بيان “المفكرة القانونية” بشأن مجزرة المرفأ: ليس بالمساءلة الجنائية وحدها ننصف الضّحايا


2020-08-07    |   

بيان “المفكرة القانونية” بشأن مجزرة المرفأ: ليس بالمساءلة الجنائية وحدها ننصف الضّحايا
جزء من المرفأ في اليوم التالي للانفجار (تصوير ماهر الخشن)

شهدت بيروت مساء الثلاثاء 4 آب 2020 مجزرة انطلقت حممها من مرفئها لتنتشر في جميع أحيائها بدرجات متفاوتة. وقد جاءت هذه المجزرة الكارثة لتُضاف إلى الكوارث التي بات سكان لبنان يرزحون تحتها مع تراجع الأمل في إمكانية تجاوز مفاعيلها في المدى المنظور. وبخلاف الكوارث السابقة، فإنّ هذه الكارثة أتت مضرّجة بدماء آلاف الضحايا من قتلى وجرحى.

ليس واضحاً بعد حجم كارثة المرفأ والتي تمثلت في تدمير مرفأ بيروت (وهو المرفأ الحيوي الذي يرتبط به تطوّر مدينة بيروت ابتداء من القرن التاسع عشر والذي يستورد لبنان من خلاله أكثر من 60% من السلع الموردة إليه) وأجزاء كبيرة من أحيائها السكنية والتجارية. لكن، توقيت هذه الكارثة إنما يؤدي إلى مضاعفة نتائجها التدميرية: فهي تأتي تبعاً للانهيار المالي والاقتصادي الذي ترافق مع تفليسة الدولة ومصرف لبنان وتوقفهما كما المصارف عن الدفع، وأيضاً مع فقدان اللبنانيين ودائعهم ومدّخراتهم المصرفية ومداخيلهم بعد انهيار العملة الوطنية وفقدان عشرات الآلاف منهم لوظائفهم وأعمالهم. فبذلك تأتي الخسائر التي تبلغ مليارات الدولارات بالحد الأدنى لتضاف إلى خسائر هائلة كابرتْ السلطة الحاكمة قبلما تضطر للاعتراف بها، وكلّها خسائر تحدّ من إمكانية الدولة من القيام بوظائفها التعاضدية بما فيها التعويض على الضحايا أو إعادة إعمار أو ترميم بيوتهم ومنازلهم ومؤسساتهم. فضلاً عن ذلك، فقد جاء تدمير المرفأ ليحرم الدولة من موارد جمركية وليرفع تكلفة الاستيراد من خلال مرافئ أخرى. وهكذا، بدل أن تخفّف إيرادات المرفأ من حجم المعاناة الاجتماعية، جاء تدميره وعملياً حرمان لبنان من شريانه الحيوي ليزيد من هذه المعاناة.

تبعاً لذلك، وبعد التعبير عن تضامننا الكلّي مع أهلنا وبخاصة كل مصاب في أحبابه أو ذاته أو مدينته وبيته، يهمّ “المفكرة” إبداء الملاحظات الآتية:

  1. المسؤوليات القانونية والعقاب: القضاء أمام امتحان الثقة

أمام هول هذه الكارثة التي لم تتّضح مسببّاتها بعد بشكل كامل، تثور طبعاً مسألة المسؤولية الجرمية والعقاب الذي يتناسب مع خطورة الأفعال المرتكبة ومدى جهوزية القضاء لبلوغ نتيجة عادلة من دون تمييع. وفي هذا السياق، يقتضي إبداء الملاحظات الآتية:

أولاً، ضرورة محاسبة المسؤولين في الإدارات العامّة: بمعزل عن سبب الانفجار وتحديداً فيما إذا كان مقصوداً أو غير مقصود، فإنّ تخزين كميات كبيرة من مواد كيمائية بخطورة “نيترات الأمونيوم” في أحد عنابر المرفأ بخلاف محظورات قانونية عدّة، يترتّب عليه مسؤوليات جسيمة مباشرة تطال المسؤولين الحاليين والسابقين (منذ 2014) في كل من وزارة الأشغال العامة وإدارة مرفأ بيروت والمديرية العامة للجمارك، وهي مسؤوليات قد تتّسع على ضوء التحقيقات لتشمل أشخاصاً أهملوا ممارسة صلاحياتهم لجهة أو أخرى أو علموا بوجودها وسكتوا عنها رغم كونها في صلب صلاحياتهم كما قد تكون حال العديد من الأجهزة الأمنية. ويرجّح أن تظهر التحقيقات أنه تماماً كما حصل بشأن الانهيار المالي والنقدي، كان موظفون كبار يعلمون جيّداً أنّ ثمّة احتمالاً لانفجار مماثل من دون أن يتّخذ أيّ منهم الخطوات اللازمة للحؤول دون ذلك أو لحماية المصلحة العامة. وإذ يؤمل أن يؤدي حجم الجريمة وكبرها إلى التخفيف من إمكانية تزييف المسؤوليات أو الإلتفاف حولها، يبقى أنّ الجرائم الأخيرة المدمّرة (لا سيما جرائم الفساد والمصارف ومصرف لبنان) بقيت في معظمها من دون عقاب بفعل شبكات المصالح ونقص استقلالية القضاء، مما سمح بتكرارها من دون أيّة محاسبة.

ثانياً، رفض تحقيق السلطة التنفيذية مع نفسها:

إنّ قرار مجلس الوزراء بإنشاء لجنة تحقيق إدارية مكوّنة من وزراء ورؤساء أجهزة أمنية إنّما هو قرار يذهب في اتجاه مناقض لمستلزمات العدالة. فكيف يمكن للسلطة التنفيذية أن تتولّى هي التحقيق في مسؤوليات الإدارات العامة الخاضعة لسلطتها في جريمة كهذه؟ وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد أنّ المجلس طلب من قيادة الجيش فرض الإقامة الجبرية على كلّ من يثبت تورّطه في ملف “نيترات الأمونيوم” عملاً بقانون إعلان حالة الطوارئ، مما سيتيح لها تالياً توجيه أصابع الاتهام في هذا الاتجاه أو ذاك والتأثير في التحقيقات والمسّ بقرينة البراءة.

وقد ترافقت هذه التوجّهات غير المبرّرة مع خطاب يُعلّي من شأن القوى العسكرية التي تم تسليمها إدارة العاصمة ويذمّ من السلطة القضائية التي تمّ تصويرها أنّها مسؤولة عن إبقاء المواد الخطيرة في عنابر المرفأ، بما يحجب مسؤوليّة الإدارة عن ذلك. وللأسف، فإنّ هذا المنحى يحصل في ظل انكفاء القضاء والنيابات العامة عن أداء أدوارهم والصّمت حيال تهميشهم . ولهو أمرٌ معبّر أنّ أيّاً من قضاة النوّاب العامّين المختصّين (التمييزي والعسكري والاستئنافي في بيروت) أو قاضي التحقيق الأوّل في بيروت لم ينتقل إلى مسرح الجريمة وذلك بالرغم من أنّ القانون يلزمهم بالمباشرة فوراً بالتحقيقات والمحافظة على الأدلّة وجمعها.

انطلاقاً من ذلك، وأمام تراجع ثقة الناس في القضاء وأمام مساعي السلطة التنفيذية لاستغلال تراجع الثقة للتحرر من مسؤولياتها من خلال إنشاء لجان إدارية وعسكرية، يقف القضاء اللبناني اليوم والقيّمون على إدارته أو مساءلته أمام امتحان أساسي لإثبات جدراتهم واستعادة ثقة الشعب بحكم القضاء ودولة القانون، وبدور القضاء حماية حقوق الناس الأساسية في مواجهة منظومة الفساد السياسي – القضائي – الإداري – الأمني التي أوصلت البلد إلى هذا الانهيار الكارثي.

ومن المطلوب أخيراً، أن تجري هذه التحقيقات القضائية بشفافية وتحت رقابة المنظمات الحقوقية بالنظر إلى دقّتها، بحيث تُغلّب مقتضيات المصلحة العامة على سرّية التحقيق.

  1. المسؤولية السياسية أولاً: كيف نوقف الجريمة المستمرة؟

من البديهي أن ضحية هذه المجزرة هو الشعب اللبناني برمّته، طالما أنه سيدفع كله ثمن ما حصل. وعليه، لا يتحقق إنصاف الضحايا بإعمال المسؤولية الجزائية والتعويض عن الضحايا فقط، إنّما يتطلّب قبل كل شيء إعمال المسؤولية السياسية من قبل القوى الاجتماعية برمتها. فكما حصل مع الانهيار المالي، شكلت هذه المجزرة دليلاً دموياً على الدِّرْك الذي وصل إليه أداء المرافق العامة، والتي تحوّلت إلى مجموعة من الإقطاعات التي تعمل لمصلحة هذا الزعيم أو ذاك بمنأى عن وظائفها التي انوجدت من أجلها والتي هي خدمة الصالح العام. وكل ذلك يجري في منظومة شبه مافياوية نستشفّها بوضوح كلّي من تصرّفات جمعية المصارف ومما كشف عنه القرار الظني في قضية الفيول، منظومة تعرّض مصالح الدولة والمواطنين لخطر داهم ودائم بدل حمايتهم، منظومة تخدم المصالح الخاصة وتستفيد من حصانات شبه مطلقة حيال أي محاسبة. وهذا ما عكسه سوء الإدارة في المرفأ والجمارك وحجم المخالفات الجسيمة والمتمادية التي آلت إلى المجزرة. وقد أتى قرار المجلس الدستوري مؤخراً بإبطال قانون يعزز الشفافية في آلية تعيين موظفي الفئة الأولى ليعيد التأكيد على آليات المحسوبية واستتباع الإدارة.

وعليه، بمعزل عن المسؤوليات الفردية أو الوظيفية التي قد تنتج عن أي تحقيق جدي في هذه القضية، فإن درء احتمال حصول كوارث مشابهة مستقبلاً لا يتمّ إلا من خلال نهضة اجتماعية واسعة تؤدي إلى تغيير جذري لنظام الحكم وآلياته.

  1. مأسسة وجع الضحايا: أي خيارات أمام المواطن الضحية؟

أمام تراكم الكوارث والجرائم بحق الشعب، لا يراكم المواطن الخسائر الشخصية وحسب بل هو يكتشف كل يوم آثار النظام القائم وتردّي المرافق العامة واستشراء الفساد والمحسوبيات فيها على ممتلكاته الشخصية التي كان يظنّها محصّنة وبمنأى عنها. فبعدما الْتَهم الفساد ودائع الناس وودائع المؤسسات التي يملكونها أو يعملون فيها وتالياً مداخيلهم وفرص عملهم، ها هو يفجّر بيوتهم ويستبيح دماءهم. وكما اتحدت شرائح واسعة من اللبنانيين أمس بالخسارة المالية والذل، ها هي شرائح كبيرة منهم تتحد اليوم بالدم.

ومن شأن تراكم هذه الأمور أن يثبت للبنانيين أكثر من أي وقت مضى مدى الترابط بين العام والخاص وبين الشؤون العامة والشؤون الخاصة وأيضاً أنّ الحفاظ على الحقوق الحيوية يتلازم مع وجود دولة قادرة وعادلة. وهم بذلك يجدون أنفسهم أمام اتجاه من اثنين: إمّا الهجرة بحثاً عن دولة تضمن لهم الحد الأدنى من الحقوق بعدما فقدوا الأمل بلبنان بمعزل عن مدى انتمائهم لهذا الوطن، وإما البقاء فيه (ونحن من بين هؤلاء) رغم كل شيء. وفي هذه الحالة الأخيرة، وسواء حصلت اختياراً أو اضطراراً، سيتعيّن علينا أمام تراكم هذه الخسائر والجرائم مضاعفة اهتمامنا بالشؤون العامة على اعتبار أنها الممرّ الأساسيّ للتغيير وتالياً المحافظة على حقوقنا وحقوق الأجيال المقبلة. ونحن بذلك لا ندافع فقط عن المجتمع إنّما عن أنفسنا وأبنائنا أيضاً، تمهيداً لقلب موازين القوى واستعادة ما تبقى من المصالح العامة وإعادة بناء الدولة.

ولعلّ أول القوى المطالب بتعاضدها في هذه اللحظة هي ضحايا المجزرة وأهاليهم، حيث يؤمل أن يؤدي تعاضد هؤلاء إلى مأسسة الوجع من خلال تأليف تجمعات عابرة للطوائف والمناطق، تماماً كما فعل ذوو المفقودين خلال الحرب الأهلية، وتالياً إلى تحوّله إلى قوة حقوقية في وجه استبداد السلطة وتعسّفها.

ختاماً، تكرّر “المفكرة القانونية” التزامها التام في الدفاع عن المجتمع وبخاصة في الظروف الحالكة التي يمرّ فيها لبنان، وهو التزام يرتب عليها في هذه القضية بذل ما قدرت من جهود في سبيل تعزيز المحاسبة السياسية والقانونية ومؤازرة الضحايا تمهيداً لإنصافهم ووقف الجريمة المستمرّة بحقهم وحق المجتمع برمته.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، أحزاب سياسية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات