بيان ائتلاف استقلال القضاء حول الذكرى الثالثة لتفجير المرفأ: بانتظار أن ننفض رماد الانقلاب و”المادة 751″

بيان ائتلاف استقلال القضاء حول الذكرى الثالثة لتفجير المرفأ: بانتظار أن ننفض رماد الانقلاب و”المادة 751″
ائتلاف استقلال القضاء في لبنان

تحلّ الذكرى الثالثة لقضية المرفأ ولما يزال التّحقيق عالقًا تحت كمّ من الرماد، رماد الانقلاب. ومع كل ذكرى سنوية للتفجير، نجد أنفسنا أمام عدالة معطّلة، أمام عدالة تنهشها براثن القوى السياسية منعًا لأي محاسبة. 

في السنة الأولى، توقّف التحقيق في انتظار رفع الحصانات من قبل المراجع السياسية المعنية التي امتنعت كلّها عن القيام بذلك. في السنة الثانية، توقف التحقيق بفعل عشرات دعاوى الردّ والمخاصمة التي قدّمتها القوى المُناوئة له، وهي دعاوى تؤدي إلى تعليق التحقيق بمعزل عن جدّيتها. كل ذلك في موازاة كمّ من التحقير والتنمّر والتهديد بلغ مستويات قياسية في حق المحقق العدلي طارق بيطار. وقد بلغت خطورة دعاوى المخاصمة أقصاها بعدما أجهضتْ القوى السياسية الحاكمة التشكيلات القضائية مما أفقد الهيئة العامة لمحكمة التمييز المختصة للنظر فيها إمكانية بتّها وأبقى تاليًا مفعولها المعلّق لدعاوى الرد والتحقيق قائمًا إلى أجل غير مسمى. وإذ سعى المحقق العدلي طارق بيطار في قراره الصادر في 23 كانون الثاني 2023 إلى تجاوز هذه العقبات بواسطة ما اعتبرناه “اجتهاد الضرورة”، جوبه خلال ساعات بأقسى انقلاب على العدالة. 

هذا الانقلاب الذي طبع السنة الثالثة قاده النائب العام التمييزي غسان عويدات مدعومًا برؤساء الأجهزة الأمنية والقوى السياسية المناوئة للتحقيق والأهم لامبالاة وزير العدل الذي لم يحرك ساكنًا لمواجهة الانقلاب. وقد تمثّل في قيام النائب العام التمييزي بـ 3 إجراءات غير مسبوقة: (1) وضع يده على ذمام النيابة العامة مجددًا في هذه القضية مخالفًا بذلك قرار محكمة التمييز بقبول تنحّيه عنها، (2) الادّعاء على المحقّق العدليّ بجرم الاستيلاء على السلطة مع إصدار قرار بمنعه من السفر بحجّة أنّه عاد ليمارس دوره كمحقق في حين أنّ يده مكفوفة عنه، و(3) أخيرًا، الإفراج عن جميع المحتجزين، في استيلاء واضح على صلاحيات المحقق العدلي من خارج أي صلاحية. وبنتيجة هذه الإجراءات التي هددت السلامة الشخصية للمحقّق العدلي وقدرته على القيام بأيّ من إجراءات التحقيق، عاد ليقرر تعليق جلسات الاستماع إلى المدّعى عليهم في انتظار إسقاط التهم الموجهة إليه.

تبعًا لذلك، وإذ يعبّر الائتلاف عن تخوّفه العميق من ضياع العدالة والحقيقة في ظل انغماس القوى السياسية في تطوير فنون الإفلات من العقاب وتعميمها، فهو يسجّل بمناسبة الذكرى الثالثة للتفجير المواقف الآتية:

  • استهجان إزاء امتناع السلطات العامّة عن اتخاذ أيّ موقف لوقف مفاعيل الانقلاب: 

رغم خطورة الانقلاب الحاصل، من البيّن أنّه حظي بقبول واسع من القوى السياسية المهيمنة والأجهزة الأمنية، التي تواطأت بشكل أو بآخر معه. فلا وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال ولا هيئة التفتيش القضائي ولا مجلس القضاء الأعلى قاموا بأي خطوة عملية لحماية المحقق العدلي من الأعمال الانقلابية والانتقامية التي قام بها عويدات، بالرغم من تقديم عدد من ضحايا 4 آب بواسطة مكتب الادعاء في نقابة محامي بيروت شكاوى جزائية وتأديبية في حقه. وعليه، بعد أكثر من 6 أشهر من تقديم الشكوى ضدّ بيطار، لا تزال هذه الشكوى قائمة ولا يزال التحقيق معطلًا بفعلها، فضلًا عن امتناع الحكومة عن إقالة عويدات وتعيين نائب عام تمييزي جديد بدلًا عنه. 

  • استهجان إزاء امتناع السلطة التشريعية عن تقديم أي حلول لوقف الممارسات والآليات التعطيلية:

كما سبق بيانه، إنّ التهمة التي يواجهها المحقق العدلي هي أنّه اجتهد لتجاوز تعطيل عمله لأكثر من سنة بفعل تقديم عشرات دعاوى الردّ والمخاصمة ضدّه وتعطيل النظر في هذه الدّعاوى بفعل تعطيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز. ويذكر هنا أنّ فنون التعطيل هذه، والتي كانت القوى المناوئة للتحقيق في قضية المرفأ أوّل من مارسته، باتت أداة في إمكان أي مدعى عليه في أي قضية أن يستخدمها لتعطيل التحقيقات القضائية الحاصلة في حقه، مما يهدّد مرجعية القضاء برمته. وهذا ما حصل فعلًا في قضايا الجرائم المالية أو الاستقصاء عن السرّية المصرفية، كما في قضايا الفساد كالنّافعة، كما في نزاعات عقاريّة كقضية القرنة السوداء مؤخّرًا. واللافت أنّه رغم تقدّم عدد من النواب بالتعاون مع ائتلاف استقلال القضاء باقتراحين معجّلين مكرّرين لتعديل مواد أصول المحاكمات لمنع التعسّف في استخدامها (المادة 751 من أصول المحاكمات المدنية والمادة 52 من أصول المحاكمات الجزائية)، انعقدت جلستان تشريعيتان منذ ذلك الحين من دون إدراجِهما على جدول أعمالها. وهو تقصير لا يمكن فهمه إلّا على أنّه اعتداء جديد من السلطة السياسية على القضاء.     

  • استهجان إزاء فشل لجنة الإدارة والعدل النيابية في إنجاز قوانين ضامنة لاستقلالية القضاء العدلي والإداري ضمن مهل معقولة: 

من المفجع أنّ لجنة الإدارة والعدل أهملت في سياق درسها لاقتراح قانون استقلال القضاء العدلي مجمل توصيات لجنة البندقية الاستشارية لضمان تحقيق استقلالية القضاء مؤكدة مجددًا على اقتراحها في آخر 2021 بكل ما فيه من ثغرات تنفي الغاية منه وإخلال بالمعايير الدولية. كما نسجّل البطء الشديد الذي يجري فيه درس اقتراح استقلالية القضاء الإداري والذي لا ينسجم قط مع الطابع الملحّ لهذا الإصلاح.

وعليه، 

وإذ يذكّرالائتلاف أنّ السيادة ليست موقفًا بل هو إنجاز يتحقّق بالتخطيط والتشريع وبناء المؤسسات، وأنّ الاستمرار في نهج تعطيل القضاء وإخضاعه إنّما يشكل من هذه الزاوية تخلّيًا عن هذه السيادة وبمثابة دعوة للضحايا بأنّ لا عدالة ترتجى من الوطن، مما دفعهم إلى المطالبة بإنشاء لجان تقصّي حقائق دولية واللجوء إلى المحاكم الوطنية الأجنبية أملًا في الوصول إلى حقوقهم بالعدالة،  

فإنّه يحدّد مطالبه على النحو الآتي:  

  1. العمل على إبطال مفاعيل “الانقلاب” ضد المحقّق العدلي من دون إبطاء وبالأخص لجهة إسقاط التّهم الموجّهة إليه بالاستيلاء على السلطة، من خلال حفظ الشكوى من المحقق الخاص المعيّن فيها تبعًا لتراجع النيابة العامة التمييزية عنها أو من دونه، 
  2. مباشرة الملاحقة التأديبية بحقّ النائب العام التمييزي غسان عويدات على خلفية المخالفات الجسيمة المرتكبة في معرض “الانقلاب”،   
  3. إدراج الاقتراحين المعجّلين المكرّرين بتعديل المادتين 751 من قانون أصول المحاكمات المدنية والمادة 52 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على جدول أعمال جلسة تشريعية قريبة، وإقرارهما بهدف وقف الممارسات التعطيلية للقضاء في قضية المرفأ كما في أي قضية ذات أهمية اجتماعية،  
  4. تمكين المحقّق العدلي من متابعة تحقيقاته من دون تدخّل أو تعسّف أو تهديد، على أن يكون له حقّ الاستعانة بأيّ من الهيئات الدولية أو الهيئات القضائية المختصّة ضمن المعاهدات الدولية واتفاقيات التعاون القضائي،  
  5. الالتزام ببناء السيادة القضائية الوطنية، من خلال إنجاز اقتراحي قانون لاستقلال القضاء العدلي والإداري ضمن أقصر المهل وفق توصيات لجنة البندقية الاستشارية والمعايير الدولية لاستقلالية القضاء. 
  6. الدعوة إلى التضامن والالتفاف حول ضحايا تفجير المرفأ وذويهم ضمانًا لحقّ المجتمع في الحقيقة وحقوقهم في العدالة وجبر الضرر.
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، مجزرة المرفأ ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية