّ وليد جنبلاط هو شريك في نظام المحاصصة منذ عام 1990 حتى اليوم، “مثله مثل غيره”. وقبل عام من إندلاع الثورة، عندما كان غابي لا يزال منخرطاً في حزب القوات اللبنانية، كان يسائل نفسه: “أنا قاعد مع ناس فاسدين، بعرف إنه فاسدين، أنا عم هاجمهم بس بعدني قاعد معهم ليه؟”، واضعاً حزبه بالتالي في سلّة الفاسدين.

وقد برزت في المقابلات علامات إستفهام حول مدى انسجام أداء الأحزاب مع مبادئها المعلنة، وتحديداً بما يخص مبادئ الحزب وآلية اتخاذ القرارات فيه. بحسب لارا، للحزب التقدمي الإشتراكي مبادئ سياسية وإنسانية واضحة لا لبس فيها ولكن المشكلة تكمن وفقها في النهج الذي يتّبعه وليد جنبلاط الذي لا يستند لا من قريب ولا من بعيد إلى أسس الإشتراكية ولا إلى قيم والده كمال جنبلاط. أمّا غابي فكان يشعر بأن القوات اللبنانية “هني مش ملتقيين كتير بالمبادئ مع حالهم”، وأسهب في توضيح تجربة التساؤل التي عاشها في حزبه: “مثلاً في نقاش كبير بالقوات إذا القوات حزب مسيحي. رحت جمعت الملفات ومانيفستو الحزب وراجعناه مرة وإثنين وثلاثة. ما فيه كلمة مسيح، الدين غير مرتبط بالحزب، بيرجعوا بيقولوا الحزبيين إنه أغلبية القوات مسيحيي، بس برضو أنا بدي إلحق حزب على المانيفستو وشرعته ومبادئه مش إذا أغلبيته مسيحيي. هنّي اتبنّوا الشعار إنه القوات مش حزب مسيحي بس جوّاتهم حزبياً فيه مسؤولين ومثقفين وواعيين بيقولولك القوات حزب مسيحي. ومتل وقت قصة مشروع ليلى، القوات كلّن كانوا ضدّ شو عملت الفرقة، بس أنا كنت من التيار الكتير ليبرالي من اللي نزلوا حضروا الحفلة اللي انعملت بالحمرا دعماً للفرقة، صرت هيدا النافر بالحزب”. وبفعل هذا الإلتباس، بات يصعب على غابي تقدير ماذا سيكون موقف حزب القوات من القضايا والمستجدّات، ممّا يجعله بمثابة “حزب شخصي”، تستند مواقفه على رأي سمير جعجع وليس على أسس أو مبادئ واضحة[3]. أمّا جاد الذي لا يزال منتسباً إلى حزب القوات فتحدّث عن خلل موجود بين “الأرضية” (قاعدة الحزب) والقيادة من جهة، وخلل في تطبيق نظام الحزب الداخلي من جهة أخرى، ممّا يؤثر على سبيل المثال على التعيينات الحزبية التي غالباً ما تُفرض من قبل رأس الهرم. أمّا داخل تيار المستقبل فكانت القرارات تُؤخذ بحسب رانيا من قبل “بعض الأشخاص المحيطين بسعد وبهية الحريري”. وقد انتقدت اتخاذ القرارات ضمن هذه المجموعة الضيّقة، خاصةً أنها تبنى على أساس ولائهم السياسي وليس اختصاصهم. ونستشفّ من خلال ذلك أنّ قاعدة الأحزاب لا تخلو ممن يريد إرساء آلية أكثر وضوحاً وتشاركية لاتخاذ القرارات بعيداً عن أيّ تسليم “أعمى” بالقرارات التي يتّخذها رؤساء هذه الأحزاب أو الدائرة الضيّقة المحيطة بهم.

وأظهرت المقابلات تصدّعات متسارعة داخل هذه الأحزاب نتيجة عدم إيفائها بوعودها بتقديم منافع لأعضائها أو أسرهم (وهي المنافع التي يضعها الثوار عادة في خانة المحسوبية والزبائنية). وفي هذا الخصوص، عبّرت ريم عن امتعاضها من حزب الله وحركة أمل على خلفية عدم تأمين وظيفة لأخيها الذي “انوعد من الأحزاب إنّه يتوظف وقت الإنتخابات، رجعت الأحزاب شالت إيدها بعد الإنتخابات”، “طيب كيف بدك توثق بهول الناس؟”. الإمتعاض نفسه كشفت عنه على خلفية رفض تأمين خدمات صحية لوالدها: “بيّي كان يقاتل بالحرب مع الحركة، هلأ بس وقع برمنا المستشفيات كلّها من بينها مستشفى الحركة ما قبلوا يستقبلوه فتخيّل قديه هنّي منافقين”. وكانت لحسن في مدينة صور تجربة مماثلة مع حركة أمل التي رفضت تعيين ابنته في إحدى الوظائف الرسمية إلّا مقابل مبلغ مالي: “إذا إنت إنسان بدك توظّف إبنك، إذا كان معك إمكانية مادية بتوصل. إذا لأ يعطيك العافية بدك تضلّ بس للهوبرة ورفع الأعلام والشعارات والمهرجانات”.

الدوافع وراء مشاركة حزبيي السلطة في الثورة: أبعد من “ركوب الموجة”

غالباً ما اعتمدت الثورة نهج التغريب (alienation) إزاء حزبيي السلطة والمنتسبين إليها، وكأنهم أفراد لا يتشاركون المعاناة والظروف نفسها التي دفعت سائر الثوار إلى النزول إلى الشارع. فصوّرتهم كسجناء عالم الأحزاب الجامد الذي يعجزون عن الإنعتاق منه. وإذا حصل وخرجوا إلى ساحات الإعتصام، فإنهم يفعلون ذلك بأمر من قياداتهم. إلا أنه بعيداً عن سردية “الحزبي ضدّ الثورة” و”الحزبي عم يركب الموجة”، تُظهر المقابلات أنّ الدوافع وراء مشاركة جزء من هؤلاء لا تختلف كثيراً عن ظروف مشاركة كل من هو “داخل صفوف الثورة”. فماذا كان يدور في ذهن الأشخاص الذين قابلناهم عند اندلاع الثورة مساء 17 تشرين الأول؟

حين قابلناها في كافتيريا المستشفى التي تعمل فيها كمقيمة (resident)، عبّرت ريم عن المعاناة التي تعيشها هي وسائر المقيمين. أخبرتنا كيف ولّد خبر اندلاع الثورة فيها شعور الأمل نظراً للشعارات التي رُفعت والتي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية: ” أنا ما بعرف سياسة ولا دستور بس بعرف إنه بس الثورة بلشت كنت كتير محمّسة لأن عنجد نحنا المقيمين من حسّ فيها، منشتغل قد مئة حكيم وما بيدفعولنا منيح لأن هيدا النظام”.

ويمكن تلخيص ظروف مشاركة حسن في الثورة بردّه على أحد مسؤولي حركة أمل الذي كان يوبّخه على مشاركته: “نحنا نزلنا لأن جوعانين، لأن عم منطالب بحقنا اللي انهدر من سنين وإنتو مش دايرين بالكم علينا”.

أمّا خالد فكان متردّداً في المشاركة بالتحركات في طرابلس، وبدأ يزور ساحة النور وخيمها، وزادت زياراته تدريجياً عندما شعر بأنّ الثورة تحمل مطالب تستجيب لمعاناته المعيشية. فقال لي وهو يشير بإصبعه إلى إحدى خيم النقاشات: “صرت إجي إحضر حلقات نقاش، إسمع وجع الناس، وجعهم وجعي، هيدا الموضوع لكلّ الناس لأن كلّ لبناني فقير”.

هناك من كان ناشطاً في التظاهرات والتحرّكات ما قبل 17 تشرين. فلم يكن النزول إلى الشارع من أجل التعبير عن استيائه من أداء السلطة السياسي أمراً غريب. لارا مثلاً بدأت تنتقد أداء أحزاب السلطة ومن ضمنها الحزب التقدمي الإشتراكي منذ حراك “طلعت ريحتكم” عام 2015، وكانت ناشطة في حملات عدّة وحراكات مطلبية. فلمّا رأت دعوة إحدى مجموعات المجتمع المدني إلى الإعتصام احتجاجاً على سياسات السلطة مساء 17 تشرين، لم تتردّد في النزول إلى ساحة رياض الصلح، “كنّا أوّل سبعة أشخاص اللي كانوا بالساحة وكنّا أوّل مين سكّر الرينغ”. أمّا ريتا فكانت قد ابتعدت عن السياسة نظراً إلى أنها “حكي حكي حكي وما بيصير شي”. ولكن عندما اندلعت الثورة في 17 تشرين رأت أنه “مش غلط تنزل وتشجع” خاصةً أن جميع رفاقها “المستقلّين” كانوا يشاركون. وكارل تحمّس على النزول إلى الساحة عندما رأى أن “الناس القراب عليي الأنقياء واللي نواياهم منيحة عم ينزلوا”. وهنا نلاحظ أنّ للعلاقات الإجتماعية تأثير قوي أيضاً على اندفاع الفرد للمشاركة في مختلف الحراكات، وأحياناً يكون أهمّ من تفاصيل مضمون المطالب التي رفعتها هذه الحراكات.

“بيغ بانغ” سياسي يخضّ حزبيي السلطة ويتركهم في حالة قلق

مشاركة حزبيي السلطة في ساحات الإعتصام ونقاشات الخيم مع سائر المنتفضين أعادت رسم آفاقهم السياسية. نتجت عن الثورة تساؤلات حول العديد من المقاربات والمفاهيم والتصوّرات التي كانت راسخة في عقول هؤلاء عبر تقديمها تجربةً وأفكاراً وخطاباً جديداً، تاركةً الأفراد في حالة قلق وإن تباينت كيفية تفاعلهم معها. فقد برزت التغيّرات في الأفكار بطرق ودرجات مختلفة خلال المقابلات.

فمن جهة، وإذ قدّمت الثورة نفسها كقوّة ووسيلة تغيير جديدة، فإنها ولّدت اضطرابات لديهم لجهة اعتقادهم بأنّ حزبهم الوسيلة الفضلى لتحقيق هذا التغيير. وصف كارل الثورة بـ”reality slap“، أي صفعة من الواقع، ليضيف أن “الثورة مش بس خلّتني إرجع قيّم، انكسر شي برأسي كنت اعتبره مستحيل”، وهو أنه يمكن للشعب أن ينزل إلى الشارع للضغط وتحقيق تغيير. فكان كارل يؤيّد التيار الوطني الحرّ مقتنعاً أن “الضغط من جوّا” عبر حزبه هو الوسيلة الوحيدة للتغيير، إلى أن أتت ثورة 17 تشرين لتقدّم وسيلة جديدة، وهي الضغط من “برّا”. أمّا جاد فأخبرنا كيف ولّدت لديه الثورة شعوراً بالأمل، تحديداً لجهة رؤية ما وصفه بـ “تحرر” الناس من أحزاب السلطة في المناطق. فيما كان جاد يعتمد خطاباً متناسقاً جدّاً خلال المقابلة لتبرير خياره بالبقاء في القوات اللبنانية، بدت علامات الإرتباك عليه عندما سألته إذا كانت الإشادة بالإنفصال عن الأحزاب تنطبق أيضاً على حزبه. إذ ذاك، قال “رفيقي بس ترك (حزب القوات) بعتله رسالة قلتله برافو، عطيني حزب أحسن من القوات بترك، منّي متعلق، بس كل شي وما في بديل استثمر وقتي فيه لزبّط البلد، أنا باقي”. وبدا عليه مزيد من الإرتباك عندما أضاف متسائلاً: “ما بعرف بركي إذا بترك بيكون عندي تأثير أكبر. في تناقض عم يعيشوا بعض الناس وأنا كمان، لمّا أقعد مع ناس من القوات بسأل حالي شو بعدني عم بعمل معهم؟ إذا بترك الحزب كمان مش كافي”.

ومع مشاركة الأشخاص الذين شاركوا في المقابلات في تجربة الساحات الجماعية وكل ما يأتي معها من مشاعر وتطلّعات، أصبح هناك تصوّرات جديدة للمستقبل لم تكن موجودة أحياناً قبل 17 تشرين. الأمل الذي ولّدته الثورة واتحاد اللبنانيين من خلفيات مختلفة ضمن حراك واحد لدى جاد جعله يغيّر رأيه بشأن رغبته في الهجرة من لبنان من حيث “صار في أمل نعمّر بلد”. “ما كان بدّي أقعد مع القوات على (ساحة) ساسين، إلي كان أحلى شيء بالثورة أقعد مع ناس مش قوات وشوف ناس غير”. ووصف غابي مشهداً عاشه خلال زيارته إلى ساحة النور جعله يدرك أن سرديّة حزبه بأنه لا يمكن بناء بلد مع “الآخرين” المسلمين هي “كذبة”:

“رحت على طرابلس وشفت مشهد سريالي. كان في محجبة عم ترقص techno وفيه DJ. كان في خليط من رفقاتي الطرابلسيي المرتاحين والفئات الشعبية. بس هيك كان المشهد متجانس، كان شي رهيب. اقتنعت إنه قادرين نبنيه لهيدا المجتمع اللي إلهم 30 سنة بيقنعوني إنه لا، وإنه بيقولولي “جرّب روح قنّع مسلم ورجاع لعندي”. طلعت كذبة”.

خالد أثّرت فيه الأفكار والمطالب التي رفعتها الثورة عبر مشاركته اليومية في نقاشات خيم ساحة النور. تغيّرت تحديداً نظرته تجاه ما سمّاه “حكومة مدنية”. أقرّ أنه كان من أشدّ المعارضين لقيام دولة مدنية في لبنان، ولكن بعدما فهم معناها وأبعادها في النقاشات غيّر رأيه: “حبّيت، يبعّدونا عن الأديان منصير أحرار”.

شكّلت الثورة أيضاً مصدر معلومات حول فساد الدولة لم يكن العديد من اللبنانيين على علم بها. فبعد تسليط الثورة الضوء على قضايا فساد عدّة كانت غريبة عنها، بدأت ريتا تشكّك في تصويرها للتيار الوطني الحرّ كمحارب أساسي للفساد في مؤسسات الدولة. بالرغم من تأييدها القائم لحزبها، بدا واضحاً أنّ وراء الواجهة التي قدمتها خلال المقابلة، كانت تطرح تساؤلات عدة. “بشوف الثورة عم تنتقد شي موضوع فساد، بحكيهم (مسؤولين في التيار) بسألهم “طيب ليه ما كنتوا ضدّ قبل؟” بيقولولي كنّا نحكي ضدّ ويبعتولي فيديو وأشياء، بسكت ببطل أعرف على شو شارع”. ثم أضافت ساخرة: “بتبطل تعرف شو ومين تصدّق”.

مواقف بعض أحزاب السلطة من الثورة تزيد من اضطرابات مناصريها

منذ بداية انتفاضة 17 تشرين، تباينت مواقف أحزاب السلطة حيالها. ففيما عارضتها بعض أحزاب السلطة علناً وصولاً إلى حد مطالبة مناصريها عدم المشاركة فيها، أبدت أحزاب أخرى تأييداً أو على الأقل إنفتاحاً عليها وإن بدرجات متفاوتة.

فمن جهة، ووسط حالة القلق المعروضة أعلاه، خرجت قيادات بعض الأحزاب لتعارض الثورة التي جذبت قسماً من مناصريها وزادت من شكوك هؤلاء. فقد ولّدت معارضة هذه الأحزاب للثورة حيرة مضاعفة لدى مناصريها وصلت إلى حد زعزعتهم، بين حراك اعتبروه محقّاً ووجدوا أنفسهم فيه وبين انتمائهم لأحزاب باتت في طليعة المناوئين له.

فموقف النائب السابق سليمان فرنجية المعارض للثورة كان من أبرز عوامل مضاعفة شكوك سايد تجاه تيار المردة. “بعد الثورة ما عاد بدّي سليمان يجي رئيس للجمهورية، كنت مفكره قوي بمبادئه، إيه نحنا (المردة) عنّا مبادئ بس ما فينا نكون هلقد ضعاف قدام فريق تاني لأن هو أقوى منّا ونصير ناخد غير مواقف”. ويأتي هذا القول في سياق اعتقاد سايد أن سليمان فرنجية مع الثورة، ولكن عارضها لإرضاء فريق سياسي آخر. أمّا ريم التي فعلت “المستحيل” لتشاهد خطاب السيد حسن نصر الله في 29 تشرين الأول خلال دوام العمل من شدّة محبّتها له “والكل بيعرف قدّيش”، تلقّت صدمة عندما أعلن في الخطاب معارضته للثورة طالباً من جمهوره الإنسحاب من الساحات. وقالت بحزن: “كانت الصدمة كتير قوية، خاب أملي، كنت ناطرة السيد يحكي لأن لإلي هو رمز الحماية، أنا وعم إسمعه طفيته لأن خاب أملي كتير، عتبانة عليه، غلّط السيد لما استخفّ بوجع الناس”. وكذلك حسن فقد تخلّى بدوره كلّياً عن فكرة حركة أمل كتنظيم يؤمن له الحماية. فبعدما أساءت الحركة لأحد أفراد عائلته بسبب مشاركته في تحرّكات مدينة صور، تبيّن لحسن أنّه “للأسف، ومتل ما بيقول المثل، العباية اللي ما بدّها تدفّي صاحبها حْرِقها أهون”.

من جهة أخرى عمدت بعض أحزاب السلطة إلى الإلتحاق بالثورة معفيةً مناصريها من الإختيار بين الثورة والحزب، وربما لتجنّب أيّ انشقاق في صفوفها. فعلى سبيل المثال، شجّع حزب القوات مشاركة مناصريه مع تعليمات تضمن عدم بروز مشاركة حزبية “قواتية” في الثورة[4]. وتضمّنت هذه التعليمات عدم المبادرة إلى تسكير الطرقات، وعدم الإحتكاك مع القوى الأمنية، وعدم الظهور على الإعلام[5]. فهكذا سهّل الحزب مشاركة مناصريه الذين انجذبوا إلى الثورة محاولاً أن تحصل مشاركتهم وفق شروط الحزب وتعليماته، وذلك على خلاف مناصري الأحزاب الأخرى الذين شاركوا فيها رغماً عن رفض أحزابهم. فمشاركتهم تصبح إذ ذاك خالية من أيّة قيود أو ارتباطات حزبية. وقد أتيح لمناصري بعض الأحزاب مجال أكبر لمناقشة مسألة مشاركتهم مع قياداتهم. من بين هؤلاء، رانيا التي فسّرت لتيار المستقبل أنها لا تتظاهر ضدّ سعد الحريري بشخصه ولكن تتظاهر ضد فشل طبقة سياسية بأكملها. وكذلك خالد الذي كان صريحاً مع مسؤولي حزبه وأعلمهم بمشاركته في حراكات الثورة، فجاءه جواب من قبيل “عمول يلّي بدّك ياه ما عنّا مشكلة”.

وعليه، يعكس خطاب الأشخاص الذين قابلناهم اضطرابات وتحوّلات هامة في قناعاتهم السياسية بتأثير من الثورة، على نحو يؤدّي إلى التشكيك في الصور النمطية المبسّطة التي تتناقلها العديد من القوى الثورية عنهم وعن مشاركتهم فيها. وبما لا يقلّ أهمية، ترافقت هذه التغيّرات لدى هؤلاء مع تطوّر نظرة نقديّة لديهم بشكل عام نتيجة مشاركتهم في الثورة وإزاء الثورة تحديداً وهي نظرة جاءت كنتيجة طبيعية للصورة النمطية


[1] جاد، منتسب إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 6/1/2020.

[2] سايد، منتسب سابق إلى تيار المردة، مقابلة مع “المفكرة”، 27/2/2020.

[3] غابي، منتسب سابق إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 27/2/2020.

[4] جاد، منتسب إلى حزب القوات اللبنانية، مقابلة مع “المفكرة”، 6/1/2020.

[5] المصدر أعلاه.

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *