بيان لائتلاف استقلال القضاء في لبنان: القضاء الذي نريد حامٍ للحريّات وليس فزّاعة

بيان لائتلاف استقلال القضاء في لبنان: القضاء الذي نريد حامٍ للحريّات وليس فزّاعة
ائتلاف استقلال القضاء

في مطلع هذا الأسبوع، فوجئ الرأي العامّ بإحالة قُرابة 30 شخصا إلى المحكمة العسكريّة بتهم معاملة عناصر الأمن بالشدّة. المشترك بين هؤلاء الأشخاص أنهم شاركُوا في تظاهرات ثورة 17 تشرين وأنه تمّ توقيفهم خلالها بصورة اعتباطية. كما المشترك بينهم هو أن النيابة العامة التمييزية أي رئاسة النيابات العامة هي التي أحالتْ ملفّاتهم إلى المحكمة العسكرية، وأن النيابة العامة العسكرية ادّعت عليهم بصورة جماعية وبغياب أي دليل على الأفعال المدعى بها. هذا مع العلم أن بعضهم تعرّض لعنف غير مبرر من عناصر الأمن وأن النيابات العامة لم تلاحق أيا من أفعال العنف هذه. تبعاً لذلك، يهمّنا كائتلاف استقلال القضاء لفت نظر الرأي العامّ وتذكير الجميع وبشكل خاصّ النيابات العامة، بالمسلّمات الآتية:

1- محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية تخالف قيم المحاكمة العادلة والدستور

من المسلّم به أيضاً أنّ المحاكمة أمام المحكمة العسكرية تفتقد لشروط المحاكمة العادلة المُكرَّسة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي يُشكِّل جزءاً لا يتجزّأ من الدستور. ويتحصل ذلك من مجموعة من العوامل، أهمها تكوين المحكمة من ضباط لا يتمتعون بضمانات الاستقلالية ولا حتى أحيانا بالمعرفة القانونية وإصدار الأحكام بصيغة نعم ولا من دون تعليل وغياب الحق بالاستئناف. وتصبح المحكمة بمثابة الخصم والحكم حين يخضع أمامها مدني لمحاكمته بتهمة التعرض لعسكري.

ان محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية يخالف بشكل خاص المادة 14 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية المُقرّة عام 1966 والملحق بشرعة حقوق الانسان، التي تشدد على ضرورة تمتع جميع المدنيين بمحاكمة عادلة ومُنصفة وغير منحازة. كما وان هذه الاستدعاءات تخالف المادة 19 من العهد المذكور والتي تضمن حرية التعبير وانه لا يجب أن يخشى أحد من التعبير عن اراءه ونشرها بكل حرية.

ومن هنا، فإنّ رفض النظام الحاكم أي مسّ بصلاحيات هذه المحكمة إنما يُشكّل مؤشّراً جديداً على استباحة حقوق المواطنين وحرياتهم التي تبقى تحت سقف حساباته السياسية بمعزل عن مدى دستوريتها.

2- اشتراك النيابات العامة بإحالة ملفات فارغة إلى المحكمة العسكرية تحوير خطير في استعمال السلطة

أمرٌ آخر لا بدّ من الإشارة إليه هو استسهال النيابات العامة في إحالة ملفات فارغة للمتظارهين إلى المحكمة العسكرية، بما يعكس فهما خطيرا لوظيفتها. ففيما تجد هذه النيابات العامة مبرّر وجودها في الدفاع عن مصالح المجتمع وضمان احترام القوانين، فإنها تصرّفت في هذه الدعاوى كأداةٍ للنّظام الحاكم لقمع حريّة التظاهر والاعتراض في تجاوزٍ تامّ لهذه القوانين. وهي بذلك تُكرّر ما فعلتْه ضدّ متظاهري حراك 2015 والذين انتهت محاكماتهم إلى إبطال التعقّبات بحقّهم لغياب أي دليل.

وفهم النيابات العامة لوظيفتها على هذا النحو إنما يشكل نتيجة شبه حتمية لكيفية تعيينها وفق قاعدة المحاصصة الطائفية والسياسية، بما يجعلها مراكز نفوذ أكثر مما هي مراكز عدالة. ومن البدهي في هذه الحالات تحميل النظام الحاكم كامل المسؤولية عن عمل النيابات العامة، طالما أنها غير مستقلة وتابعة له. 

3- القاضي الذي نريد مركز عدالة وليس فزاعة

إن إحالة 30 مُعترضاً أمام محكمةٍ لا تتوفَّر فيها شروط المحاكمة العادلة وعلى أساس ملفات فارغة إنما يكشف عن نزعة خطيرة لدى النيابات العامة ولدى النظام الحاكم إلى استخدام المحكمة العسكرية كفزّاعة في مواجهة حرية التظاهر ولغاية قمعها. وهو بذلك يظهّر أكثر من أي وقت مضى حقيقة صراعنا كائتلاف مع هذه السلطة لاستعادة مؤسساتنا القضائية. فله قضاؤه المستتبع الذي يستخدمه للتخويف والقمع، ولنا قضاؤنا المستقلّ الذي نأمل منه حماية حقوقنا وحرياتنا ومعها الدولة الديمقراطية والعادلة.

لهذه الاعتبارات كلها،

ودفاعا عن القضاء الذي نريد والدولة التي نريد في مواجهة دولة التسلط والقمع والاستبداد،

ندعو المواطنين كافة للتعبير أفرادا ومجموعات للدفاع عن المدعى عليهم في مواجهة الملاحقة التعسفية بحقهم،  ولمزيد من التآزر وصولا إلى إقرار قوانين استقلالية القضاء العدلي والإداري والتي يدعمها الإئتلاف من دون أي مسّ في جوهرها، فضلا عن تقليص صلاحيات المحكمة العسكرية لحصرها في الجرائم العسكرية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، استقلال القضاء ، انتفاضة 17 تشرين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم