بيان “المفكرة القانونية” حول القانون رقم 191/2020: دعوة للاحتكام لمبادئ المحاكمة العادلة واستقلال القضاء


2020-11-03    |   

بيان “المفكرة القانونية” حول القانون رقم 191/2020: دعوة للاحتكام لمبادئ المحاكمة العادلة واستقلال القضاء
رسم رائد شرف

بتاريخ 22/10/2020، نشر القانون رقم 191 الرامي الى تعزيز الضمانات الأساسية وتفعيل حقوق الدفاع في الجريدة الرسمية بعد أن أقرّه مجلس النوّاب في 30/9/2020، وهو القانون الذي عدّل أصول المحاكمات الجزائية لا سيما المادة 47 منه من أجل توسيع حقوق الدفاع خلال التحقيقات الأولية. ومن أهم الحقوق التي كرّسها القانون: حق المشتبه فيهم بالاستعانة بمحام خلال التحقيقات الأولية، وحقهم بالحصول على معاينة طبية جسدية نفسية مجانية، وحقهم بمعرفة الشبهات والأدلة القائمة ضدهم، والزامية تسجيل الاستجوابات بالصوت والصورة.

هذا القانون هو بمثابة إنجاز حقوقي يجدر أن يتوحّد حوله القانونيون الإصلاحيون بمعزل عن مهنهم، ليخوضوا معاً معركة في مواجهة القانونيين المستفيدين من النظام الجزائي القائم حالياً والذي يسوده كمّ من اللاعدالة والمظلومية وتحجب فيه موازين القوة معايير العدالة؛ فينطلقون منه لإصلاح ما تضمنه ربما من ثغرات أو صياغات تحتاج إلى ضبط من دون تعريض نفاذه للخطر. ولكن ورغم ذلك، نشهد منذ أيام ما يشبه معركة تكاد تتحول إلى معركة فئوية بين جسمي المحامين والقضاة. ومن أهم مواقع هذه المعركة، مطالبة أكثر من 100 قاضيا من رئيس الجمهورية الطعن في دستورية القانون مما قد يعرض القانون برمته للخطر، وقد قابلها مواقف وبيانات صادرة عن القيمين على نقابتي المحامين، أبرزها اعتراض نقيب المحامين في طرابلس محمد مراد على رفض هؤلاء للقانون معتبراً أن دورهم ينحصر بتطبيق القانون من دون أن يكون لهم الحقّ بالاعتراض على أعمال المشرّع بموجب مبادئ فصل السلطات وموجب التحفّظ. وقد بدا النقيب مراد وكأنه يحكم على القضاة بالصمت وينكر عليهم حق المشاركة في مناقشة القضايا العامة.

وفي السياق نفسه، صدر بيان عن مجلس القضاء الأعلى في 31/10/2020 أكّد فيه على عدم استشارته مسبقا بشأن هذا القانون خلافا للمادة /5/ من قانون تنظيم القضاء العدلي وعلى حق وواجب السلطات القضائية باقتراح التعديلات القانونية إذا ما رأت فيها شائبة أو ثغرة، مشدداً على أهمية هذا القانون ومساهمته في بناء الدولة العادلة. وقد بدا المجلس وكأنه يغلب تقديم اقتراح لتصويب أوجه الخلل الحاصلة في القانون على الطعن فيه بالنظر لما فيه من ضمانات هامة.

وانطلاقا من كل ذلك، يهمّ المفكرة تدوين وإبداء الملاحظات الآتية، قبل توضيح توصياتها في هذا الشأن:

 

  1. القانون رقم 191/2020 إنجاز حقوقي يقتضي المحافظة عليه

 إن القانون رقم 191/2020 هو خطوة إصلاحية هامة وضرورية لحماية الدولة. فهو من أهّم الإصلاحات القانونية التي أقرّت مؤخراً في النظام الجزائي اللبناني تصويبا لمكامن الخلل فيه، وخصوصا في أداء قضاة الملاحقة والتحقيق. وهو يقدّم ضمانات أساسية وعملية لتنفيذ الحقوق الدستورية التي غالباً ما تبقى حبراً على ورق، وأهمها حقوق الدفاع المقدس وقرينة البراءة والحماية من التعذيب والاحتجاز التعسفي والمحاكمة العادلة. وهو يضمن المساواة في الأسلحة بين قضاة الملاحقة ومحامي الدفاع، بما يضع حداً للواقع الحالي حيث يسيطر قضاة الملاحقة على مسار التحقيق مع هامش ضيّق لتدخّل محامي الدفاع. كما يجعل من المخافر ومراكز التحقيق مراكز للعدالة خالية من التعذيب يتساوى فيها الناس، ويساهم في وضع حدّا لطقوس الاستفراد بالفئات الأكثر تهميشاً وضعفاً في المجتمع اللبناني لدى الاشتباه بارتكابهم جريمة والاستقواء عليهم من خلال فرض تنازلات أو إقرارات أو تعهدات عليهم، وذلك بمعزل عما هي عليه أوضاعهم القانونية أو طبيعة الجريمة الذين يشتبه بهم بارتكابها. وهو يأتي بعد عقود من نضال المجتمع الحقوقي في لبنان في اتجاه إقرار هذه الإصلاحات جاءت آخر فصوله بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين.

لذا، يتوّجب التعامل معه أولاً وقبل أي أمر آخر على أنه قانون إصلاحي يجدر اعتباره من مكاسب انتفاضة 17 تشرين وتجنب تعريضه لأي خطر قد يطيح به، بخاصة نظراً لمساهمته في وقف انزلاق لبنان باتجاه الدولة الأمنية العسكرية والبوليسية، ونظراً لتغليب المقاربة العسكرية في العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كمجزرة مرفأ بيروت مؤخراً وعلاقات المواطنين مع المصارف وأصحاب العمل والنظام السياسي.

 

  1. القانون رقم 191/2020 يتضمن ثغرات يقتضي تصويبها

فيما بدا إصدار القانون خطوة هامة في اتجاه تكريس الممارسات الفضلى لحقوق الدفاع، يجدر الإشارة إلى أن إقرار القانون قد تضّمن إشكاليات عديدة قد فصلنا أبرزها في مقالة سابقة لإقراره وأهمها:

أولا: أن القانون يؤدي إلى تكريس ممارسة غير قانونية وخطيرة تتمثل بإبقاء الأشخاص محتجزين في النظارات “لصالح النيابات العامة” رغم انقضاء الحدّ الأقصى لمدة الاحتجاز أثناء التحقيقات الأولية (4 أيام)، وذلك من خلال نصّه في الفقرة السادسة من المادة /47/ المعدّلة على أنه: “بعد انتهاء مدة الاحتجاز، لا يجوز للنيابة العامة اتخاذ أيّ إجراء من أي نوع كان بحق الشخص المحتجز، ويجب على عناصر الضابطة العدلية نقل المحتجز من مركز الاحتجاز الذي تم استجوابه فيه الى أي مركز آخر غبر تابع للقطعة عينها، على أن يصار تدوين ذلك في المحضر قبل اختتامه تحت طائلة البطلان.” ويتوّجب تعديل هذه الفقرة من أجل النص صراحة على وجوب ضمان مثول المحتجز أمام قاضي التحقيق أو الحكم من دون تأخير ومن دون جواز إبقائه في أي من النظارات بعد انقضاء مدة الاحتجاز القصوى، وذلك منعا لأي إطالة غير مبررة لهذه المدة كما يحصل حالياً.

ثانيا: أن منهجية إقرار القانون بنيت بشكل أساسي على قاعدة “ما يجب أن يكون” بمعزل عمّا هو حاصل فعليّاً. فقد استندت أسبابه الموجبة على إقرار قواعد يجدر تكريسها التزاماً بالمعايير الدولية، من دون أن يتمّ ربطها بالممارسات والأضرار والمخاطر الحاصلة فعليا وتالياً بحاجات المجتمع أو مصالحه.

ثالثا: إن إقرار القانون لم يترافق مع أيّ دراسة لإمكانية تحقيق الحلول المقترحة على أرض الواقع مستقبلاً، وبخاصّة بما يتّصل بالبنود التي تتطلّب رصد موازنة مالية لتحقيقها في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الحالية، لا سيما تطوير أنظمة المعونة القانونية والطب الشرعي (ومن ضمنها المعاينة النفسية) والمترجمين المحلفّين لجهة تخصصهّم وجهوزيتهم للاستجابة السريعة خلال التحقيقات الأوّلية، كما والزامية التسجيلات بالصوت والصورة لجلسات الاستجواب. فأهم من إقرار الحقوق في النصوص هو ضمان تطبيقها في الواقع تجنّبا لتحولها إلى حبر على ورق. وكنّا شهدنا تنازل العديد من المشتبه بهم عن حقوق مضمونة قانونا (كمعاينة طبيب) درءا لإستمرار احتجازهم بانتظار حضور الطبيب.

فضلا عن ذلك، ورغم تسليم غالبيّة القضاة المعترضين على حقّ المُشتبه به باصطحاب محام، وهو أهم ما ورد في هذا القانون، فإنهم أثاروا عددا من الهواجس حول بعض بنود القانون، أهمّها الآتية:

أولا، يعترض بعض القضاة على تمكين المشتبه به أو المدّعى عليه من الاستمهال 24 ساعة لتوكيل محام، علما أن القانون منح قضاة النيابة العامة إمكانية المباشرة بالتحقيق بغياب المحامي “في حالة الجريمة المشهودة وعندما يكون هناك ضرورة قصوى تبرر عدم الانتظار، على أن يتم شرحها بالتفاصيل على المحضر” (الفقرة 15 من المادة /47/ المعدّلة). وهذا النص الذي يهدف إلى ضمان التوازن المطلوب بين ضمانات حقوق الدفاع والنظام العام، إلا أن صياغته تقبل التفسير في اتجاه الإخلال بهذا التوازن من زاويتين: الأولى، أنه يؤدي إلى الحدّ من حقوق الدفاع من دون مبرر لجهة أنه يحرم الشخص المعني في هذه الحالة ليس فقط من حقه بالاستمهال 24 ساعة بل أيضا من حقه باصطحاب محامٍ، والثانية، أن صياغة النص توحي بوجوب توفر شرطين لتطبيق الاستثناء، أي وقوع جريمة مشهودة ووجود ضرورة قصوى تبرر عدم الانتظار، فيما أن حماية النظام العام قد تتطلب تطبيق الاستثناء في كلا الحالتين (كما هي الحال في جرائم الإرهاب والخطف غير المشهودة).

ثانيا، يعترض بعض القضاة على النص الذي يعاقب المحقق العدلي (سواء كان من قضاة النيابة العامة أو من عناصر الضابطة العدلية) بعقوبة تصل إلى سنة حبس في حال لم يراعٍ أيا من الضمانات الأساسية المذكورة في المادة /47/ مع السماح بملاحقتهم دون أي إذن مسبق من أي مرجع (الفقرة الأخيرة من المادة /47/ المعدّلة). ويعترض القضاة على هذا النص من زوايا مختلفة: أولاً، أن النص جاء مطاطا بحيث يشمل جميع الضمانات الأساسية من دون تحديدها، علما أنه يصعب تحقيق بعض هذه الضمانات في ظل نقص الموارد. ثانياً، أن النص جاء مبهما بحيث لا يحدد العنصر المادي لملاحقة قضاة النيابة العامة على خلفية الأفعال المرتكبة من عنصر الضابطة العدلية العامل تحت إشرافه. ولهذين الاعتبارين ما يبررهما على ضوء مبدأ أن لا عقوبة من دون نص والذي يفترض ضبط النصوص العقابية منعا للتعسف في استخدامها. ثالثا، أبدى القضاة تحفظات لجهة عدم الحاجة لإذن مسبق، إلا أن هذا الاعتبار مردود طالما أن ملاحقة أي من القضاة لا يتطلب أصلا في القانون الحصول على أي إذن مسبق. رابعاً، أبدى بعض القضاة تحفظاً لجهة جمع قضاة النيابة العامة والعناصر العدليين في النص التجريمي نفسه بما يخلّ بالوضعية الخاصة للقضاة، إلا أن هذا الاعتبار يتصل ليس فقط بهذا القانون بل بقانون أصول المحاكمات الجزائية كلها والذي جعل النيابات العامة جزءا من الضابطة العدلية منذ العام 2001 وتضمن نصوصا عدة تعاقب كل من تشملهم هذه التسمية من دون أي تمايز، كما هي حال المادتين /15/ و/48/ من القانون المذكور.

يبقى أن تخوف القضاة من إضافة هذا النص العقابي يعكس في عمقه تخوّفهم من المحاسبة القضائية أي من قبل قضاة ينتمون إلى الجسم القضائي نفسه، بما يؤشر إلى تخوّف القضاة من تبعية هؤلاء أو من التنظيم القضائي ويشكل سببا للمطالبة بإقرار قانون استقلال القضاء العدلي وشفافيته أكثر مما يشكل سببا للمطالبة بتعطيل قانون 191/2020.

 

3- التوصيات:

تبعا لما تقدم، تسجل المفكرة القانونية وتوصي بالآتي:

  • التمسك بالقانون رقم 191/2020 على أنه قانوني إصلاحي وإنجاز حقوقي واجتماعي فرضته ثورة 17 تشرين ومبادئها،
  • الدعوة لإطلاق ورشة حقوقية وطنية لتصويب الأخطاء أو ملء الثغرات التي تشوب القانون رقم 191/2020 والتي أشرنا إلى أبرزها أعلاه، على أن يترافق ذلك مع تقييم أداء المرفق القضائي-الأمني واحتياجاته واستطلاع آراء القضاة والضابطة العدلية والمحامين والمشتبه فيهم،
  • تغليب مبادئ المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع في أداء المرفق القضائي-الأمني، ومن أبرزها المساواة في الأسلحة بين قضاة الملاحقة ومحامي الدفاع، فضلا عن اتخاذ التدابير الوقائية للحد من التعذيب وإساءة المعاملة بخاصة خلال مرحلة التحقيقات الأولية والاحتجاز،
  • الإسراع في إقرار قانون استقلالية القضاء العدلي وشفافيته من دون تشذيب أي من المعايير الدولية لاستقلال القضاء منه، لضمان مبادئ استقلالية المؤسسات القضائية كمجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي ومبدأ عدم نقل القاضي دور رضاه فضلا عن إقرار حريتي التجمع والتعبير للقضاة، وذلك ضمانا للمحاكمة العادلة وتصديا لأي مطالبة بحصانات بحجة تبعية القضاء وعدم استقلاله،
  • التأكيد على أن أهم ما يجمع بين أخلاقيات القضاة والمحامين هو احترام مبادئ المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء، وهو الأمر الذي يمهّد لأوسع شبكة للتعاون تحقيقاً للضمانات وبعيداً عن منطق الحصانات والمصالح الفئوية. ومن هنا، نحذر من خطورة التخلي عن هذه الأخلاقيات من خلال مواقف فئوية ومتطرفة غالبا ما يتم إشهارها في مسعى لجبه أو نقض أي إصلاح حقيقي.
انشر المقال

متوفر من خلال:

إقتراح قانون ، استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، المهن القانونية ، قضاء ، لبنان ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *