بيان للمفكرة القانونية حول التحقيق بشأن مجزرة مرفأ بيروت: فشل دولي ووطني في بناء “السيادة القضائية” و5 مسلمات للإجابة على معضلة العدالة والسيادة


2020-08-12    |   

بيان للمفكرة القانونية حول التحقيق بشأن مجزرة مرفأ بيروت: فشل دولي ووطني في بناء “السيادة القضائية” و5 مسلمات للإجابة على معضلة العدالة والسيادة
تصوير ماهر الخشن

منذ حصول مجزرة مرفأ بيروت في 4 آب 2020، اكتشف اللبنانيون أنهم يواجهون مرة أخرى جريمة هائلة من دون أن تتوفر لديهم مؤسسات قضائية وأمنية محصنة وقادرة على التحقيق فيها وتحديد المسؤوليات بتجرّد وبصورة مستقلة وشفافة. وهذا الشعور الذي غالباً ما راودهم خلال العقود الماضية حيال أي فضيحة أو جريمة بما فيها جرائم مشهودة، يبلغ طبعاً مداه أمام الجرائم الكبرى، وهو يأتي بمثابة استرجاع لما حصل تبعا لمقتل رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في 2005. وتماما كما حصل آنذاك، انطلقت المطالبات باللجوء إلى تحقيقات أو محاكم دولية، كتعبير عن عدم الثقة بالمؤسسات والخبرات الوطنية في هذا المجال. هذا فضلا عن رواج المطالبات الشعبية بتعليق المشانق وقيام المتظاهرين فعليا بتعليق مشانق صورية للزعماء في 8 آب في وسط بيروت.

وفي موازاة ردود الأفعال الشعبية، ذهبت الحكومة التي استقالت بعد أقلّ من أسبوع من المجزرة، في اتجاهات لا تتناسب مع خطورة الجريمة، بدأت بتعيين لجنة إدارية مكونة من وزراء ومن رؤساء أجهزة أمنية لتحديد المسؤوليات، وانتهت بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، وذلك في موازاة إعلان حالة الطوارئ في بيروت وما يستتبعها من عسكرة لمدة أسبوعين.

انطلاقا من ذلك، يهمنا إبداء الملاحظات الآتية:

1- الفشل الدولي والوطني في بناء المؤسسات القضائية والأمنية

أن نقص الثقة بالمؤسسات القضائية والأمنية المحلية أو انعدامه لا يعكس فقط فشلا وطنيا بل أيضا دوليا.

وهذا الأمر يتحصل من فشل المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة المتهمين بقتل الحريري وغيره في تحقيق أحد أهدافها الأساسية، وهو أن تكون رافعة للمنظومة الأمنية والقضائية وتطويرها في اتجاه وضع حدّ لحالة الإفلات من العقاب. وقد شكّل هذا السبب الموجب لإنشاء هذه المحكمة وفق الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة كوفي أنان مبرّرا لبذل التكاليف الباهظة (والتي قاربت مرة ونصف موازنة المحاكم اللبنانية كافة خلال أكثر من 12 سنة). إلا أنه للأسف، وبمعزل عما سيؤول إليه عمل المحكمة الخاصة، فإن هذا الهدف لم يتحقق قط حيث ساد التعامل مع القضية على أنها قضية منعزلة لا تتصل بالعدالة في لبنان ولا تؤثر فيها.

وهو فشل وطني، حيث أن القوى السياسية تقاعست عن اتخاذ أي تدبير لتطوير المؤسسات القضائية أو الأمنية. وهذا ما يتحصل بشكل خاص عن غياب أي مشروع لتحصين القضاء أو تعزيز استقلاليته وأدائه، وعن مجمل الممارسات القضائية الحاصلة في الفترة الغابرة والتي وثقتها المفكرة القانونية أكثر من مرة. من هذه الزاوية، ذهبت هذه القوى خلافا للمنطق والأولويات التي تذرّعت بها في سياق مناقشة امكانية اللجوء إلى المحكمة الخاصة: فالفريق السياسي المؤيّد للمحكمة (فريق 14 آذار) الذي اعتبر أن لا سلم من دون عدالة لم يعِرْ أي انتباه لتعزيز القضاء الداخلي، كأنما العدالة الداخلية لا تعنيه. والفريق المعارض للمحكمة (فريق 8 آذار) على خلفية اعتبارات السيادة لم يقم بأيّ جهد لتحصين المؤسسات الداخلية وتاليا السيادة المنشودة حيال مطالب اللجوء إلى العدالة الدولية عند حصول جرائم كبرى. وعليه، نجد اليوم أنفسنا مجددا أمام معضلة الإختيار بين السيادة والعدالة بفعل قصور مؤسسات القضاء، تماما كما نجد أنفسنا أمام معضلة الاختيار بين السيادة وإعادة عجلة الإقتصاد أو تأمين المواد الحيوية. فالسيادة ليست مجرّد موقف، بل هي تتطلّب سياسات حكيمة وصولا إلى وضعية كفيلة بتحصينها والحفاظ عليها.

وهذا ما كنّا نبّهنا إليه مرارا وعبثا، داعين الفرقاء كافة إلى الإنسجام مع منطقهم، من خلال وضع تشريعات ضامنة لاستقلال القضاء، احتراما لاعتبارات العداالة والسيادة في آن.

2- شطط الحكومة بشأن مرجعية التحقيق والمحاكمة في قضية مجزرة المرفأ

أن التدابير المتخذة من قبل الحكومة سواء في تعيين لجنة إدارية أو الإحالة إلى المجلس العدلي تبقى قاصرة وغير متناسبة قط مع خطورة الجريمة للأسباب الآتية:

أ- أن إنشاء لجنة إدارية مكونة من وزراء ومن رؤساء أجهزة أمنية يشكّل مدخلا لتضليل التحقيق القضائي أو توجيهه وخروجا سافرا عن مبدأ الفصل بين السلطات، حيث أنه يؤدي عمليا إلى إيلاء السلطة التنفيذية مسؤولية التحقيق في مدى تورّط الإدارات العامة الخاضعة لسلطتها في جريمة كهذه، فيما يفترض أن تكون السلطة التنفيذية برمتها موضع حساب. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد أنه ترك لقيادة الجيش أن تتخذ قرارات وضع في الإقامة الجبرية على كل من يثبت تورطه في هذه القضية عملا بقانون إعلان حالة الطوارئ، مما سيتيح لها توجيه أصابع الاتهام في هذا الاتجاه أو ذاك والتأثير بالتحقيقات والمس بقرينة البراءة.

ب- أن إحالة الجريمة الى المجلس العدلي إنما يشكّل لجوءً جديدا لمحكمة تجري فيها المحاكمة وفق أصول استثنائية لا تراعي شروط المحاكمة العادلة وتناقض العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يشكّل جزءا لا يتجزأ من الدستور. وللتذكير، يتقرّر اختصاص المجلس العدلي من قبل مجلس الوزراءـ ويناط التحقيق بقاض يعين خصيصا لهذه الغاية، ويتولى 5 من قضاة محكمة التمييز المحاكمة. ولا يمكن استئناف القرارات الصادرة عن المحقق العدلي أو عن المجلس. إن انعدام شروط المحاكمة العادلة أمام هذا المجلس تفتح المجال واسعاً للتشكيك بأي حكم يصدر عنه وباعتبار الأشخاص المتهمين أمامه أو المحكومين من قبله بمثابة موقوفين تعسفا. ولا يردّ على ذلك بأن الإحالة إلى المجلس العدلي مبررة بتجنب قواعد الاختصاص العادي والتي تجعل القضية من إختصاص المحكمة العسكرية مع ما يستتبع ذلك من تهميش للضحايا، طالما أن هذا الأمر يؤدّي إلى استبدال محكمة استثنائية بمحكمة أخرى، وأن ضمان حقوق الضحايا لا يبرر التضحية بحقوق الدفاع، والأهم أنه يتمّ من دون السعي إلى تصحيح أصول المحاكمات أمام المجلس العدلي ضمانا لشروط المحاكمة العادلة. وما يزيد من قابلية هذا القرار للنقد أن الحكومة أحالت القضية إلى المجلس العدلي، من دون أن يترافق ذلك مع تعيين المحقق العدلي، مما يضع في حال تأخير التعيين الملاحقة في مساحة رمادية تتفرد النيابة العامة في إدارتها والتحقيق فيها من دون ضمانة قاضي التحقيق.

ت- أن التحقيقات القضائية في المجزرة تتولاها النيابات العامة (التمييزية والعسكرية) الحالية دون أن تعيد الحكومة النظر بأي من التعيينات فيها. ومن أبرز هذه المراكز، مركز النائب العام التمييزي (رئاسة النيابات العامة)، والذي يشغله القاضي غسان عويدات منذ أيلول 2019. وهذا ما عبّر عنه بيان نادي قضاة لبنان الصادر في 10 آب 2020 والذي أعاب على النيابة العامة عقد تسويات مع المصارف والسكوت إزاء جواب هيئة التحقيق الخاصة بشأن الحسابات المشبوهة وانكفائها عن مكافحة الفساد. هذا مع العلم أن ثمة أسبابا عديدة تسمح باإارتياب حول مدى حيادية القاضي عويدات بإجراء التحقيقات في مجزرة المرفأ لا سيما نظراً لعلاقاته العائلية مع بعض المشتبه فيهم (كونه متأهلا من شقيقة غازي زعيتر الذي كان وزير الأشغال العامة والنقل في 2014 أي عند تفريغ حمولة الباخرة في المرفأ بناء على طلب وزارته)، وأنه كان تلقى تقارير بوجود مواد مخزنة خطيرة في المرفأ قبل الإنفجار وأجرى تحقيقات بشأنها. ورغم ذلك، لا يطالب حتى الآن أيٌّ من القوى السياسية الوازنة بتعيين بديل عنه أو على الأقل بتنحيته عن التحقيق في هذه القضية. ونشير إلى أن النائب العام التمييزي يمثل النيابة العامة لدى المجلس العدلي، مما يعني أنه سيستمر بتمثيل الحق العام والمجتمع حتى بعد إحالة الجريمة الى المجلس.

3- وجوب ضمان مرجعية قضائية مستقلة وشفافة

إزاء معضلة التوفيق بين العدالة والسيادة وفشل الحكومة في اتخاذ التدابير المناسبة بشأن التحقيق في هذه القضية، من المهمّ التذكير بالمسلّمات التي يقتضي أن يضمنها أي خيار، وهي الآتية:

1)  ضمان حقوق الضحايا كافة وبخاصة حقوقهم بالاطلاع على التحقيقات والمشاركة في المحاكمة،

2) ضمان شروط المحاكمة العادلة،

3) ضمان فعالية التحقيقات والخبرات الضرورية لإجرائها،

4) توفر مبدأ القاضي الطبيعي بمعنى أن تكون المحكمة دائمة وعادية وليست خاصة أو منشأة خصيصا لغاية النظر في القضية مع ما يتيحه ذلك من تدخلات سواء عند إنشائها أو تحديد أصول المحاكمة لديها،

5) ضمان الأثر الاجتماعي والحقوقي والمؤسساتي لمعالجة هذه القضية، بحيث تؤدي هذه الجريمة ليس فقط إلى تحديد المسؤوليات، إنما أيضا إلى إطلاق ورشة حقيقية وجدية لتطوير نظامنا القضائي والأمني وتعزيز امكانيات السيادة القضائية مستقبلا.

وفيما لا تُوفّر المحاكم الوطنية هذه الشروط والضمانات، فإن امكانية اللجوء إليها تفترض بالضرورة اتخاذ سلسلة من الإجراءات ضمن أقصر المهل، أهمّها:

أولاً: إجراء تعيينات جديدة في المراكز القضائية الحساسة، بالأخص النيابة العامة التمييزية والتي يجدر أن يشغلها قاضٍ معروف بتجرده بعد إعادة النظر في الصلاحيات الهائلة الممنوحة له في التحكم في عمل النيابات العامة،

ثانياً: إجراء مجموعة من الإصلاحات التشريعية بشكل فوري تزامناً مع التحقيقات بمجزرة المرفأ، ومنها إقرار قانون ضامن لاستقلال القضاء وفق المعايير الدولية، وإلغاء أصول المحاكمة الاستثنائية المجلس العدلي أو إعادة الإختصاص إلى المحاكم العادية،

ثالثاً: الإستعانة بالخبرات الأجنبية والدولية اللازمة التي قد لا تكون متوفرة داخليا. وكل ذلك لا يمكن أن يتم من دون زخم اجتماعي واسع وعاقل وهادف.

بالمقابل، فإنّ من شأن أيّ تقاعس أو مماطلة في معالجة عوامل القصور والخلل الحالية، أن يزيد للأسف من مشروعية اللجوء إلى الحلول الدوليّة سواء لإجراء التحقيقات أو المحاكمة كحل حتمي، مع ما قد يستتبع ذلك من أكلاف عالية وتدخّلات خارجية أو يحدّ من فرص الإستفادة من هذه القضية لتطوير نظامنا القضائي والأمني. وما يخفف من هذه الجوانب السلبية، هو الدور الفاعل الذي قد تؤديه الضحايا والرأي العام في تعميق الأبعاد الحقوقية لهذه القضية وأيضا اللجوء إلى مرجعيات دولية دائمة ومهنية (كمحكمة الجزاء الدولية) وليس خاصة أو استثنائية.

انشر المقال

متوفر خلال:

أحزاب سياسية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، لبنان ، مقالات